Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

داخل النظام المالي السرّي لـ”داعش”: كيف بنى التنظيم شبكة مدخرات تحت الأرض؟

يكشف التحقيق، استناداً إلى أكثر من 200 وثيقة داخلية، عن منظومة مالية سرية بناها تنظيم “داعش” على نحو يشبه نظاماً بنكياً تحت الأرض، تتدرج من خزائن مركزية ضخمة إلى دفائن تتبع الولايات والمفاصل ومخابئ أصغر. وتُظهر الوثائق كيف أدار التنظيم هذه الشبكة عبر تسلسل إداري يحدد المسؤولين عن حفظ الأموال ومواقعها وآليات الوصول إليها وصرفها، بما مكّنه من حماية جزء من ثروته والاستفادة منها بعد خسارته مناطق سيطرته.

في أيلول/سبتمبر 2020، وبينما كان تنظيم “داعش” يفقد منطقة الباغوز شرق دير الزور في سوريا، آخر معاقله الكبرى، صدرت وثيقة داخلية عن من يسمى “والي الشام” تحمل أمراً واضحاً إلى جميع أمراء ولايات ومفاصل التنظيم في ما كان يسمى ولاية الشام: “ادفنوا الأموال”.

لم تكن التعليمات تتعلق بإخفاء مبالغ محدودة أو ممتلكات فردية، بل بإدارة جزء من الثروة التي راكمها التنظيم خلال سنوات سيطرته على مساحات واسعة من سوريا والعراق. وألزمت الوثيقة المسؤولين الماليين بتوزيع الأموال على مواقع دفن متعددة وآمنة، مع الاحتفاظ بإمكانية الوصول إليها عند الحاجة.

هذه الوثيقة، إلى جانب أكثر من 200 وثيقة مالية وأمنية أخرى حصل عليها فريق التحقيق، تكشف أن “داعش” لم يتعامل مع انهيار “الخلافة” باعتباره نهاية لمشروعه، بل بوصفه مرحلة جديدة تستوجب حماية موارده المالية وإعادة توزيعها ضمن شبكة من الدفائن السرّية المنتشرة في الصحارى والبوادي والمدن.

خلال أكثر من 20 شهرًا، تمكن الصحفيون في الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، من توثيق تسع عمليات كبرى عُثر خلالها على أموال وذهب ومعادن ثمينة أخفاها التنظيم في سوريا والعراق. 

لاحقًا رسم فريق التحقيق خريطة للدفائن المكتشفة، أظهرت تمركز معظمها في ممر يمتد من دير الزور إلى الأنبار العراقية. وهي المنطقة نفسها التي استخدمها التنظيم سابقًا لتهريب الأموال والأسلحة.

كما حلل الفريق وثائق داخلية وشهادات خبراء ومصادر أمنية تكشف للمرة الأولى البنية الإدارية والمالية التي حكمت إدارة هذه “الدفائن”، ودورها في الحفاظ على جزء من القدرات المالية للتنظيم بعد خسارته للأرض.

الوثائق عبارة عن مراسلات داخلية صادرة عن شخصيات قيادية في التنظيم، عاين فريق التحقيق نسخ رقمية منها، وتحقق منها من خلال تتبع “سلسلة الحيازة” ومقاطعتها مع خبراء ومصادر أمنية وسكان محليين عايشوا تلك الفترات واطلعوا على أعمال التنظيم. 

يقول الخبير في الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية: “قبل خسارة الموصل، أنشأ تنظيم الدولة لجنة مفوّضة لطمر الأموال والذهب، ووضع استراتيجية خاصة لذلك لأنه كان يدرك المصير الحتمي للتنظيم مع تدخل التحالف الدولي”.

العثور على الطمائر

في صباح الثاني والعشرين من نيسان/أبريل 2023، لم يكن في المزرعة المهجورة جنوب الرقة ما يلفت الانتباه. أرض قاحلة تتناثر فيها أشجار متفرقة، وبقايا بناء طيني أنهكته سنوات الحرب، يشبه عشرات المواقع المنسية المنتشرة في البادية السورية.

تحت شمس الصحراء القاسية، بدأ عناصر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الحفر قرب أطراف المزرعة. لم يكن واضحًا في البداية ما الذي يبحثون عنه، إلى أن تغيّر لون التربة في إحدى الزوايا، وبدا أن الأرض أُغلقت بعناية قبل سنوات. ومع إزالة المزيد من التراب، ظهرت حواف براميل معدنية مدفونة.

كانت المفاجأة كبيرة. أربعة براميل كاملة أخفيت داخل حفرة سرية جرى تمويهها بإتقان، إلى جانب أكياس محكمة الإغلاق تحتوي على ما يقارب مليون دولار نقدًا.

عندما فُتح أول برميل، لمع الذهب تحت أشعة الشمس للمرة الأولى منذ سنوات؛ سبائك وقطع ذهبية محفوظة بعناية داخل طبقات عازلة للرطوبة والتراب لحفظ الأموال داخل البراميل.

لم يكن هذا الاكتشاف حادثة معزولة، بل نافذة على شبكة واسعة من الدفائن والمخابئ السرية المنتشرة في صحارى سوريا والعراق، والتي لا تزال بعض خلايا التنظيم يعتمد عليها حتى اليوم كمصدر للتمويل والبقاء، على ما يكشف هذا التحقيق الاستقصائي.

من بين الوثائق التي حصل عليها فريق التحقيق، تبرز وثيقة صادرة عن “والي الشام” تحمل الرقم (ص.42/و.ش-41) ومؤرخة في 27 أيلول/سبتمبر 2020، تتضمن أمرًا ملزمًا لجميع أمراء الولايات والمفاصل التابعة للتنظيم “في الشام” بضرورة توزيع الأموال على عدة مواقع دفن آمنة، واستخراجها عند الحاجة التشغيلية.

وتُظهر الوثيقة أن قيادة التنظيم اعتبرت الدفن إجراءً وقائيًا يهدف إلى حماية الأموال من المصادرة أو الوصول إليها من قبل خصوم. 

ورد في الوثيقة توجيه من الوالي أبو الحارث، ” نوجهكم إلى إلزام الإداريين التابعين لكم بدفن المال الموجود لديكم، وتوزيعه على عدة أماكن آمنة، وتخرجون منه حسب حاجتكم، كما يفعل أخوانكم في ولاية العراق”

بحسب الوثيقة ونص ما ورد فيها، كانت هذه السياسة مطبقة مسبقًا في العراق، وأنها تُعمّم على جميع مناطق وجود التنظيم في سوريا، سواء كانت مناطق نشاط مباشر أو مناطق تتواجد فيها خلايا نائمة.

وتعكس الوثيقة وجود نهج مؤسسي منظم لإدارة الأصول المالية، قائم على تشتيت الثروات وتقليل مخاطر فقدانها في حال مقتل أو اعتقال القيادات أو انهيار البنية الإدارية للتنظيم. كما تكشف أن الدفائن لم تكن مجرد مخابئ مؤقتة، بل جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد هدفت إلى ضمان استمرار القدرة المالية للتنظيم حتى في فترات الانحسار العسكري والأمني.

يقول خالد ( اسم مستعار)، مصدر أمني يعمل في شمال غرب سوريا، كان له جهود كبيرة في ملاحقة خلايا التنظيم في محافظة حلب: 

“يشير هذا الأمر الواضح من أعلى سلطة في التنظيم بسوريا إلى أنّ سياسة دفن الأموال كانت جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية المالية لداعش بسوريا والعراق. وقد أدى هذا الأمر إلى تشتيت الثروات  وتقليل فرص الوصول إلى مصادره المالية من قبل الجهات المحلية أو التحالف الدولي. كما أن هذا الإجراء يعكس فهم التنظيم لأهمية الحفاظ على استمرارية عملياته المالية حتى في ظل الظروف الصعبة، مما يؤكد على قدرته وإصراره على التكيف والبقاء.”

See full screen

توجيه لدفن المال من والي الشام في التنظيم- سراج

كما أن الإشارة في الوثيقة إلى أن دفن الأموال هو أسوة بما يفعله التنظيم في العراق إلى وجود سياسة مالية موحدة على مستوى التنظيم.يدل هذا الأمر على أن هذه الاستراتيجية كانت مدروسة بعناية وتم تطبيقها في جميع المناطق التي سيطر عليها التنظيم. كما يشير إلى أن التنظيم كان يولي أهمية كبيرة للحفاظ على استمرارية عملياته المالية حتى في ظل التغيرات التي تطرأ على الوضع الأمني في المنطقة. 

كنوز في وسط الصحراء

نذ خسارة “داعش” مدينة الموصل العراقية في تموز/يوليو 2017، وهي الهزيمة التي مثّلت بداية انهيار سيطرته الإقليمية في العراق وسوريا، وحتى كانون الثاني/يناير 2025، وثّق فريق التحقيق تسع عمليات كبرى أُعلن خلالها عن اكتشاف دفائن تحتوي على أموال نقدية وذهب ومعادن ثمينة أخفاها التنظيم خلال سنوات نفوذه.

يكشف هذا التحقيق، استنادًا إلى تحليل وثائق صادرة عن “داعش” وبحث ميداني ومقابلات، أن قيمة موجودات التنظيم الموقوفة التي أمكن توثيقها تتجاوز 5.6 مليون دولار أمريكي، إلى جانب كميات من الذهب والمعادن الثمينة. ويعادل هذا المبلغ وحدَه تمويل رواتب نحو 28 ألف عنصر لمدة شهر، على أساس راتب شهري قدره 200 دولار أمريكي للعنصر.

وخلال مقابلات أجراها فريق التحقيق مع ثلاثة مسؤولين أمنيين حاليين في سوريا، أكد جميعهم أن الدفائن المالية ليست روايات متداولة أو أساطير محلية، بل جزء من واقع التنظيم المالي الذي استمر لسنوات بعد سقوط “الخلافة”.

تنوعت الجهات التي عثرت على هذه الدفائن بين قوات التحالف الدولي، والأجهزة الأمنية العراقية، و”قسد”، وقوات النظام السوري (السابق)، والحرس الثوري الإيراني، وفصائل معارضة سورية، فضلًا عن مدنيين كانوا يبحثون عن الكنوز في مناطق مهجورة.

ورغم ضخامة الكميات التي كُشف عنها، تشير الوقائع التي جمعها فريق التحقيق إلى أن معظم هذه الاكتشافات جاءت مصادفة، سواء خلال عمليات دهم وتفتيش أمنية أو نتيجة معلومات أدلى بها عناصر و معتقلون سابقون في التنظيم. أما الجزء الأكبر من هذه الثروات، فيُرجح أنه لا يزال مخفيًا في مواقع مجهولة. ويُعتقد أن بعضها ما زال يشكل مصدرًا ماليًا تعتمد عليه خلايا ومجموعات مرتبطة بالتنظيم في مناطق مختلفة من سوريا والعراق.

من أين يجني داعش الأموال؟ 

الخارجي مقارنةً بالتنظيمات الإرهابية الأخرى، فيما شكّلت سيطرته على الأراضي واستغلالها الركيزة الأساسية لقوته المالية.

وقال دانيال غليزر، مساعد وزير الخزانة الأمريكي لشؤون تمويل الإرهاب في مكتب وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، في ندوة مسجلة:” كانت ثروة “داعش” تتأتى بشكل رئيسي من ثلاثة مصادر. أولًا، النفط والغاز في الأراضي التي يسيطر عليها بحيث أدرّ بيع هذه الموارد نحو 500 مليون دولار خلال عام 2015 من خلال عمليات بيع داخلية بشكل أساسي. ثانيًا، فرض الضرائب والابتزاز. ثالثًا، عندما استولى “داعش” على الموصل في عام 2014، نجح في نهب أكثر من 500 مليون دولار نقدًا من خزانات المصرف المركزي”.

خزائن نجت من سقوط “الخلافة”

في نيسان/أبريل 2021، عثرت الشرطة العراقية على دفين تزيد قيمته على مليون ونصف المليون دولار داخل منزل في المدينة القديمة في الموصل، إلى جانب 17 مليون دينار عراقي، و15 كيلوغرامًا من الفضة، ونحو نصف كيلوغرام من الذهب. وكان المنزل يُستخدم سابقًا كـ”بيت مال المسلمين”، أحد الدواوين المالية التابعة لتنظيم “داعش”.

يقول الباحث السوري في مجال الاقتصاد والإدارة المحلية أيمن الدسوقي: “بعد تآكل مركزية التنظيم في سوريا، تعزّز اعتماده على نمط لامركزي قائم على خلايا صغيرة، ما يفسر لجوءه إلى الطمر كتكتيك لدعم استدامة قدرته العملياتية والتخفيف من مخاطر الاختراقات والملاحقات الأمنية”.

لغاية انضمام سوريا بعد سقوط نظام الأسد إلى التحالف الدولي لقتال داعش في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025،  يتواصل  اكتشاف دفائن للتنظيم، إذ تم العثور على ثلاثة ملايين دولار مدفونة في مدينة البعاج بالعراق، وأكثر من مليون ونصف دولار في مدينة الموصل، إضافة إلى مخزون من الذهب والدولارات تُقدّر قيمته بنحو 16 مليون دولار قرب القائم على الحدود السورية العراقية. 

أظهر التحليل أن 6 من أصل 9 دفائن كُشفت في مناطق صحراوية أو نائية، فيما عُثر على البقية داخل منازل أو مزارع خاصة. ما يشير إلى اعتماد التنظيم على مواقع معزولة يصعب الوصول إليها بشريًا بدلًا من المنشآت العسكرية التقليدية.

و يرى الدكتور كريغ وايتسايد، أستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية (Naval Postgraduate School) وأحد أبرز الباحثين في “داعش”، أن التنظيم اضطر إلى استنزاف جزء من احتياطاته المالية منذ سقوط “الخلافة” عام 2019 للحفاظ على نشاطه وخلاياه.

ويقول وايتسايد، في مقابلة مع فريق التحقيق: “أعلم أن التنظيم اضطر لاستخدام كميات كبيرة من احتياطاته المالية منذ عام 2019 للحفاظ على أعضائه وأنشطته، مهما كانت محدودة”.

ذئاب منفردة

بحسب بيانات صادرة عن وزارة الداخلية السورية، حول تفكيك خلايا مرتبطة بالتنظيم في عدة محافظات، باتت معظم هذه المجموعات تعمل بصورة منفصلة، مستخدمة أسلحة خفيفة وعبوات ناسفة لتنفيذ هجمات محدودة النطاق.

توصّل فريق التحقيق إلى أن الموجودات المالية الموثقة ما لا يقل عن 5.6 مليون دولار نقداً، إضافة إلى نحو 200 سبيكة ذهبية (فئة الكيلوغرام الواحد) قد تتجاوز قيمتها 26 مليون دولار فضلًا عن أربعة براميل من الذهب لم يُعلن وزنها بدقة، ما يعني أن القيمة الإجمالية للموجودات المكتشفة قد تتجاوز 31 مليون دولار على الأقل، من دون احتساب البراميل الذهبية أو العملات والمعادن الثمينة الأخرى. 

تتقاطع المعلومات التي حللها التحقيق مع دراسة صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية (West Point CTC) في آب/ أغسطس 2024، ذكرت أن “داعش” احتفظ بعد سقوط “الخلافة” باحتياطات مالية تراوحت بين 10 و30 مليون دولار. 

ويزيد من تأكيد امتلاك التنظيم لمدخرات مالية مدفونة تحت الأرض ما ذهبت إليه وزارة الخزانة الأمريكية، مرجحة أن التنظيم لا يزال يمتلك ما بين 10 و20 مليون دولار من الأصول السائلة والنقدية داخل سوريا والعراق بعيدًا عن متناول السلطات والأجهزة الأمنية.

بحسب الباحث الدسوقي، فإن الاستفادة من هذه الطمائر ترتبط بوجود خلايا قادرة على الوصول إليها واستخدامها ضمن احتياجاتها العملياتية.

ويقول الدسوقي: “قدرة التنظيم على الاستفادة من هذه الطمائر مرتبط بمعادلة تحكمها عدّة عوامل، من بينها استمرارية الطمائر وتواجد خلايا نائمة والقرار العملياتي”.

ومع مرور السنوات، لم تعد عمليات البحث عن دفائن “داعش” مقتصرة على الأجهزة الأمنية. فقد ظهرت شبكات غير رسمية من الوسطاء وصيادي الكنوز وعناصر التنظيم السابقين الذين يسعون للوصول إلى هذه المواقع مقابل حصص مالية، بحسب خمس شهادات مع ضباط ومقاتلين سابقين في سوريا العراق.

تعود جذور الثروة التي امتلكها التنظيم إلى سنوات صعوده، حين سيطر بين عامي 2014 و2017 على مساحات واسعة من سوريا والعراق، بلغت في ذروة تمدده نحو 90–100 ألف كيلومتر مربع، أي مساحة تقارب دولة مثل الأردن أو البرتغال. 

بعد سقوط التنظيم رسميًا، بقيت أعماله مستمرة بشكل متفرق داخل الجغرافيا السورية وتحديدًا في البادية، وظهر في ليبيا والعراق واليمن وأصبحت الطمائر مصدرًا للتمويل.

ويرى الباحث المتخصص في جماعات ما دون الدولة، عمار فرهود، أن أهمية الدفائن تعكس في كثير من الأحيان قرارات مالية اتخذها مسؤولون محليون في بعض الولايات والقطاعات. 

وتكشف هذه المعطيات أن التنظيم لم يبنِ استراتيجيته المالية على الدفائن وحدها، بل على مزيج من الأصول المخفية والاستثمارات الخارجية والشبكات المالية غير الرسمية، وهو ما ساعده على الحفاظ على قدر من المرونة والقدرة على التكيف رغم الضربات العسكرية والأمنية المتتالية.

وتواصل فريق التحقيق مع وزارة الداخلية السورية، و”قسد” (قبل انهيارها أمام القوات الحكومية في كانون الثاني/يناير الماضي، وقيادة التحالف الدولي للاستفسار حول تقديراتها لحجم الدفائن التي ما تزال غير مكتشفة وآليات التعامل معها، إلا أنه لم يتلقَّ ردًا حتى موعد النشر.

ورغم أهمية الدفائن، يشير خبراء إلى أن معظم فروع التنظيم تعتمد اليوم بصورة أكبر على مصادر تمويل محلية، تشمل الابتزاز والضرائب غير القانونية والخطف مقابل الفدية والتهريب، بينما تُستخدم الأموال الاحتياطية كمصدر دعم إضافي أو لتمويل مراحل التأسيس والتوسع.

ويكشف الدكتور وايتسايد، أن وجود احتياطيات مالية مخفية يُعد أمرًا منطقيًا بالنسبة لتنظيم فقد موارده المرتبطة بالسيطرة على الأرض، لكنه يرجّح أن مصادر التمويل الحالية المرتبطة بالابتزاز والشبكات المالية والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة باتت أكثر أهمية من الأموال المدفونة نفسها.

ويقول: “أتوقع أن تكون مصادر التمويل الأخرى أكبر أهمية اليوم من الاحتياطيات النقدية أو الأصول المخفية”.

كما يشير، إلى أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الجهات الأمنية يتمثل في صعوبة تعقب ملكية هذه الأموال ومواقعها، لافتًا إلى أن جزءًا من هذه الثروات قد يكون عرضة للفساد والاختلاس داخل التنظيم نفسه، إذ سبق أن وثق حالات لمسؤولين في داعش فرّوا إلى دول أخرى بعد اختلاس مبالغ مالية كبيرة.

و يتسق ذلك مع ما كشفه شخص حُبس في سجن الصناعة بمدينة الحسكة من قبل قسد، حيث قال: “انتقل ثلاثة من قيادات التنظيم، قبيل سقوطه، إلى اليمن، حيث نقلوا ثروات كبيرة من المال والذهب بهدف إعادة بناء خلايا التنظيم، مستفيدين من الطبيعة الجبلية الوعرة التي تصعّب ملاحقتهم، ومن حالة الفوضى الأمنية التي تشهدها البلاد.”

الدفائن في كل مكان

لم تحدد التعليمات الواردة في وثائق “داعش” معايير ثابتة لاختيار مواقع دفن الذهب والأموال، وهو ما أكدته أيضًا شهادات خبراء وباحثين اطلعوا على آليات عمل التنظيم. إلا أن تحليل الوثائق التي حصل عليها فريق التحقيق يشير إلى أن الدفائن الأكبر حجمًا كانت تتركز غالبًا في الصحارى والبوادي القريبة من التجمعات السكانية، ضمن مناطق شكلت مراكز نفوذ رئيسية للتنظيم خلال سنوات سيطرته.

وتكشف الوثائق الداخلية التي اطلع عليها فريق التحقيق أن التنظيم اعتمد هيكلية واضحة لإدارة هذه الأصول، حيث قسّم الدفائن إلى ثلاثة مستويات رئيسية تختلف بحسب حجم الأموال أو الذهب المخزن، والجهة القيادية المسؤولة عنها داخل التسلسل التنظيمي.

لم يكن دفن الأموال الوسيلة الوحيدة التي استخدمها التنظيم لحماية ثروته بعد سقوط “الخلافة”، حيث نجح “داعش” في تهريب جزء من أمواله إلى خارج سوريا والعراق، كما استثمر جانبًا منها في أنشطة تجارية مشروعة، من بينها العقارات وتجارة السيارات، بحسب تقرير ويست بوينت. و تشير تقديرات التقرير نفسها إلى أن قسمًا من هذه الأصول نُقل خارج البلاد عبر شبكات مالية عابرة للحدود.

الدفائن المركزية: البنك السرّي للتنظيم

يُعرف أعلى مستوى من دفائن “داعش” باسم “الدفائن المركزية”، وهي منشآت أُعدت خصيصًا لحفظ كميات كبيرة من الأموال والذهب بعيدًا عن أعين الخصوم.

وتتكون هذه الدفائن من غرفة أو أكثر تحت الأرض، بُنيت بشكل يضمن الحفاظ على محتوياتها لفترات طويلة، وهو ما حللناه من صور وأدلة مرئية في فيديوهات لطمائر عثرت عليها القوات الأمنية، إذ زُودت بأسقف خرسانية وجدران إسمنتية تمنع تشكل الرطوبة وتسرب مياه الأمطار.

و بحسب ما توصل إليه فريق التحقيق من خلال مراجعة الوثائق الداخلية، لم يتم رصد سوى ثلاث دفائن مركزية من هذا النوع، كانت تؤدي مجتمعة وظيفة الخزانة الرئيسية أو ما يشبه “البنك المركزي” للتنظيم، الذي تُدار من خلاله الكتلة المالية الأكبر وتُغذّى منه المستويات الأدنى من الشبكة المالية.

تواصلنا مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) للاستفسار عن القضية، بما في ذلك دورها في الحد من قدرة تنظيم داعش على استخدام الطمائر، إلا أننا لم نتلقَّ أي رد حتى موعد نشر هذا التحقيق.

دفائن الولايات والمفاصل: بنوك فرعية

على مستوى أدنى من الدفائن المركزية، اعتمد التنظيم على شبكة واسعة من دفائن الولايات والمفاصل، وهي مخابئ مالية تتبع للمسؤولين الإداريين والماليين في الولايات والقواطع والوحدات التخصصية، مثل مفاصل الأمن والتسليح وغيرها.

وتتميز هذه الدفائن بأنها أصغر حجمًا وأقل تعقيدًا من الدفائن المركزية، لكنها أكثر انتشارًا. وعادةً ما كانت تتركز داخل المدن والقرى التي شهدت وجودًا كثيفًا للتنظيم في سوريا والعراق، لتؤدي دور المستودعات المالية واللوجستية التي تُغذي النشاط اليومي للخلايا المحلية، وفي بعض الأحيان كانت تضم أسلحة وذخائر إلى جانب الأموال.

وتُظهر وثيقة أخرى تحمل الرقم (ص/ وح 41- 04) ومؤرخة في 6 آذار/ مارس 2020  أن عملية الدفن كانت موجهة من قبل إدارات وتخضع لتسلسل إداري صارم. بحيث يتم توزيع النفقات من الموجودات حسب الأولويات وحسب المتوفر في مالية التنظيم في وقت كان يتعرض لضائقة مالية وشح في النفقات. 

نفس الوثيقة بعنوان “مخصصات مالية”، صادرة عن والي الشام في السادس من آذار/مارس 2020، وموجهة إلى والي حلب. وتوضح جانبًا من آلية إدارة الأموال داخل التنظيم، حيث يحصل الولاة بصورة دورية على مخصصات مالية وتعليمات تحدد أوجه الإنفاق وآليات الصرف، بما يعكس وجود نظام مالي وإداري منظم استمر بالعمل حتى بعد خسارة التنظيم لمعظم مناطق سيطرته.

 تقرير مالي صادر عن والي الشام أبو سليمان المهاجر للنفقات التي يجب صرفها – سراج

كان يتولى المسؤول المالي تنفيذ عملية الدفن، بينما يحتفظ المسؤول الإداري بمعلومات الموقع وإحداثياته، قبل أن تنتقل هذه المعلومات تدريجيًا عبر السلسلة القيادية وصولًا إلى الوالي، ومنه إلى القيادة العليا للتنظيم.

وخلافًا للدفائن المركزية التي بُنيت خصيصًا لهذا الغرض، كانت هذه المخابئ أكثر بساطة؛ إذ غالبًا ما كانت عبارة عن حفر أسفل المنازل أو خزانات ومستوعبات معدنية مدفونة داخل حدائق منازل تعود لعائلات مرتبطة بالتنظيم أو موالية له.

هذه الدفائن كانت تؤدي وظيفة تشبه “البنوك الفرعية” داخل الولايات، حيث تُستقبل الأموال المحولة من المستويات العليا، ثم تُوزع أو تُصرف وفق تعليمات مكتوبة تصدر عن الولاة والقيادات المالية.

توزّع أماكن الطمائر التي عُثر عليها من مخلّفات تنظيم “داعش” – سراج

الدفائن الفردية: كنوز العناصر الخاصة

لم تقتصر سياسة الطمر على خزائن التنظيم المركزية ودفائن الولايات، بل امتدت إلى عناصر التنظيم أنفسهم، الذين تعاملوا مع أموالهم وأسلحتهم ومقتنياتهم الثمينة بالطريقة ذاتها.

وتشير الوثائق والشهادات التي جمعها فريق التحقيق إلى أن كثيرًا من عناصر “داعش” عمدوا إلى دفن مدخراتهم الشخصية من الذهب والأموال، كما الأسلحة، داخل منازلهم أو في محيطها المباشر. وكان بعضهم يشارك مواقع هذه الدفائن وإشاراتها مع أفراد مقربين من العائلة أو مع عناصر آخرين ضمن المجموعة الجغرافية أو العائلية نفسها، تحسبًا لمقتله أو اعتقاله.

ويرى الباحث عمار فرهود أن قسمًا مهمًا من الدفائن التي يُعثر عليها اليوم يندرج ضمن هذا النوع من الطمائر الفردية، أكثر من كونه جزءًا من الخزينة الاستراتيجية للتنظيم، ما يعكس قرارات شخصية أو محلية اتخذها مسؤولون وعناصر خلال سنوات سيطرة التنظيم.

وتكشف إحدى الحوادث التي وثقها فريق التحقيق جانبًا من الأهمية التي كان التنظيم يوليها لهذه الدفائن.

في الخامس من تموز/يوليو 2021، احتجز عناصر من التنظيم طفلًا من دير الزور وأخضعوه للتحقيق بعد أن عثرت عائلته، أثناء عملها في الحفر بالأجرة، على دفين من الذهب داخل حديقة منزل يعود لأحد عناصر التنظيم.

وبحسب تسجيلات مصورة، اتهم التنظيم العائلة بالاستيلاء على الذهب. وبعد إنكارها معرفتها بمكانه، قُتل الشقيق الأكبر للطفل أثناء محاولته الفرار من أحد المراكز السرية التابعة للتنظيم، حيث أطلق عليه أحد العناصر النار وأرداه قتيلًا.

وتظهر هذه الواقعة أن الدفائن الفردية لم تكن مجرد مدخرات شخصية مخبأة تحت الأرض، بل جزءًا من منظومة تمويلية  كان التنظيم يتعامل معها باعتبارها أصولًا ينبغي حمايتها واستعادتها مهما بلغت الكلفة.

مخطط حركة الأموال  من الدفائن المركزية إلى دفائن الولايات والمفاصل – سراج
وثيقة أوامر إدارية لصرف الأموال  والإنفاق العام – سراج

أدوات بقاء أم إرث من الماضي؟

رغم مرور سنوات على انهيار “الخلافة” المكانية لتنظيم “داعش”، لا تزال الدفائن المالية التي أخفاها تمثل أحد العوامل التي تساعد بعض خلاياه على الاستمرار والعمل، خصوصًا في المناطق الصحراوية الممتدة بين سوريا والعراق.

الباحث فرهود، يرى أن وجود خلايا نائمة مرتبطة بالتنظيم أمر طبيعي في المناطق التي خسرها، لكنه يلفت إلى أن هذه الخلايا لا تعمل حصرًا على إدارة الطمائر، بل تشكل جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع تشمل الحوالات المالية والاستثمارات ونقل الأموال والتجارة غير المشروعة.

ويضيف أن الأموال المدفونة لا تمثل اليوم الركيزة الأساسية لاقتصاد التنظيم، الذي بات يمتلك مصادر تمويل وشبكات مالية في مناطق أخرى، بما فيها أفريقيا، لكنها قد توفر دعمًا سريعًا ومحدود النطاق للخلايا التي تتمكن من الوصول إليها.

كما يشدد فرهود على أن هذه الأموال، في حال العثور عليها، يجب أن تُسترد لصالح الدولة السورية وتُوظف في خدمة المصلحة العامة.

من جانبه، يرى الدسوقي أن الطمر لم يكن مجرد وسيلة لإخفاء الأموال، بل جزءًا من منظومة لوجستية متكاملة. فمواقع الدفن كانت تؤدي في بعض الأحيان دور مراكز إمداد تحتوي على موارد مالية ومواد تموينية وأسلحة، موزعة وفق احتياجات مناطق العمليات المختلفة.


  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
  • نُشرت النسخة الانكليزية من هذا التحقيق في مجلّة New Lines.

اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات