تبخّرت آمال المزارع السوري مالك الجرّاح بإعادة بناء منزله المدمّر، بعد سنوات من تهجيرهم إلى الشمال السوري، والذي انتهى بسقوط نظام الأسد السابق.
عاد الجراح إلى قريته “الحردانة” في سهل الغاب في محافظة حماة، واضعاً نصب عينيه زراعة أرضه التي هجرها لسنواتٍ طويلة، واستخدام إيراد المحصول لترميم مسكنه.
جاءته “فرصة العمر”، عندما أعلنت الحكومة السورية دعم مزارعي القمح عبر إمدادهم بالبذار، على أن يسدّدوا ثمنها بعد حصاد الأرض من دون أي فوائد، فيما عُرف باسم “القرض الحسن”.
سارع الجراح إلى الجمعية الفلاحية التي حصل منها على حصته من البذار التي زرعها فعلاً، لكن الصدمة جاءت بعد أسابيعٍ قليلة، حين حصل ما لم يكن في الحسبان: البذار لم تنبت كما المُعتاد.
عندما استلم الجراح البذار في كانون الأول/ ديسمبر 2025، لاحظ أن بعض البذار كان معقمًا وبعضها الآخر غير معقّم. يقول: “كان حجم البذار صغيرًا للغاية مقارنةً بالتي اعتدنا على استلامها في كل عام. وكان فيها سوّيد [سوس]”.
بعد زراعة تلك البذار، انتظر الجراح مدّة شهر ونصف الشهر أملًا بأن ينبت المحصول، على الرغم من أنَّ القمح في الوضع الطبيعي ينبت في غضون 20 يومًا فقط، ولكن لا نتائج. وعندما فقد الأمل زرع نصف أرضه ببذار اشتراها بما يملك من أموال من القطاع الخاص.

مزارع من قرية جبل شحشبو في ريف حماة يزرع أرضه بمحصول جديد مطلع 2026 بعد ضعف إنبات بذور “القرض الحسن” – سراج
يقول عن نوعَي البذار: “لم يكن هناك أي مجال لمقارنة النوعين. كانت بذار القطاع الخاص مثالية. وعلى الرغم من أن النوعين زُرعا في الأرض ذاتها وبالطريقة ذاتها، وتعرّضا للأحوال الجوية نفسها، كما الحال بالنسبة إلى العناية والسماد اللذين تلقّياهما، فإنه كان يمكن ملاحظة الفرق بالعين المجرّدة؛ إذ كانت نسبة إنبات قمح الدولة قليلة جداً. وحتى تلك التي أنبتت منها كانت سنابلها ضعيفة.
وقف أحد معدي التحقيق في وسط أرض مالك الجرّاح، بين بذار مشروع “القرض الحسن” وبذار مشتراة من تجار في القطاع الخاص، وعاين الفرق بالعين المجرّدة.
على مدار خمسة أشهر، منذ شهر شباط/ فبراير ولغاية شهر تموز/ يوليو من العام الجاري، سعت “سراج” إلى التحقق ميدانياً من ادعاءات مزارعين في منطقة سهل الغاب بأن بذار القمح التي استلموها من المصرف الزراعي في مدينة السقيلبية ضمن “القرض الحسن” كان إنباتها ضعيفًا.
وقد جاء ضعف الإنبات هذا على الرغم من موسم القمح الوفير على المستوى الوطني، إذ تجاوزت كميات القمح المحلّي المسلّمة من المزارعين في عموم سوريا المليونَي طن، مقارنةً مع 1.1 مليون طن العام الماضي، وفق إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” .
ومن ثم، اتبعنا منهجية بالتعاون مع خبراء زراعيين، تقوم على اختيار أراضٍ زُرعت بقمح من “القرض الحسن”، وأراضٍ أخرى ببذار من القطاع الخاص، ثم زيارة كلا الفئتين من الأراضي بشكلٍ متكرّر ابتداءً من فترة الزراعة في شهر شباط/ فبراير حتّى فترة الحصاد في شهر تموز/ يوليو، لمراقبة مستوى إنبات القمح في كل منهما ومقارنته.
وللحصول على أعلى قدر من الدقّة، راقبنا الأراضي بالعين المجرّدة، وعبر استخدام تقنيات مسحية بطائرات مسيّرة، ثم عرضنا النتائج على عالم متخصص في زراعة القمح والحبوب في التربة.
أيضاً، اختيرت الأراضي التي زُرعت قمحاً من بذار “القرض الحسن” وبذار القطاع الخاص لتكون مجاورة لبعضها بعضاً، لاستبعاد أن يكون سبب اختلاف الإنبات مرده العوامل الجوية.
خلال الزيارات الميدانية للحقول رفقة المزارعين، جمعنا شهادات متطابقة من عشرة فلاحين زرعوا أراضيهم ببذار مشروع “القرض الحسن” في سهل الغاب. وقد أجمعوا على ضعف الإنبات، لكن النسبة التقديرية للضعف كانت متباينة. فبعضهم قدّر نسبة الإنبات بـ50 في المئة، في حين قال بعض آخر إن نسبة الإنبات في أرضه لم تتجاوز الـ20 في المئة فقط.
لحسم نسبة الإنبات في بذار “القرض الحسن” مقارنة مع القطاع الخاص، اخترنا أرض المزارع مالك الجراح من قرية الحردانة التي حصلت على بذارها الحكومي عبر جمعية الصهرية.
يقول رئيس جمعية قرية “الصهرية” الفلاحية التعاونية رياض خالد الفريج: “بدأت المشكلة عندما فُتحت أكياس البذار. إذ كان بعض حبات البذار معقّماً، والبعض الآخر غير معقّم، وكان بعض حبوب البذار يبدو كأنّه مطحوناً. ولاحظنا وجود شيء لونه أسود بين البذار، ربما بسبب سوء التخزين أو سوء الاهتمام”.
ما هو القرض الحسن؟
في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وتزامنًا مع بدء موسم زراعة القمح، أعلنت وزارة الزراعة إطلاق مشروع “القرض الحسن”، بتقديم قرض لمزارعي القمح بهدف النهوض بالقطاع الزراعي ودعم الأمن الغذائي. ووفق الدائرة الإعلامية في وزارة الزراعة، فإن قيمة المشروع تبلغ 75 مليون دولار أميركي.
وبحسب الوزارة، يتضمن المشروع تقديم بذار محسن وسماد آزوتي وفوسفاتي للمزارعين، لزراعة القمح بكفاءة أعلى ومردود أكبر، من دون أي تكلفة إضافية على المزارعين. وسيتم تقديم القرض بشروط ميسرة، إذ يمكن سداد قيمته بعد جني المحصول من دون أي فوائد. ويستهدف المشروع زراعة 300 ألف هكتار من الأراضي الزراعية.
كان ذلك كله بمثابة “فرصة العمر” للكثير من الفلاحين العائدين حديثًا إلى أراضيهم بعد سنواتٍ من النزوح، ولا يملكون أي مقوّماتٍ لاستصلاح أراضيهم.

معايير الحصول على البذار من “القرض الحسن” – وزارة الزراعة السورية
حينها، قال وزير الزراعة السوري، أمجد بدر، إن مشروع “القرض الحسن” جاء لدعم محصول القمح وضمان إنتاجيته للموسم المقبل، من خلال قرض عيني من دون فوائد للمزارعين، يشمل كميات البذار والأسمدة المطلوبة لعملية الزراعة.
لكن خيبة الأمل من المشروع بدأت تظهر بعد أسابيع قليلة من الزراعة

خريطة تُظهر موقع قرية الصهرية شرق سهل الغاب بريف محافظة حماة – Google Earth
ضعف الإنبات
المزارع شحادة أحمد البدران من مزارعي “الصهرية” كان عاد لتوّه من النزوح عندما زرع أرضه البالغة 50 دونماً ببذار القمح التي حصل عليها عن طريق “القرض الحسن” من الجمعية الفلاحية في قريته، والتي استلمتها بدورها من المصرف الزراعي في السقيلبية.
يقول البدران لـ”سراج”: “استلمت أكياس قمح مكتوب عليها أصناف دوما وشام، ومصدرها المؤسسة العامة لإكثار البذار. لكن عند فتح الأكياس، لاحظت أن حبة القمح صغيرة وضعيفة وفيها نخر مع شيء ناعم مثل الدقيق”.
على الرغم من ذلك، زرع البدران أرضه بهذا البذار في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025، لأنّه الحل الوحيد المتوافر أمامه، ليتفاجأ بعد أسابيع قليلة بأن إنبات القمح كان ضعيفاً جداً.
ويقدّر البدران نسبة الإنبات في أرضه بما لا يتجاوز الـ15 في المئة عن السنوات الماضية، ويقول: “أبلغت الجمعية الفلاحية ومديرية الإرشاد الزراعي، وجاؤوا إلى حقلي وطلبوا مني التأنّي. انتظرت، لكن عندما فقدت الأمل بتحسّنها زرعتها ببذار جديدة”.
بحسب البيانات التي جمعناها من رؤساء الجمعيات الزراعية، فإن مساحة الأراضي التي كان إنباتها ضعيفًا، بلغت 600 دونم في قرية الحويجة، و1000 دونم في قرية الحويز، و2500 دونم في قرية الصهرية، و700 دونم في قرية الحواش.
كما أن قرية العمقية تم تغيير 400 دونم منها بعد زراعتها ببذار “القرض الحسن”، في حين أن قرية الحويجة تم تغيير 300 دونم من المحاصيل فيها بعد زراعتها بسبب ضعف الإنبات.
وبحسب رئيس جمعية قرية “الصهرية” الفلاحية التعاونية رياض الفريج، والتي استلمت البذار من المصرف الزراعي في السقيلبية وسلّمته إلى البدران وغيره من المزارعين، فإن مجمل مساحة الأراضي التي تختص بها جمعية قريته تبلغ 6500 دونم، منها 2400 دونم قمح بعل و1850 دونم قمح مروياً والباقي يُزرع بخضروات مختلفة.
ويضيف الفريج: “استلمنا لهذه الأراضي 1900 كيس بذار، وزن الكيس منها 50 كيلوغراماً، وقمنا بتوزيعها مباشرةً على المزارعين. لكن بعد زراعتها وردتنا شكاوى مختلفة حول نسبة الإنبات التي لم تكن أكثر من 40 في المئة من الوضع الطبيعي”.
في المقابل، يشير الفريج إلى أن “الحقول التي اشترت البذار من القطاع الخاص كان إنباتها ممتازًا ولا يمكن مقارنتها بالتي وزعتها الدولة، ما يؤكّد أن المشكلة كانت تكمن بالبذار الذي حصلنا عليه من القرض الحسن”.
بعد ملاحظة ضعف الإنبات، تلقّى الفريج بلاغاتٍ من مزارعين، وأبلغ بدوره مديرية الإرشاد الزراعي.

أحد أكياس بذار القمح من “القرض الحسن” التي استلمها مزارع في قرية الحويز في ريف حماة
لم ترد “وزارة الزراعة السورية” على تساؤلات معدي التحقيق حول أسباب ضعف إنبات بذار “القرض الحسن” ونتائج الزيارات الميدانية للحقول المتضرّرة، حتّى لحظة نشر التحقيق.
كما تواصل معدا التحقيق مع مسؤول العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام حماة، وهي الجهة المخوّلة بإرسال الأسئلة للمؤسسات الحكومية واعادة إرسال الإجابات الى الصحافيين، وكان التواصل للحصول على رد من “المصرف الزراعي في السقيلبية” لسؤاله عن سبب ضعف إنبات البذار الذي وُزِّع، ولكن لم نتلقَّ أي ردٍ حتّى لحظة نشر التحقيق.
غيّروا المحاصيل!
قدرت بعثة الإرشادية الزراعية التي عاينت أراضي قرية “الصهرية” نسبة الإنبات بنحو 50 في المئة فقط، بحسب ما يوضّح الفريج، مع وجود أراضٍ كانت نسبة الإنبات فيها لا تزيد عن الـ30 في المئة. لذلك نصح موظفو الإرشادية، الفلاحين بزراعة أراضيهم ببذار جديدة، ووُثقت كل الأراضي التي زُرعت ببذار جديدة لدى الإرشادية.
لم يكن مزارعو قرية “الصهرية” الوحيدين الذين اضطرّوا إلى تغيير بذار محاصيلهم، إذ أكّد لنا ستة مزارعين من قرى الشيخ إدريس والحردانة والتوبة والصهرية أن الإرشادية الزراعية نصحتهم بتغيير محاصيلهم بعد ملاحظة ضعف الإنبات في بذار القمح التي وزّعتها مؤسسات الدولة.
وبحسب مسؤول من الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، طلب عدم الكشف عن اسمه، فإن مساحة الأراضي الزراعية التي تم تغيير محصول القمح فيها بلغت 3342 هكتاراً، لكنه أشار إلى أن تغيير المحاصيل كان لأسباب أخرى إضافية، وليس فقط بسبب ضعف الإنبات.
ومن بين من غيّروا محصولهم وزرعوا بذاراً مختلفة، المزارع تامر السوعان من قرية ميدان غزال التابعة لسهل الغاب في محافظة حماة، والذي اضطر إلى إعادة زراعة أرضه البالغة مساحتها 80 دونماً ببذار جديدة، بناءً على نصيحة من الإرشادية الزراعية.

خريطة تُظهر موقع قرية ميدان غزال في سهل الغاب في محافظة حماة – Google Earth
في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2025، زرع السوعان أرضه ببذار موردة ضمن اتفاقية “القرض الحسن”، وانتظر مدّة 26 يومًا لكن لم تنبت الأرض. تالياً، بلغت نسبة الإنبات، كما يقدر، بما لا يتعدّى الـ20 في المئة من الوضع الطبيعي.

القرى التي حصلت على القمح المقدم عبر مشروع “القرض الحسن” في سهل الغاب
وقد راجع، على إثر ذلك، الوحدة الإرشادية الزراعية، التي زار موظفوها أرضه واطلعوا على واقعها، ونصحوه بإعادة زراعتها بمحصول جديد. لكنه لم يتمكّن سوى من زراعة 30 دونماً ببذار جديدة. ويقدّر خسارته بنحو 2500 دولار أميركي، أي ما يعادل نحو 325 ألف ليرة سورية (جديدة).
وكان السوعان استلم ثلاثة أطنان من بذار من نوع “دوما 7″، يقول: “عندما استلمت القمح وفتحت الأكياس، كان هناك نخر في البذار وشيء أبيض مطحون. يبدو القمح قديماً”، موضحاً أن حبوب البذار كان شكلها يختلف جذرياً عن السنوات الماضية، إذ كان حجمها أصغر وتبدو ضعيفة الملمس، كما أن بعض الحبيبات لم تكن معقّمة، بحسب ما شرح.
كان الدونم الواحد في أرض السوعان ينتج نحو 600 كيلوغرام من القمح، لكن هذه السنة اضطر إلى استبدال كامل محصوله بعد زراعته ببذار “القرض الحسن” بسبب ضعف الإنبات.
تكاليف ذهبت أدراج الرياح
الى جانب الإنبات الضعيف لبذار قمح، تكبد المواطنون تكاليف طائلة بين حراثة وأسمدة وحصاد. وتُظهر حسبة للتكلفة الوسطية لزراعة القمح أن الدونم الواحد كلّف المزارعين نحو 70 دولاراً أميركياً، أو ما يعادل نحو 9 آلاف ليرة (جديدة).

كان الضرر كبيراً على المزارع شحادة البدران من قرية “الصهرية”، إذ زرع كامل أرضه البالغة مساحتها 50 دونماً ببذار “القرض الحسن”، لكن نسبة الإنبات لديه لم تزد عن 10 – 15 في المئة من نسب الإنبات في الوضع الطبيعي، حسب تقديره.
وبما أن تكلفة زراعة الدونم الواحد تبلغ نحو 70 دولاراً، فإن التكلفة الإجمالية لزراعة أرض البدران بلغت نحو 3500 دولار أميركي، أي ما يعادل نحو 450 ألف ليرة (جديدة)، من دون توقّع عائدات من المحصول. علماً أن البدران عاد حديثاً من نزوح استمرّ ثماني سنوات، أمضاها في المخيّمات، وكان أمله طوال هذه السنوات العودة إلى أرضه وترميم منزله.
عوامل مناخية؟
في ردٍّ رسمي على أسئلة “سراج”، قال مدير فرع إكثار البذار في حماة، المهندس وضاح الحمود، “إن البذار الذي سُلّم الى المزارعين على مستوى محافظة حماة، تُقدّر كميته بـ11 ألف طن، وقد تمت غربلته في موسم الزراعة نفسه، ثم شُحن إلى المصارف الزراعية في المحافظة ليوزَّع على المزارعين”، لافتاً إلى أن “عملية الغربلة والتعقيم والتعبئة تتم آلياً وفق شروط الغربلة”.
وأكّد الحمود أن البذار الموزّع هو من الناتج المحلي للحقول الإكثارية التي يشرف عليها فرع إكثار البذار في حماة، كما نفى وجود تخزين للبذار بعد غربلته وتعقيمه، وإنما شُحن إلى المصارف الزراعية لتوزيعه على المزارعين.
كما شدّد على أنه تم أخذ عينات من البذار لاختبار نسبة إنباته قبل عملية الغربلة.
وفي 20 كانون الثاني/ يناير 2026، شكّلت الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، لجنةً تهدف إلى تشخيص أسباب ضعف إنبات بعض الأراضي، وذلك بعد شكاوى من الفلاحين، على أن ترفع توصياتها إلى وزارة الزراعة.
وعن نتائج تقرير هذه اللجنة يوضح الحمود، أن اللجنة خلصت إلى أن ضعف الإنبات في بعض الحقول في سهل الغاب سببه تأخّر الزراعة بعد بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر 2025، وكذلك الظروف الجوية التي سادت في المنطقة بعد زراعة المحصول، بما في ذلك الهطول المطري الغزير وغرق كثير من الحقول وانخفاض درجات الحرارة بشكل كبير، ما زاد من عمق البذار في التربة.
غير أن أدلةً جُمعت لإنجاز هذا التحقيق تؤكد فرضية عدم مسؤولية تأخر الزراعة أو الظروف الجوية عن ضعف الإنبات، من بينها حالة أحد المزارعين الذي زرع أرضه مناصفةً ببذار “القرض الحسن” الذي تسلّمه من “إكثار البذار” وبذار اشتراه من القطاع الخاص.
وبحسب معاينة “سراج” الأرض في منتصف الموسم، وتحديداً في مطلع نيسان/ أبريل، كان واضحًا الفرق في الإنبات بين كلا الشطرين، على الرغم من أنهما زُرعا في الظروف الجوية ذاتها وتلقّيا العناية والأسمدة نفسها، حتّى إن بذار القطاع الخاص زُرعت بعد بذار القرض الحسن. وقد ظهر بشكلٍ واضح في مقطع فيديو لـ”سراج” كيف تفوّق الإنبات من بذار القطاع الخاص على بذار “القرض الحسن”.
كذلك، أكدت مجموعة مزارعين من قرية “الحواش” في سهل الغاب، في مقابلةً جماعية مع “سراج”، أن إنبات البذار الذي تم شراؤه من القطاع الخاص كان ممتازاً، على الرغم من تعرّضه للظروف الجوية ذاتها.
يقول سعيد الحمود، رئيس الجمعية الزراعية في قرية الحويز الشمالي في سهل الغاب، “إن جمعيته عبارة عن 100 عضو، 65 في المة منهم اشتكوا من رداءة إنبات القمح الذي تم استلامه من المصرف الزراعي في السقيلبية منذ أشهره الأولى”.
وأكّد أن نحو ألف دونم في مجال عمل الجمعية متضررة من سوء الإنبات، لافتًا إلى أنّه على الرغم من زيارة لجنة من الإرشادية الزراعية للأراضي المتضرّرة، إلّا أن الإنتاج تراوح بين 40 – 150 كغ للدونم الواحد، على الرغم من أنّه في الوضع الطبيعي يتراوح بين 350- 500 كغ.
كما أوضح أن مزارعين اشتكوا من أن صوامع الحبوب رفضت استلام محاصيلهم بسبب وجود شوائب كثيرة، على الرغم من أنهم استلموا البذار أصلًا من الدولة.
بذار هجينة؟
بناء على المعلومات التي توصّلنا إليها، وبعض الفيديوهات التي التقطناها للأراضي الزراعية، وضع المهندس الزراعي مراد مصطفى المتخصص بالتربة الزراعية والمحاصيل الحقلية، سيناريوهات عدة تفسّر ضعف الإنبات، من بينها أن البذار قد يكون هجيناً ومستورداً. إذ “إن البذار الوطني متأقلم مع التربة السورية والمناخ السوري”، كما يقول. “فهو مقاوم للجفاف ويخزن المياه ويتحمّل كل الظروف الجوية. أما البذار المستورد (المهجّن صناعيًا) ول اسيما نوع F1، فهو غير مهيأ لتحمّل الظروف المناخية المختلفة. كما أن هذا النوع من البذار يمكن الاستفادة منه لعامٍ واحد فقط، لأنه في حال استخدامه في العام الذي يليه فإنه لا يعطي الإنتاجية نفسها بل نحو ثلث الإنتاج فقط لأنه يستنفد طاقته في الموسم الأول”.
ويعتقد مصطفى، بحسب رؤيته لواقع الإنبات، أنه استُخدم بذار غير متوافق مع تربة سهل الغاب، ما أدى الى قبول التربة بشكل لا طوعي هذه البذار.
ويضيف: “في السابق كان يوزع بذار من نوع شام 3، وشام 6، ودوما 3، ودوما 6. هذه الأكثر استخدامًا، وتنتج ما بين 500 – 700 كيلوغرام. لكن في هذا العام يبدو أنّه تم اختيار البذار بشكل اعتباطي”، موضحاً: “يبدو أنّ هناك بذارًا مختلطاً وراثيًا وتم تصنيفه على أنّه من صنف واحد، أو تم تسليمه على أنّه من شام أو دوما ولكنّه ليس شام ولا دوما”.
ومن بين ترجيحات مصطفى، أن البذار الذي تم توزيعه في سهل الغاب على أنّه بذار وطني هو في الحقيقة ليس وطنيًا وإنما كان معبّأً بأكياس وطنية، كونه تنطبق عليه مواصفات تشبه مواصفات البذار المهجّنة المستوردة.
وأوضح أن الاختلاف الوحيد بين الأراضي التي كان موسمها جيداً، والأراضي التي كان موسمها ضعيفاً، هو البذرة، لأن جميع الأراضي تعرّضت للظروف ذاتها، وكان الاختلاف الوحيد في البذار فقط.
ومن بين هذه الاحتمالات، أن يكون البذار قد تخزّن لوقت يزيد عن الوضع الطبيعي في مخازن مؤسسة إكثار البذار، وذلك بسبب تأخر زراعة القمح التي تتزامن مع أول هطول مطري، بحسب مصطفى، الذي أوضح أن زراعة القمح تكون في نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر، لكنها زُرعت هذا العام بين أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر ومنتصف كانون الأول/ ديسمبر 2025. وهذا ما يفسّر ظهور مواد ناعمة وبيضاء مثل الطحين على أكياس البذار، لأن المواد الحافظة، في حال استمرّت بالحفظ لفترة أطول أو في درجة حرارة أو درجة رطوبة أعلى من الحد المسموح، فإنها تتفاعل مع البذار وتتحوّل إلى ما يشبه البودرة.
وتسلّمت الحكومة السورية العام الماضي نحو 900 ألف طن من القمح، كما تسلّمت “الإدارة الذاتية” حينها 300 ألف طن قمح، أي إن إجمالي إنتاج العام الماضي لا يزيد عن 1.2 مليون طن. وفي هذا السياق، يقول مصطفى “إن هذه الكميات من غير الممكن أن يتم الاحتفاظ بجزء منها كحصة للبذور للعام القادم وترك الشعب جائعاً”.
محصول شحيح
خلال إعداد هذا التحقيق، قرّر فريق التحرير في “سراج” تأجيل النشر بانتظار موسم الحصاد، وذلك لتحديد حجم الخسائر بدقّة، بعيداً عن التقديرات والتخمينات، وإعطاء الفرصة للتحقق من الفرضية حول ضعف إنبات البذار ضمن ما يُعرف بـ”القرض الحسن”.
خلال موسم الحصاد، أجرينا زيارات متكرّرة إلى أراضي المزارعين وواكبنا عملية الحصاد، للاطلاع على كمية المحصول النهائي لبذار “القرض الحسن”.

مأساة فوق مأساة
كانت منطقة سهل الغاب من أوائل المناطق التي ثارت ضد نظام الأسد في عام 2011. ومع تصاعد وتيرة الثورة السورية وانتقالها للعمل المسلّح، انضمت قرى السهل إلى المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، ما دفع الأخير للبدء بعملية عسكرية في عام 2015 تزامنًا مع التدخّل الروسي، أسفرت عن النزوح الأول لسكّان المنطقة.
لكن في عام 2019، شنَّ الأسد الحملة الأعنف على الشمال السوري، فشهدت مناطق سهل الغاب النزوح الأوسع، وتعرّضت لدمارٍ واسع.
وبعد خمس سنوات على النزوح، وسقوط الأسد، كان أمل العائدين الذين يعمل معظمهم في الزراعة، إعادة ترميم بيوتهم المدمّرة استفادةً مما تجنيه أراضيهم.
وحتّى هذه اللحظة يعيش معظم المزارعين في منازلهم المدمّرة جزئيًا أو كليًا، إذ وضع البعض منهم شوادر بلاستيكية على أسقف منازلهم وسكنوها.
اليوم، يقف مالك الجراح أمام منزله المدمّر ولا يعرف أين سيمضي الشتاء مع أسرته العائدة من نزوح طويل في المخيمات في شمال غربي سوريا، وكان كل أمله معلقاً بمحصول القمح لإعادة بناء منزله.
يقول مالك: “ربما كُتب علي وعلى عائلتي المعيشة في الخيمة ولا مفر اليوم من إعادة بناء الخيمة على أنقاض منزلي بعد خسارتي الكبيرة في محصول القمح وتحملي ديونًا لم أعد أطيق التحدث عنها”.
وللجراح وجميع المزارعين الآخرين طلب واحد هو: “الإعفاء من القرض”.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
- تم نشر نسخة من هذا التحقيق على موقع درج.