Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

“المهمة الأخيرة”.. الثمن المسكوت عنه لإزالة الألغام في سوريا

منذ فجر التحرير، دفع 57 جندياً ومتطوعاً مدنياً في إزالة الألغام، حياتهم ثمناً لنقص المعدات، وضعف التمويل، وغياب الخرائط التي تدلُ على حقول الألغام، بينما تتسارع عودةُ السوريين إلى مناطقهم التي لا تزال ملوثة بذخائرِ الحرب وألغام روسيا وجيش نظام الأسد البائد.

صباح يوم الحادي عشر من شباط/ فبراير 2025، كان المهندس فهد الغجر يستعد للذهاب إلى قرية الفطيرة في جبل الزاوية، جنوب محافظة إدلب. قبل يوم واحد فقط، عاد شقيقه إلى سوريا قادماً من لبنان بعد غياب استمر أربعة عشر عاماً، لكن فهد لم يتمكن من السفر للقائه، إذ كانت هناك مهمة عمل جديدة بانتظاره، وهي تفكيك ألغام حول منزل عاد إليه أصحابه بعد سنوات من النزوح.

أنهى فهد عمله داخل المنزل بنجاح، وأزال ما وجده من عبوات لم تنفجر. لكن أحد سكان القرية طلب منه تفقّد الأرض المحيطة بالمنزل أيضاً. لم يكن يعلم أن المنطقة المجاورة تخفي حقلاً واسعاً من الألغام. بعد دقائق، دوى الانفجار.

ينقل والد وليد الغجر، استناداً إلى رواية أحد الشهود الذين كانوا في الموقع، أن فهد دخل المنطقة معتقداً أنها آمنة بعد الانتهاء من تفتيش المنزل، قبل أن ينفجر لغم أرضي ويودي بحياته. ويضيف: “كان هناك حقل ألغام لم يعلم أحد بوجوده. انفجر اللغم في وجهه واستُشهد على الفور. لم يتمكن أحد من الوصول إليه مباشرة، واضطر عناصر الدفاع المدني إلى سحب جثمانه بالحبال بسبب كثافة الألغام حوله”.

شاهدة قبر فهد الغجر في قرية التح، حزيران/ يونيو 2026 – (سراج)

لم يكن فهد شخصاً مدنياً عادياً، بعد حصوله على الشهادة الثانوية عام 2009، تطوّع في الجيش بصفة “صف ضابط” تخصص هندسة. وخلال خدمته العسكرية أُصيب إصابة خطيرة أثناء تكليفه بإزالة عبوة ناسفة، ما تسبب له بإصابة دائمة في كتفه.

عقب اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، انشق الغجر عن قوات النظام عام 2012، وأكمل دراسته الجامعية، ثم عمل مدرساً في مدارس بلدته التح ومخيمات النزوح. وفي عام 2017 أصيب مجدداً جراء قصف جوي تسبب له بإعاقة دائمة في ساقه اليسرى.

على الرغم من الإصابات المتراكمة، عاد فهد بعد سقوط نظام الأسد البائد للمشاركة في إزالة الألغام ومخلفات الحرب، متنقلاً بين دمشق وعفرين وإدلب، وللمساعدة في تأمين المناطق التي بدأ السكان بالعودة إليها. لكن نهايته جاءت من الخطر ذاته الذي كرّس سنوات من حياته لمواجهته.

الرجل الذي نجا من إصابات الحرب والقصف، وعمل على تفكيك الألغام في مناطق عدة من سوريا، قُتل بانفجار لغم أثناء أداء عمله. 

يقول والده: “نجا ابني من النظام، ونجا من القصف، ونجا من إصابات كثيرة خلال الحرب، لكنّ لغماً واحداً بعد التحرير أخذه منا إلى الأبد”

فيما يعتمد الأطفال ووالدتهم على المساعدات والاستدانة من المتاجر المحلية، اضطر والده الذي تجاوز الخامسة والسبعين من عمره، كما يقول، إلى بيع أرضه الزراعية البالغة 25 دونماً من أشجار الزيتون، ليتمكن من إعالة أبنائه وأحفاده بعد سنوات الحرب. 

“ترك فهد أربعة أطفال بلا معيل”، يقول الوالد. “كان يخرج كل يوم لينقذ عائلات من خطر الألغام، لكن أطفاله اليوم ينتظرون من ينقذهم من الفقر والحاجة”.

 فهد الغجر خلال إحدى عمليات كشف وإزالة الألغام في ريف إدلب. المصدر: عائلة  فهد الغجر

أخطر مهنة في سوريا!

تحولت عمليات إزالة الألغام ومخلفات الحرب إلى واحدة من أخطر المهام في سوريا، فيما تشهد البلاد واحدة من أكبر موجات عودة المهجرين منذ اندلاع الثورة التي حولها نظام الأسد إلى حرب على الشعب السوري. بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 1.6 مليون إنسان إلى مناطقهم منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 وحتى ربيع عام 2026، بينهم مئات آلاف اللاجئين  إلى تركيا ولبنان والأردن، إضافة إلى أعداد كبيرة من النازحين.

مثل فهد الغجر، يدفع متطوعون وعاملون في إزالة الألغام حياتهم ثمناً لضعف التأهيل، ونقص المعدات، وضعف التمويل، الى جانب غياب الخرائط ذات العلاقة، بينما تتسارع عودة السوريين إلى مناطق لا تزال ملوّثة بذخائر الحرب.

لتوثيق ظروف عمل فرق إزالة الألغام ومخلّفات الحرب في سوريا، وكيف يتسبب نقص المعدات في حصد أرواح المتطوعين العاملين في نزع الألغام، اعتمد فريق التحقيق على منهجية متعددة المصادر،إذ أنشأ الصحافيون خلال ثلاثة أشهر من المراقبة والعمل، قاعدة بيانات ضمّت 27 حادثة انفجار ألغام موثّقة عبر مصادر رسمية وحقوقية أدت لمقتل أو إصابة عاملين في إزالة الألغام في سوريا خلال عامي 2025 و2026، مع ربط كل حادثة بمصادر مفتوحة، ومنشورات فيلمية، وبصرية عبر الانترنت وخصيصاً وسائل التواصل الاجتماعي. 

وللحصول على مزيد من الموثوقية للأدلة المتوفرة، جمع الفريق شهادات حية من المواطنين لمطابقتها مع البيانات الرقمية التي جمعها الفريق، ولذلك أجريت مقابلات مع 12 خبيراً وعاملاً في إزالة الألغام، بينهم عناصر من وزارة الدفاع السورية، والدفاع المدني السوري، إلى جانب متطوعين في إزالة الألغام وعائلات ضحايا.

وشملت المنهجية في وقت لاحق، تحليل عشرات الصور ومقاطع الفيديو المنشورة التي توثّق عمليات إزالة الألغام وإتلاف الذخائر، ومقارنتها بالمعايير الدولية للأعمال المتعلقة بالألغام (IMAS)، مع التحقق من المواد البصرية عبر مطابقة المواقع والتواريخ والمعلومات الواردة فيها مع مصادر مستقلّة.

كما راجع الفريق تقارير ووثائق صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS)، ومنظمات حقوقية ودولية متخصصة، بهدف تقييم أثر غياب الخرائط ونقص المعدات والتجهيزات على سلامة العاملين في إزالة الألغام ومخلّفات الحرب في البلاد.

وبينما يشكّل غياب الخرائط، أحد أبرز أسباب الخطر على العاملين في إزالة الألغام، يكشف تحليل المواد البصرية ومقابلات العاملين، أن المشكلة لا تتوقف عند نقص المعلومات، بل تمتد إلى غياب جزء كبير من معدات الحماية والتجهيزات، التي تُعدّ أساسية وفق المعايير الدولية للأعمال المتعلقة بالألغام (IMAS).

وخلال مراجعة 104 صور ومقاطع فيديو جمعها الباحثون وتوثّق عمليات إزالة الألغام وإتلاف الذخائر في مناطق مختلفة من سوريا، رصد فريق التحقيق، أن العاملين في غالبيتهم كانوا يستخدمون “ملابس عسكرية عادية، أو تجهيزات جزئية بدلاً من معدّات الحماية المتخصصة المعتمدة دولياً والتي تبلغ تكلفتها آلاف الدولارات الامريكية”.

وأظهرت نتائج التحليل الفني، أنّ 71 مادة بصرية (68%) من مجموع المواد، تضمنت عاملين لا يرتدون أقنعة حماية كاملة للوجه، بينما ظهر 53٪ من العاملين دون سترات واقية مخصصة لإزالة الألغام. 

كما أظهر التحليل، استخدام أجهزة كشف معادن غير متخصصة في 61٪ من المواد التي أمكن تحديد نوع المعدات المستخدمة فيها للكشف عن الألغام.

وفي عديد الحالات، غابت الآليات المخصصة لنقل المتفجرات وإتلافها، فيما أظهرت بعض المقاطع تنفيذ عمليات نقل أو تفجير للذخائر بوسائل ميدانية محدودة مقارنة بالتجهيزات المنصوص عليها في المعايير الدولية للأعمال المتعلقة بالألغام (IMAS)، ما يعكس فجوة واضحة بين حجم المخاطر التي يواجهها العاملون والإمكانات المتاحة لهم على الأرض.

النتائج أفضت إلى أنّه بين خلال عامي 2025 و2026، قتل 57 عاملاً ومتطوعاً أثناء تنفيذ مهام التفكيك أو التعامل مع الذخائر غير المنفجرة، غالبية الضحايا كانوا من عناصر وحدات الهندسة التابعة لوزارة الدفاع السورية، فيما ارتبطت 26 حادثة من أصل 27 بعمليات تفكيك ميدانية مباشرة، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه العاملين في هذا المجال.

وتفرض المعايير الدولية الخاصة بإزالة الألغام استخدام منظومة متكاملة من وسائل الحماية الشخصية، تشمل دروعاً واقية مصممة لتحمل آثار الانفجارات والشظايا، وأقنعة لحماية الوجه والعينين، إضافة إلى معدات كشف متخصصة وآليات آمنة للحفر والنقل والتفجير. إلا أن هذه المتطلبات تبدو بعيدة عن الواقع الميداني الذي تعمل فيه اليوم فرق سورية عدة.

ووفق حسابات أجراها فريق التحقيق، استناداً إلى أسعار معدات إزالة الألغام المتخصصة، فإن الحدّ الأدنى لتجهيز عامل واحد بمستوى حماية مقبول يبلغ نحو 15,496 دولاراً أميركياً. ويشمل هذا المبلغ بدلة حماية خفيفة معروضة بسعر يقارب الـ9,500 دولار أميركي، وجهاز كشف ألغام متخصصاً من طراز Vallon VMH3CS يبلغ سعره نحو 5,996 دولاراً. ولا تشمل هذه التقديرات تكاليف الشحن والتدريب والصيانة، أو معدات الحفر والنقل والتفجير الآمن. وتؤكّد المعايير الدولية للأعمال المتعلقة بالألغام (IMAS) أنّ معدات الحماية الشخصية، يجب أن توفر حماية من آثار انفجار تعادل 240 غراماً من مادة TNT، وفق طبيعة العمل والمسافة من مصدر الخطر.

بدلة حماية متخصصة لإزالة الألغام، مصمّمة لتقليل آثار الانفجارات والشظايا – تصميم: رضوان عواد – سراج

يرى الخبير في إزالة الألغام، محمد عدنان الفرهود، أن غياب المعدات لا يؤدي فقط إلى زيادة الإصابات بين العاملين، بل يبطئ أيضاً عمليات التطهير نفسها، ويؤخر عودة السكان إلى مناطقهم، ويزيد الكلفة البشرية والاقتصادية لملف الألغام الذي يُعد أحد أكثر الملفات تعقيداً في سوريا بعد الحرب.

ويؤكد صهيب محمد زعرور، الذي أُصيب أثناء مشاركته في عمليات إزالة الألغام ضمن صفوف إدارة العمليات العسكرية بعد تحرير حلب، أن نقص المعدات كان أحد العوامل التي زادت من خطورة العمل، قائلاً: “عندما تعرضت للإصابة لم تكن لدينا معدات كافية، ولم يكن معي جهاز فحص متطور يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل. وحتى اليوم لا تزال المعدات المتوافرة أقل من الحاجة الفعلية”.

ولا يقتصر الأمر على عمليات الكشف فقط، بل يمتد إلى عمليات نقل الذخائر وإتلافها. 

صهيب محمد زعرور، أُصيب أثناء تفكيك لغم في حلب – سراج 

ضحايا في مهمة الإنقاذ

لم تكن إصابة صهيب، ولا وفاة فهد الغجر أولى الحوادث التي بسببها يصاب أو يفقد شخص ما حياته أثناء محاولته نزع ألغام في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

في مدينة عين عيسى شمال محافظة الرقة، قُتل العسكريان إبراهيم خليل الحسن، وموسى خلف السالم أثناء مشاركتهما في إزالة ألغام زرعتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

يقول خليل حمود العلي، الذي يدير فريقاً محلياً لإزالة الألغام، وكان الشابان ضمن أفراد فريقه: “اللغم كان عبارة عن شريط موصول بلغمين. فك الفريق اللغم الأول واعتقد أن المنطقة أصبحت آمنة، لكن اللغم الثاني انفجر فور تقدمهم، فاستشهدا على الفور”.

على مدى أكثر من 14 عاماً من الحرب، تحولت مساحات واسعة من سوريا إلى مناطق ملوثة بالألغام الأرضية ومخلّفات الحرب. وبينما تتركز الأنظار عادة على الضحايا المدنيين، يدفع العاملون في إزالة الألغام ثمناً باهظاً أيضاً أثناء محاولتهم تأمين تلك المناطق. 

يقول قائد عمليات فوج الهندسة في الفرقة 80، ميسرة الحسن، إنّ مناطق خط التماس السابقة في ريف إدلب الجنوبي وريفي حماة الشمالي واللاذقية الغربي، شهدت وحدها ما يقدّر بنحو 15 ألف حالة وفاة وإصابة مرتبطة بالألغام بين عامي 2020 و2024، في مؤشر إلى حجم الخطر الذي لا يزال يهدد السكان وفرق الإزالة على حد سواء.

ووفقاً لمنظمة “هيومن رايتس ووتش“، قتلت الألغام الأرضية وأصابت أكثر من 600 شخص، بينهم أطفال، منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، فيما لا تزال تشكل أحد أبرز العوائق أمام العودة الآمنة وإعادة الإعمار واستعادة النشاط الزراعي في الكثير من المناطق السورية.

وتتركز نسبة كبيرة من هذه العودة في محافظات ريف دمشق وحمص، وحلب وإدلب، وهي من أكثر المناطق التي شهدت خلال سنوات الحرب انتشاراً للألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة ومخلّفات العمليات العسكرية. ومع تسارع وتيرة العودة، تتزايد المخاطر التي تواجه السكان العائدين، إذ يجد كثر منهم أنفسهم أمام منازل وحقول وطرقات لم تخضع بعد لعمليات مسح أو تطهير كاملة.

وبحسب بيانات مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، ما زال نحو 719 ألف شخص يقيمون في أكثر من 750 مخيماً شمال غربي سوريا، فيما تستهدف الحكومة إعادة نحو 35 ألف عائلة إلى مناطقها الأصلية خلال عام 2026. إلا أن العودة لا ترتبط فقط بإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية، بل تصطدم أيضاً بخطر آخر أقل ظهوراً وأكثر فتكاً، وهو الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة التي لا تزال منتشرة في مساحات واسعة من المدن والبلدات والحقول التي يسعى السكان للعودة إليها.

ويعتبر المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن الأرقام الموثقة تمثل الحد الأدنى فقط من حجم الخسائر الفعلية، موضحاً أن حوادث كثيرة تقع في مناطق نائية أو لا يتم توثيقها بصورة كاملة.

ويقول: “تحوّل عمليات إزالة الألغام نفسها إلى مصدر للقتل، مع سقوط عشرات الضحايا أثناء التفكيك، يكشف حجم الفجوة بين الاحتياجات الميدانية والإمكانات المتاحة، ويفرض إنشاء هيكل تنسيقي وطني وتوفير تدريب منهجي ومعدات مناسبة للفرق العاملة”.

وتشير بيانات منظمات محلية ودولية إلى أن الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، لا تزال تشكل أحد أكبر التهديدات التي تواجه المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، خصوصاً في المناطق التي شهدت انسحابات عسكرية متسارعة أو تغيراً متكرراً في السيطرة خلال سنوات النزاع.

ويصف الدفاع المدني مخلفات الحرب الناجمة عن قصف النظام السابق بالخطر المستمر طويل الأمد الذي يؤثر على حياة المدنيين، إذ تبقى قابلة للانفجار لسنوات، وتؤثر على المناطق السكنية والزراعية وأماكن لعب الأطفال.

زيارة ميدانية إلى أحد مواقع إزالة الألغام ومخلّفات الحرب في منطقة خان شيخون بريف إدلب، توثّق عمليات نقل وتجهيز وتفجير الذخائر غير المنفجرة. أيار/ مايو 2026 – سراج

ألغام بلا خرائط

تكشف خرائط التلوث بالألغام في سوريا، عن امتداد الخطر على مساحة واسعة من البلاد، حيث تنتشر حقول الألغام ومخلّفات الذخائر غير المنفجرة في عشرات المواقع ضمن محافظات إدلب وحلب والرقة ودير الزور وحماة وريف دمشق ودرعا. ويعكس هذا الانتشار حجم الإرث المتفجر الذي خلّفته سنوات الحرب، ويجعل من عمليات إزالة الألغام شرطاً أساسياً لعودة السكان وإعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة.

يقول ثلاثة عاملين في هذا المجال، إن طبيعة العمل تغيرت بشكل كبير بعد سقوط النظام. فبدلاً من التعامل مع حقول ألغام معروفة أو مناطق عسكرية محددة، باتت الفرق تواجه مساحات واسعة من المناطق الملوثة غير الموثقة، تمتد من المنازل والحقول الزراعية إلى المدارس والمنشآت العامة والطرقات.

ولا تقتصر المخاطر على الألغام التقليدية، بل تشمل أيضاً العبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة ومخلّفات المعارك التي خلفتها سنوات الحرب. وفي كثير من الأحيان، يجد العاملون أنفسهم أمام أنواع مختلفة من المتفجرات زرعتها جهات متعددة، من قوات النظام السابق إلى تنظيم داعش وقوات سوريا الديمقراطية وفصائل أخرى، من دون وجود خرائط أو سجلات تحدد مواقعها أو طبيعتها.

وبحسب تقرير  Mine Action Review لعام 2025، لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات وطنية شاملة أو خريطة دقيقة للتلوث بالألغام في سوريا، نتيجة زرعها من أطراف متعددة خلال سنوات النزاع، من بينها قوات النظام السوري السابق، وتنظيم “داعش”، و”قسد”، وفصائل مسلحة أخرى. كما لا تزال الذخائر العنقودية التي ألقتها الطائرات الحربية، تشكل خطراً إضافياً يصعب تحديد مواقع انتشاره بدقة.

ويشير تقرير صادر عن الشبكة في 4 نيسان/ أبريل 2026، إلى أن الحجم الحقيقي للتلوث بالألغام لا يزال غير معروف، إذ لم يُجرَ أي مسح وطني شامل حتى الآن، ما يعني أن الجهات العاملة في إزالة الألغام تتحرك في كثير من الأحيان من دون معرفة مسبقة بمواقع الخطر.

مشاهد من عمليات إزالة الألغام ومخلّفات الحرب. المصدر:  وزارة الدفاع السورية

في أحد مقاطع الفيديو التي راجعها فريق التحقيق، وتداولها السوريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر أحد خبراء المتفجرات وهو يشرح آلية عمل الفريق. وعى الرغم من أنه فقد إحدى ساقيه في حادث انفجار سابق، أكد خلال التسجيل أن تحديد المواقع يعتمد في كثير من الأحيان على إفادات السكان المحليين والبلاغات الواردة من الأهالي، في ظل غياب الخرائط الميدانية الرسمية.

يقول الضابط السابق، والمتطوع في إزالة الألغام، مالك سلامة: “أحد أكبر التحديات التي تواجه جهود إزالة الألغام في سوريا اليوم هو غياب الخرائط الرسمية لحقول الألغام. فبعد سنوات من النزاع، لم تُسلَّم سجلات دقيقة تحدد مواقع الألغام أو أنواعها، ما يجعل عمليات المسح والإزالة أكثر خطورة ويعرض المدنيين وفرق الهندسة لخطر مستمر”.

“عندما يردنا بلاغ عن منطقة انفجر فيها لغم، نتعامل مع المنطقة كلها باعتبارها ملوثة وخطرة، لأننا في معظم الحالات لا نملك خرائط موثوقة. وحتى عندما نعثر على خرائط، لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل، لأن كثيراً من المناطق شهدت سيطرة أطراف متعاقبة عدة، وكان كل طرف يزرع ألغاماً دون توثيق” يقول الخبير في إزالة الألغام محمد الفرهود. 

انشق الفرهود عن قوات النظام السوري مع بداية الثورة، وكان يؤدي خدمته الإلزامية في حلب ضمن اختصاص حماية السفارات والبعثات الدبلوماسية. وتحول خلال سنوات الثورة  إلى أحد أبرز المتخصصين في زراعة الألغام وإزالتها. أصيب أثناء تفكيك أحد الألغام قبل أن يواصل عمله لاحقاً ضمن فرق إزالة الألغام التابعة لوزارة الدفاع السورية.

ويضيف: “إذا كانت لديك خريطة واضحة يمكنك التحرك بسرعة والعمل وفق مسار محدّد، أما عندما لا تملك أي خريطة فإن كل خطوة تصبح محسوبة. قد تتمكن من قطع مئة متر خلال ساعة إذا كانت المعلومات متوافرة، لكن من دون خرائط قد تحتاج إلى الوقت نفسه لقطع أمتار قليلة فقط”.

تعتمد عمليات تحديد مواقع الألغام على أسلوبين رئيسيين. الأول، هو المسح التقني باستخدام أجهزة كشف المعادن، وهي أجهزة قادرة على رصد الأجسام المعدنية بشكل عام، لكنها ليست دائماً معدات متخصصة أو متطورة للكشف عن الألغام. أما الأسلوب الثاني، فهو المسح غير التقني، الذي يعتمد على مقابلات مع السكان المحليين والبلاغات التي يقدمونها، حول وجود أجسام مشبوهة أو مخلفات حرب.

تواصل فريق التحقيق مع وزارة الدفاع السورية للحصول على رد بشأن غياب الخرائط وعدد الضحايا بين فرق الهندسة، إلا أنه لم يتلقَّ رداً حتى موعد النشر. كما سعى الفريق إلى التحقق من وجود خرائط أو سجلات عسكرية توثق مواقع الألغام التي زرعتها قوات النظام السوري السابق أو أطراف أخرى خلال سنوات النزاع، إلا أن مسؤولين وعاملين في مجال إزالة الألغام أكدوا عدم وجود قاعدة بيانات مركزية أو سجل وطني موحد يمكن الرجوع إليه لتحديد مواقع التلوث بالألغام ومخلّفات الحرب.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح كل مهمة إزالة ألغام أشبه بالدخول إلى أرض مجهولة، حيث لا يعرف العاملون مسبقاً ما الذي ينتظرهم تحت التراب.

 فيديو يوثّق آثار انفجار وقع أثناء عملية جمع وتفكيك مخلّفات حرب في بلدة الهبيط بريف إدلب الجنوبي

وفيما لا تزال مساحات واسعة من البلاد ملوّثة بالألغام ومخلّفات الحرب، يحذر خبراء ومنظمات دولية من أن بطء عمليات الإزالة سيؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا بين المدنيين العائدين إلى مناطقهم. ويقول ريتشارد وير، الباحث الأول في قسم الأزمات والنزاعات والأسلحة في هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته المنظمة في 8 نيسان/ أبريل 2025: “لأول مرة منذ أكثر من عقد، ثمة فرصة لمعالجة تفشي المتفجرات في سوريا بشكل منهجي من خلال إزالة الألغام الأرضية والمخلفات الحربية المتفجرة. إذا لم تكن ثمة جهود عاجلة على مستوى البلاد لإزالة الألغام، سيُصاب أو يُقتل مزيد من المدنيين العائدين إلى ديارهم لاستعادة حقوقهم الأساسية وحياتهم وسبل عيشهم وأراضيهم”.

توزع الألغام ومخلّفات الحرب غير المنفجرة في سوريا وفق بيانات HALO Trust، إحدى أكبر المنظمات العاملة على إزالة الألغام، كانون الأول/ ديسمبر 2025 – سراج

كيف تُزال الألغام؟

في ظل غياب الخرائط الدقيقة واتساع رقعة التلوث بالألغام ومخلّفات الحرب، تعتمد فرق إزالة الألغام في سوريا على مزيج من الخبرة الميدانية وإجراءات السلامة الصارمة لتحديد مواقع الخطر والتعامل معها. وبينما تبدأ بعض المهام ببلاغ من أحد السكان أو بنتائج عمليات المسح الميداني، تتحول كل عملية إزالة إلى سلسلة من الخطوات الدقيقة التي تهدف إلى منع وقوع إصابات جديدة بين المدنيين والعاملين على حد سواء.

في بلدة كللي شمال محافظة إدلب، بالقرب من الحدود السورية التركية، تعمل منظمة “هالو تراست” (HALO Trust) منذ أكثر من خمس سنوات، مع مجموعة من الخبراء والمتطوعين وسكان المنطقة، على إزالة الذخائر غير المنفجرة من بين المنازل والحقول الزراعية والأحياء السكنية التي بدأ السكان بالعودة إليها تدريجياً.

وتعتمد المنظمة في عملها على فريقين رئيسيين. الأول هو فريق المسح غير الفني، الذي يتولى مسؤولية مسح وتوثيق مواقع مخلفات الحرب القابلة للانفجار وتحديد أنواعها. ويقوم أعضاؤه بالتقاط الصور، وأخذ القياسات الميدانية، وتسجيل البيانات المتعلقة بالذخائر المكتشفة. ويُمنع أفراد هذا الفريق منعاً باتاً من التعامل المباشر مع المتفجرات أو تفجيرها، إذ يقتصر دورهم على التوثيق وتقييم المخاطر.

أما الفريق الثاني فهو فريق إزالة المتفجرات، الذي يستجيب للبلاغات المؤكدة بشأن وجود ألغام أو ذخائر غير منفجرة، ويتولى مهمة إزالتها أو تدميرها وفق إجراءات تشغيل معيارية صارمة تسبق أي تدخل ميداني.

ضمن هذا الفريق، تعمل لمى حاج قدور (32 عاماً)، التي تقود عمليات إزالة الذخائر والألغام والحشوات الناسفة منذ نحو خمس سنوات في المنطقة الممتدة حول إدلب وجنوب سراقب وصولاً إلى الطريق الدولي M4.

في أيلول/ سبتمبر الماضي، رافق فريق من سراج منظمة “هالو تراست” خلال مهمة ميدانية للكشف عن ذخيرة غير منفجرة أبلغ عنها أحد السكان بالقرب من بلدة سراقب. وخلال الرحلة، بدت آثار الحرب واضحة في المنطقة التي كانت سابقاً إحدى نقاط المواجهة المباشرة بين قوات المعارضة ونظام الأسد المخلوع، وهو ما يعكس حجم الأعباء الملقاة على عاتق فرق المسح والإزالة العاملة هناك.

توضح الحاج قدور أن التخلص من أي عبوة أو مقذوف غير منفجر يتطلب إجراءات دقيقة وتدريبات متخصصة خضع لها أفراد الفريق على مدى سنوات، ما أكسبهم خبرة عملية في التعامل مع هذه المخاطر. وتضيف أنه قبل الشروع بأي عملية لإزالة الألغام أو القنابل أو الذخائر الأخرى، يتبع الفريق سلسلة من بروتوكولات السلامة الصارمة لضمان تنفيذ المهمة بأقل قدر ممكن من المخاطر.

ويشمل ذلك تهيئة بيئة العمل وإنشاء ما يُعرف بـ”محيط الأمان”، وهو نطاق يُحدد حول الهدف المراد تدميره، مع التأكد من إخلاء المنطقة بالكامل من السكان قبل بدء العملية.

وبعد تنفيذ التفجير، يجري الفريق عملية كشف ميداني للتأكد من تدمير الذخيرة بشكل كامل وعدم بقاء أي أجزاء خطرة في الموقع.

وبحسب الحاج قدور: “هذا أمر بالغ الأهمية لأن البقايا الكبيرة قد لا تُدمر إلا جزئياً”، موضحة أن التعامل مع الشظايا الناتجة من التفجير لا يقل أهمية عن التخلص من الذخيرة نفسها، نظراً إلى أن بعض الشظايا الصغيرة “قادرة على قتل إنسان”.

 لمى الحاج قدور إلى جانب أحد أعضاء فريق التحقيق  خلال زيارة ميدانية إلى موقع لإزالة الألغام قرب سراقب في ريف إدلب، أيلول/ سبتمبر 2025 -(سراج)

وإنْ كانت لمى تعمل وفق منهجية منظمة للتخلص من العبوات والذخائر والألغام، تظل هناك مشكلة جوهرية تعاني منها سوريا بشكل عام، تتمثل في غياب السجلات الرسمية التي تحدد مواقع الألغام ومخلّفات الحرب.

خريطة تُظهر التوزع التقريبي للمناطق الملوثة بالألغام ومخلّفات الذخائر العنقودية في سوريا، المصدر: أعدّتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان

من المسؤول عن حقول الموت؟

لا يمكن فهم أزمة الألغام في سوريا بمعزل عن الجهات التي زرعتها خلال سنوات النزاع. فخلافاً لنزاعات تقليدية عدة تكون فيها حقول الألغام مرتبطة بجيش نظامي واحد أو خطوط دفاع معروفة، تشكلت خريطة التلوث بالألغام في سوريا عبر سنوات من سيطرة قوى متعددة على المناطق نفسها، ما أدى إلى تراكم طبقات متتالية من الألغام والذخائر غير المنفجرة في المواقع ذاتها.

وتشير شهادات خبراء إزالة الألغام الذين قابلهم فريق التحقيق، إلى أن مناطق واسعة من البلاد شهدت تعاقب أطراف عسكرية عدة على السيطرة، إذ زرع كل طرف ألغامه الخاصة من دون وجود قاعدة بيانات موحدة أو آلية تضمن توثيق مواقعها أو تسليم خرائطها لاحقاً.

ويوضح  الخبير محمد عدنان الفرهود، أن بعض المناطق التي يعمل فيها اليوم تكشف حجم الفوضى التي خلفتها سنوات الحرب، ويقول: “في بعض المواقع وجدنا خرائط لألغام زرعها النظام السوري، لكن بعد ذلك سيطر داعش على المنطقة وزرع خطوطاً جديدة، ثم جاءت جهات أخرى وزرعت ألغاماً إضافية. لذلك حتى عندما نجد خريطة لا نستطيع اعتبارها كاملة أو الاعتماد عليها بشكل مطلق”.

سوريا خارج اتفاقيات الحظر

فيما انضمت أكثر من 160 دولة حول العالم إلى اتفاقية أوتاوا، التي تُعد الإطار القانوني الدولي الأبرز لحظر استخدام وإنتاج وتخزين ونقل الألغام المضادة للأفراد، لا تزال سوريا خارج الاتفاقية. كما أنها ليست طرفاً في اتفاقية الذخائر العنقودية التي تحظر استخدام الذخائر العنقودية وتُلزم الدول الموقعة بإزالة مخلفاتها ومساعدة ضحاياها.

ولا يقتصر أثر عدم الانضمام على الجانب الرمزي أو السياسي فحسب، بل ينعكس عملياً على آليات إدارة ملف الألغام داخل البلاد. هاتان الاتفاقيتان تفرضان على الدول الأطراف مجموعة من الالتزامات، تشمل إزالة الألغام من المناطق الملوثة ضمن جداول زمنية محددة، وإنشاء برامج وطنية للتوعية بالمخاطر، وتقديم الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي للضحايا، إضافة إلى تبادل المعلومات التقنية والخرائط المتعلقة بالمناطق الملوثة بالألغام والذخائر غير المنفجرة.

يقول عبد الغني، إن المرحلة الحالية تفرض على الحكومة السورية الجديدة مسؤولية خاصة في هذا الملف، مضيفاً: “الانضمام إلى اتفاقية أوتاوا واتفاقية الذخائر العنقودية يجب أن يكون جزءاً من عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الحرب. فالأمر لا يتعلق فقط بحظر استخدام هذه الأسلحة مستقبلاً، بل أيضاً بإقرار حقوق الضحايا، ووضع خطة وطنية لإزالة الألغام، وضمان عدم تكرار هذه المأساة”.

معدات ناقصة… ومخاطر يمكن تفاديها

خلال زيارة ميدانية إلى ريف إدلب في 9 نيسان/ أبريل 2025، وثّق فريق التحقيق عملية إتلاف لمخلفات حربية نفذتها وحدات الهندسة التابعة لوزارة الدفاع السورية.

وأظهرت المعاينة الميدانية استخدام شاحنات مدنية وعسكرية عادية لنقل الذخائر، في حين كان عدد من العناصر المشاركين في العملية يرتدون ملابس عسكرية اعتيادية وأحذية خفيفة من دون وسائل حماية متخصصة.

كما وثّق التحقيق اعتماد طرق تفجير ميدانية بدائية نسبياً تعتمد على توصيل المتفجرات بأسلاك وإشعالها يدوياً، في ظل غياب معدات التفجير المتخصصة المستخدمة في برامج إزالة الألغام الحديثة.

وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS)، لم يُموَّل سوى جزء محدود من الاحتياجات المطلوبة لبرامج إزالة الألغام خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة الجهات العاملة على شراء المعدات المتطورة وتدريب الكوادر وتأمين وسائل الحماية اللازمة.

منذ فجر التحرير، دفع 57 جندياً ومتطوعاً مدنياً في إزالة الألغام، حياتهم ثمناً لنقص المعدات، وضعف التمويل، وغياب الخرائط التي تدلُ على حقول الألغام، بينما تتسارع عودةُ السوريين إلى مناطقهم التي لا تزال ملوثة بذخائرِ الحرب وألغام روسيا وجيش نظام الأسد البائد

معركة بلا تمويل

على الرغم من اتساع رقعة التلوث بالألغام ومخلّفات الحرب في سوريا، إلا أن الجهات العاملة في هذا المجال تواجه تحدياً إضافياً يتمثل في نقص التمويل اللازم لتنفيذ عمليات المسح والإزالة وفق المعايير الدولية، وتوسيع نطاق الاستجابة بما يتناسب مع حجم التلوث المنتشر في مختلف المحافظات السورية.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS)، يعاني قطاع الأعمال المتعلقة بالألغام في سوريا من نقص حاد في التمويل، إذ قدّرت خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2025 الحاجة إلى 67.2 مليون دولار لتمويل أنشطة المسح وإزالة الألغام والتوعية بالمخاطر ومساعدة الضحايا، بهدف الوصول إلى نحو 15.4 مليون شخص متضرر أو معرض للخطر. وحذّر البرنامج من أن نقص التمويل يحدّ من قدرة الجهات العاملة على توسيع عملياتها والاستجابة لحجم التلوث الواسع في البلاد. 

ويؤكد عاملون في المجال أن محدودية التمويل تؤثر مباشرة في قدرة الجهات المنفذة على توسيع عمليات المسح والإزالة وتوفير المعدات والتدريب وفق المعايير الدولية.

ولا تقتصر المشكلة على تكلفة المعدات فحسب، إذ تتطلب عمليات إزالة الألغام استثمارات طويلة الأمد تشمل إنشاء قواعد بيانات وطنية، وتنفيذ مسوحات ميدانية واسعة، وتدريب فرق متخصصة، وتأمين الرعاية الطبية والتأهيلية للمصابين. كما تحتاج عمليات المسح غير التقني والتقني إلى موارد بشرية كبيرة، وقد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى صورة دقيقة لحجم التلوث الفعلي.

وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قد تستغرق إزالة مخلفات الحرب القابلة للانفجار سنوات عدة.

وفي محاولة لمعالجة جزء من هذه الفجوة، أطلقت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ممثلة بالمركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب، بالشراكة مع دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (UNMAS)، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، مشروعاً لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية في المناطق المتضررة، بتمويل من الحكومة اليابانية. 

ويهدف المشروع “إلى دعم عمليات التطهير مع التركيز على المناطق الزراعية المتضررة قرب خطوط التماس السابقة، بهدف تعزيز سلامة المدنيين ودعم التعافي الزراعي وتحسين سبل العيش في محافظات إدلب وحلب وحماة، إلا أن حجم التلوث المنتشر في سوريا يتجاوز بكثير إمكانات المشاريع الحالية، ويتطلب استثمارات وبرامج طويلة الأمد على المستوى الوطني”.

وفي مؤشرٍ على تنامي الاهتمام الدولي بملف نزع الألغام في سوريا، قال القائم بأعمال بعثة الاتحاد الأوروبي لدى سوريا ميخائيل أونماخت، خلال زيارة ميدانية بريف دمشق: “وقفنا على حجم الدمار. لكن الأمل لا يزال ينبض من خلال العمل الشجاع في إزالة الألغام والتوعية بمخاطرها. سيواصل الاتحاد الأوروبي العمل مع الشركاء السوريين لجعل الأرض أكثر أماناً”. 

عمليات إزالة الألغام والتوعية بمخاطر مخلّفات الحرب في مخيم اليرموك بدمشق، حيث لا تزال الذخائر غير المنفجرة تعيق عودة السكان وإعادة تأهيل المناطق المتضررة. المصدر: بعثة الاتحاد الأوروبي في سوريا

وفي محاولة للحد من المخاطر التي تواجه العاملين في إزالة الألغام، أعلن المركز الوطني لإزالة الألغام التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، أواخر 2025، اختبار طائرة مسيّرة مزوّدة بتقنية “الماغنومتر”، قادرة على كشف الألغام والذخائر غير المنفجرة حتى عمق ستة أمتار تحت سطح الأرض. وقال الدفاع المدني “إن هذه التقنية يمكن أن تقلل بدرجة كبيرة من المخاطر التي تواجه فرق المسح التقليدية، عبر تقليص الحاجة إلى الاقتراب المباشر من المناطق المشتبه بتلوّثها”.

وعلى الرغم من هذه المبادرات، تشير بيانات الدفاع المدني السوري إلى تحديد نحو 900 موقع ملوثة بالألغام والذخائر غير المنفجرة، في حين تتحدث تقديرات أخرى عن انتشار مئات الآلاف من الألغام ومخلفات الحرب في أنحاء البلاد، ما يجعل حجم التحدي أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة حالياً.

عناصر من فرق الهندسة خلال عمليات إزالة الألغام ومخلّفات الحرب، أيار/ مايو 2026، المصدر: سراج

حين يتولى المتطوعون المهمة

اضطرت مجتمعات محلية إلى الاستعانة بمتطوعين لتأمين الأراضي الزراعية ومناطق السكن تمهيداً للعودة إليها. ففي بلدة البارة الواقعة بمنطقة جبل الزاوية، وعلى بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب إدلب، يروي السكان كيف تحولت منطقتهم إلى حقل ألغام بعد سنوات من الحرب. ويوضح ثلاثة من أعيان  البلدة، أن الجيش السوري السابق أجبر معظم سكانها، البالغ عددهم نحو 300 عائلة، على النزوح بين عامي 2018 و2019، قبل أن يحول البلدة ومحيطها إلى منطقة عسكرية ويزرع الألغام في الأراضي المحاذية لخطوط التماس مع مناطق المعارضة آنذاك.

وبعد أيام قليلة من سقوط نظام الأسد، بدأ السكان بالعودة لتفقد منازلهم وأراضيهم الزراعية، ليجدوا مشاهد واسعة من الدمار، منازل متضررة، حقولاً محترقة، وألغاماً مزروعة في الأراضي الزراعية والطرقات القريبة.

يقول إبراهيم محمد، أحد أبناء البلدة، إنّ عدداً من المدنيين لقوا حتفهم نتيجة انفجار الألغام خلال محاولتهم العودة أو العمل في أراضيهم. وبعد تكرار الحوادث، وصل فريق من المتطوعين إلى البلدة وأمضى نحو أسبوع في تنفيذ عمليات إزالة للألغام، تمكن خلالها من نزع قرابة 50 لغماً أرضياً، بينها نحو 20 لغماً كانت مزروعة داخل أرضه الزراعية.

وخلال عمليات البحث، عثر فريق المتطوعين على أنواع متعددة من الألغام الأرضية المضادة للأفراد والمركبات كانت مزروعة في محيط البلدة وأراضيها الزراعية. وبحسب أحد أعضاء الفريق، شملت الألغام المكتشفة ألغاماً مضادة للأفراد من طراز OZM-72 وPMN-1 وYM-1 وPOM-2S، إضافة إلى ألغام PMN، فضلاً عن ألغام مضادة للمركبات من طراز YM-2 وYM-3. ويعكس تنوع هذه الألغام وكثافتها حجم التلوث الذي خلّفته سنوات الصراع في المنطقة، وما يرافقه من مخاطر مستمرة تهدد السكان العائدين والعاملين في إزالة الألغام على حد سواء.

اليوم، بعد أكثر من عام على مقتل فهد الغجر، لا تزال زوجته وأطفاله الأربعة يعيشون في منزل مؤقت من ألواح الزنك وسط حقول الزيتون. الرجل الذي أمضى سنوات في إزالة الألغام عن بيوت الآخرين، لم يتمكن من إزالة اللغم الذي أنهى حياته. 


  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد
  • نشرت نسخة من هذا التحقيق على موقع درج. 

اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات