شهدت محافظة الحسكة بين نهاية حزيران/يونيو، ونهاية تموز/يوليو الماضي حرائق ضخمة، نشبت عقب موسم حصاد القمح والشعير، ملحقة أضراراً كبيرة بآلاف دونمات الأراضي الزراعية التي تعتبر من أهم موارد المحافظة ومنطقة الجزيرة السورية عموماً.
وفي 30 تموز/يوليو، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي بمحافظة الحسكة أنّ “المساحات الزراعية المتضررة جراء الحرائق التي شهدها موسم الحصاد الحالي بلغت نحو 65 ألف دونم”.
وكما أوضح مدير المديرية ذاتها، هايل الكلش، فإن “الإحصائية النهائية للمساحات المتضررة أظهرت احتراق 61 ألف دونم مزروعة بمحصول القمح، و4 آلاف دونم مزروعة بمحصول الشعير”.
في تصريحه لـ”سانا” قال الكلش إن: “مديرية الزراعة أنهت عمليات حصر الأضرار بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتم توثيق جميع المساحات المتضررة وفق الكشوف النهائية المعتمدة من الدوائر الزراعية”، مشيراً إلى تركز الحرائق “في مناطق أبو راسين والدرباسية وعامودا”.
عاينت الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج” عشرات صور الأقمار الصناعية لتلك المناطق، وأجرت عملية قياس مفتوحة المصدر للأراضي المتضرّرّة.
وتظهر الصور ضررًا في المناطق الزراعية في الدرباسية، وأبو راسين، وقرية كركي دقوريا، جنوب مدينة عامودا.
إذ تظهر الصور ذاتها بداية الحرائق في تل تمر، غربي منطقة الدرباسية، ما بين 17 و19 تموز/يوليو 2026، واستمرارها في التمدد على نطاق كبير يبلغ طوله حوالي 30 كيلومترًا حتى تاريخ 29 تموز/يوليو 2026.

صور بالأقمار الصناعية للحرائق في منطقة الدرباسية، 17 – 19 تموز/يوليو 2026 – Sentinel
وفي منطقة أبو راسين، تظهر الصور بداية نشوب الحرائق ما بين 22 و27 حزيران/يونيو 2026، واستمرارها في التمدد حتى 29 تموز/يوليو 2026 على نطاق يبلغ طوله حوالي 17 كيلومترًا.

صور بالأقمار الصناعية للحرائق في منطقة أبو راسين، 22 حزيران/يونيو – 29 تموز/يوليو 2026 – Sentinel
أما منطقة كركي دقوريا، في ريف مدينة عامودا الجنوبي، فشهدت حرائقَ كبيرةً في الأراضي الزراعية المجاورة للمنطقة. وكشفت صور الأقمار الصناعية عن تمدد الحرائق من مساحات محددة إلى مناطق كبيرة ما بين 9 و29 تموز/يوليو 2026.

صور بالأقمار الصناعية للحرائق في منطقة كركي دقوريا بريف عامودا، 9 – 29 تموز/يوليو 2026 – Sentinel
لكن بيانات الأقمار الصناعية التي عاينتها “سراج” تظهر، في الوقت ذاته، صورة مغايرة للمعلومات التي أعلنت عنها الحكومة السورية بشأن مساحة الأراضي المتضررة.
كشفت معاينة “سراج” للمساحات التي التهمتها الحرائق ما بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو 2026، وقياس تلك المساحات بأدوات القياس المتاحة في القمر الصناعي (Sentinel)، عن تضرر نحو 301 كيلومتر مربع، أو ما يعادل 301 ألف دونم، بالحرائق. وهو يعادل حوالي خمسة أضعاف الرقم الذي أعلنت عنه الحكومة السورية، ويقارب مساحة دولة اوروبية صغيرة مثل جزيرة مالطا في البحر المتوسط، والبالغة 316 كيلومتر مربع.
إنفوغراف: توزّع المساحات المحروقة في محافظة الحسكة
(حزيران/يونيو – تموز/يوليو 2026)

وبشكل مفصل، تظهر حسابات صور الأقمار الصناعية أن مساحة الأراضي الزراعية التي تضررت بالحرائق في منطقة الدرباسية ونواحيها، ما بين 17 و19 تموز/يوليو و 29 تموز/يوليو الماضي، بلغت أكثر من 217 كيلومتر مربع، أو 217 ألف دونم.

صورة بالأقمار الصناعية تظهر مساحة المناطق المتضررة بالحرائق في منطقة الدرباسية في محافظة الحسكة – Sentinel
أما في منطقة أبو راسين، فتظهر الحسابات المستندة إلى صور الأقمار الصناعية أن حجم الأراضي الزراعية المتضررة من الحرائق يبلغ أكثر من 54 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 54 ألف دونم.

صورة بالأقمار الصناعية تظهر مساحة المناطق المتضررة بالحرائق في منطقة أبو راسين في محافظة الحسكة – Sentinel
وفي منطقة كركي دقوريا جنوب مدينة عامودا، تبلغ مساحة الأراضي الزراعية التي تمددت إليها الحرائق ما بين 22 حزيران/يونيو و 29 تموز/يوليو الماضي، أكثر من 30 كيلومتر مربع، أو 30 ألف دونم.

صورة بالأقمار الصناعية تظهر مساحة المناطق المتضررة بالحرائق في منطقة كركي دقوريا في محافظة الحسكة -، Sentinel
وفيما لا تسمح صور الأقمار الصناعية بتحديد محاصيل الأراضي المتضررة، فإنه بافتراض زراعتها بالقمح، يعني ما نسبته أكثر من 8% من إجمالي مساحة محصول القمح في سوريا في العام 2025. وذلك في مقابل التقديرات الرسمية البالغة 65 ألف دونم من الأراضي المتضررة، بما يعادل 1.7% من إجمالي مساحة محصول القمح في البلاد للعام 2025، والتي تجاوزت 360 ألف هكتار (يساوي الهكتار 10 دونمات)، طبقًا لبيانات نشرتها “سانا” في كانون الثاني/يناير من العام الجاري.
وقال مدير فرع المؤسسة السورية للحبوب في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، عبد الحميد داوود، إن المؤسسة تسملت مليوناً و150 ألف طن من القمح، وسط توقعات بأن تصل إلى مليون و200 ألف طن مع نهاية الموسم، وذلك في تصريح لوكالة رووداو.
ضرر بعيد المدى في التربة
لابد من الإشارة إلى أن أحد الأسباب الممكنة للتباين الواسع نسبياً بين الأرقام الحكومية وتلك التي أظهرتها تقديرات “سراج” بشأن مساحة الأراضي المحروقة هو احتمالية اقتصار التقديرات الحكومية على الأراضي التي طالتها النيران قبل حصادها من محصولي القمح والشعير، واستثناء التي تم حصادها وإن طالتها النيران بعد ذلك.
لكن الحقيقة أن حرق الأرض حتى بعد حصادها قد يؤثر على التربة ذاتها لناحية جودة إنباتها في الموسم الزراعي القادم. إذ تفقد التربة، كما يشدد المهندس الزراعي مراد مصطفى، المتخصّص بالتربة الزراعية والمحاصيل الحقلية، ثلاثة عناصر رئيسة بعد تعرّضها للحرائق.
وكما يوضح، فإن الطبقة السطحية للتربة بسماكة 5 سنتيمترات تفقد أولاً عندما تتعرّض للاحتراق المواد العضوية (الدبال)، وتفقد أيضًا 80 – 90 بالمئة من الكربون العضوي، وتتحوّل إلى رماد، وتطير، ما يُحدث شكلًا من أشكال التعرية، وبذلك تكون التربة قد خسرت أخصب طبقة زراعية فيها.
إضافةً لذلك، يوضّح مصطفى، فإن التربة في حالة الاحتراق تفقد النيتروجين الفعّال للمحاصيل الزراعية مثل القمح، إذ تتشكّل وقت الحرائق غازات سامّة تتفاعل عكسًا مع النيتروجين وتجعله يطير في الهواء.
أما العنصر الثالث الذي تخسره التربة، فهو الكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا العقدية. وهي الكائنات التي تساعد على تثبيت النيتروجين في التربة، مثل الديدان الحلقية التي تساهم في تهوية التربة، وفطريات “ميكروزينية” تساعد الجذور على امتصاص الغذاء.
وبضيف مصطفى “عند درجة حرارة بين 400 و700 مئوية، تتحوّل جزيئات الطين إلى طبقة متصلّبة، ما يؤدّي إلى تبخّر المياه المخزّنة داخل آفاق هذه التربة، ويخلق حاجزًا يمنع تسرّب مياه الأمطار لاحقًا إلى داخلها”.
وتظهر صور الأقمار الصناعية بالأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة، عدة بؤر نشطة للحرائق في مناطق مختلفة من الحسكة بتاريخ 30 تموز/يوليو الماضي، ما قد يشير إلى ارتفاع كبير في حرارة التربة في تلك البقع. وتظهر تلك البؤر في الصور كنقاط حمراء لامعة.

صورة بالأقمار الصناعية لبؤر حرائق نشطة في الدرباسية وأبو راسين، 30 تموز/يوليو 2026 – Sentinel
ويعتقد مصطفى، أن التربة التي تضرّرت قد لا تعطي موسمًا مثاليًا في العام القادم، بنفس كفاءتها قبل الاحتراق. لذلك ينصح بأن تحظى التربة المحترقة بفترة استراحة بين أسبوع وأسبوعين، ثم يتم ريّها بالمياه، بالرش أو التنقيط، وليس الغمر منعًا لتملّح التربة.
كما ينصح بإضافة سماد عضوي، كونه يساعد على تغذية التربة مهما كانت متضرّرة، وعمل تقليب سطحي فيها وليس بشكل عميق، وذلك لإخراج الحرارة المختزنة داخل طبقات التربة.
يقول مصطفي: “التربة المحترقة في العادة تعاني من نقص في ثُلاثي الغذاء (النتروجين والفوسفور والبوتاسيوم)”.
مشيراً إلى أنّ “هذه العناصر أساسية لإزهار وإثمار إنبات أي محصول، وبدونها تصبح الجذور ضعيفة والنمو متأخّرًا بسبب الخلل في امتصاص بعض العناصر وبطء تحلّل عناصر أخرى داخل هذه التربة”.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.