يوم السادس والعشرين من آذار/مارس 2013، اقتحمت قوة عسكرية تابعة للواء 61 في جيش نظام بشار الأسد قرية صيدا الجولان (صيدا الحانوت) في محافظة القنيطرة جنوب سوريا. وقد انتهى ذاك الاقتحام الذي بث الرعب في قلوب سكان القرية الصغيرة وما حولها لسنوات لاحقة، بمجزرة أفضت إلى مقتل ما بين 12 و15 شخصًا، وفق تقارير لجان التنسيق المحلية التي ظهرت مع اندلاع الثورة السورية قبل ذلك بعامين.
ورغم التباين بين عدة مصادر محلية وقتها حول العدد الدقيق للضحايا، إلا أن جميعها أكد وقوع “المجزرة”، نقلاً عن مصادر أهلية في القرية التي تبعد حوالي كيلومترين شرقي المنطقة العازلة مع الجولان المحتل من قبل إسرائيل. كما أكدت هذه المصادر قيام قوات النظام برمي جثث الضحايا في واد قريب من القرية.

منشور للجان التنسيق المحلية في سوريا يشير إلى ارتكاب قوات النظام مجزرة في قرية صيدا الجولان، 26 آذار/مارس 2013 – فيسبوك
منذ ذلك الحين، ومع اشتداد حملات النظام العسكرية في جميع أنحاء البلاد، وارتكاب قواته وحلفائه عشرات المجازر الموثقة، طُويت صفحة مجزرة وادي طعيم، ولم ينل الضحايا وأهاليهم أي فرصة تُعيد لهم شيئًا من العدالة المعنوية أمام الجناة الذين ارتكبوا جرائمهم ضد أبنائهم. إلا أن سقوط نظام الأسد منحهم أخيرًا فرصة لإعلاء صوتهم والمطالبة بعدالة تمسكوا بها 13 عامًا بعد مقتل أبنائهم، ورواية قصة تهامسوا حول تفاصيلها لأكثر من عقد خوفًا من بطش النظام الأسد المخلوع.
يكشف هذا التحقيق للوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج”، لأول مرة عن أسماء ووجوه اثنين من ضباط جيش النظام المنهار متهمين بالمسؤولية عن مجزرة وادي طعيم، والتي أسفرت عن مقتل 13 شخصًا، منهم تسعة من عائلة واحدة بينهم طفل. حيث ألقت قوات النظام بجثثهم في قعر الوادي الذي يبلغ عمقه حسب تقديرات الخبراء بين 200 و300 متر.
حاول الصحفيون العاملون على هذا التحقيق، بالتعاون مع أقارب الضحايا، إعادة رسم أحداث المجزرة مجددًا. إذ اصطحب الشهود والناجون فريق التحقيق إلى حافة الوادي المنحدر بشدة، وشرحوا لنا بالصوت والصورة تفاصيل ذلك اليوم “المأساوي” في تاريخ صيدا الجولان، كما يصفه السكان.
ساهم العمل الميداني، بالإضافة إلى أسلوب التحقّق والاستقصاء التي اتبعها الصحفيون، والبحث والتدقيق عبر المصادر المفتوحة، مثل برامج التعرف على الوجوه، وفحص منشورات وبصمات رقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وصور أقمار صناعية تعود لأكثر من عقد من الزمان، في التحقق من الادعاءات الواردة ومقاطعتها وتأكيدها مع المقابلات الميدانية، وصولًا إلى التواصل مع ضابط مشتبه بتورطه في المجزرة، وتأكيده الجازم على وقوعها وتفاصيلها.
كما تكشف المقابلات المطوّلة مع عائلات الضحايا وناجٍ وشهود عيان تفاصيل المجزرة وظروفها وهويات هؤلاء الضباط المتورطين التي اختفت عن الأنظار وتراجعت لأكثر من عقد.
الثلاثاء الأسود
لمدة ستة أشهر متواصلة، أجرى فريق “سراج” حوارات مطولّة مع أهالي الضحايا وناجين من المجزرة، إضافة إلى شاهدين على عمليات القتل التي جرت حيئذٍ. وبمقاطعة كل التفاصيل التي أمكن الحصول عليها من تلك اللقاءات مع معلومات من مصادر رسمية أو مفتوحة المصدر، استطعنا تحديد السياق الذي سبق المجزرة، والظروف التي جرت فيها، بالإضافة إلى تحديد تاريخ ومكان حدوثها بدقة.
إذ يوم الثلاثاء 26 آذار/مارس 2013، اقتحمت قوة من اللواء 61 في الجيش السوري، ومقره في محافظة درعا جنوب البلاد، قرية صيدا الجولان في محافظة القنيطرة، على رأسها ثلاثة ضباط برتبة لواء ومقدم، ورائد. تصادف هذا الاقتحام مع وليمة غداء كانت قد أقامها أحد أفراد عائلة الهريسي، المعروفة باسم “الحجازي”، ودعا إليها عددًا من الأقارب وسكان المنطقة.

صورة من الأقمار الصناعية توضح موقع قرية صيدا الجولان على بعد كيلومترين شرقي حدود المنطقة العازلة مع هضبة الجولان المحتلة من قبل إسرائيل منذ عام 1967 – Google Earth
يروي عيسى الهريسي، أحد سكان صيدا الجولان لـ”سراج”، كيف حاصر عناصر من اللواء القرية: “كانت الوليمة يومها هنا. حضرت أنا وشقيقي وموفق ورجل من قرية الغدير. لم نشعر إلا وقد طوقنا الجيش ودخلوا علينا بيتاً تلو الآخر”.
ضمت القوة المقتحمة حوالي عشرين عنصراً برتب مختلفة، طوقوا البيوت ثم بدؤوا باقتحامها بعنف، واقتادوا عدة شبان من عائلات مختلفة مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين إلى ثلاث سيارات عسكرية، منها سيارتان من نوع “بيك آب”.
لم تنجح توسلات الأهالي ودموع نساء القرية في إيقاف القوة المقتحمة عن إكمال مهمتها. توسل رجل من عائلة الهريسي لضابط في الحملة، إلا أن الأخير أجابه بأن عليه “نسيان عائلته”، قبل أن يصعد رفقة العناصر الآخرين إلى السيارات التي سرعان ما غادرت القرية.
يستذكر عيسى الهريسي: “جاءني الضابط إلى هنا، وقال لي انسوا وجود بيت الحجازي. اذهبوا وتكاثروا في الزعتري”، إشارة إلى مخيم الزعتري في الأردن، والذي لجأ إليه آلاف السوريين من جنوب سوريا إبان حملات النظام العسكرية على محافظات درعا والقنيطرة خصوصًا.
في ذلك اليوم، قُتل ثلاثة من أبناء عيسى الأربعة، عماد وعلي ومحمد.

فقد عيسى الهريسي ثلاثة من أبنائه، هم عماد وعلي ومحمد، في مجزرة وادي طعيم – سراج
يروي شهود من عائلات الضحايا وسكان القرية لـ”سراج” كيف شاهدوا السيارات العسكرية يومها تغادر القرية معتقلة أبناءهم نحو الطريق المؤدية إلى وادي طعيم الذي يبعد حوالي كيلومترين عن صيدا، ويعتبر واحدًا من أكبر وأعمق الوديان في سوريا بعمق يبلغ حوالي 300 متراً.
وخلال مسيرة باتجاه الشمال، توقف الموكب العسكري في نقطة عسكرية عند سرية صيدا التابعة للواء 61 أيضاً، ثم تحرك مجددًا قبل أن يتوقف عند بحيرة سد الرقاد المجاورة للقرية.

خريطة تًظهر الطريق التي سلكتها قوات النظام بعد اعتقال الشباب من صيدا الجولان – سراج
بشكل متزامن تقريبًا، اعتُقل رجل آخر من قبل قوات النظام على بعد خمسة كيلومترات للتحقيق معه. لم يعلم الرجل الذي يحمل اسم فادي صيّاح وقتها أنه سيكون الناجي الوحيد من مجزرة ستعرف لسنوات في المنطقة باسم مجزرة وادي طعيم.
كان صيّاح يعمل في متجر لبيع الهواتف المحمولة. توقفت أمام متجره سيارة أجرة من نوع “كيا ريو”، ترجل منها عناصر يرتدون بدلات عسكرية وسألوه عن اسمه ثم وضعوا قميصه فوق وجهه واقتادوه إلى السيارة. هناك كبلوه ووضعوا عصابة لتغطية عينيه.
يقول صيّاح مستذكراً ما حصل قبل ثلاثة عشر عاماً: “كنت أساعد بعض العساكر في الانشقاق عن جيش النظام”. وقد عرض عليه أولئك العناصر صورًا لجنود ساعدهم في الانشقاق، لكنه أنكر صلته بالأمر تماماً. ويضيف: “قلت والله لا أعلم شيئًا. أردت تبرئة نفسي”. اقتادت السيارة صياح إلى كتيبة “عين ذكر” التابعة للواء 61، وتوقفت هناك لبرهة.

خريطة تُظهر الطريق التي سلكتها سيارة الأجرة التي كان يستقلها عناصر من نظام الأسد نحو كتيبة عين ذكر عقب اعتقالهم فادي صياح – سراج
هناك، سمع صيّاح العناصر يتحدثون مع “المساعد أبو ابراهيم” من الأمن العسكري. ويقول: “سألوه عن السيارات التي اعتقلت الشباب في قرية صيدا، فأجابهم بأنها سبقتكم”.

فادي صيّاح، الناجي الوحيد من مجزرة وادي طعيم عام 2013 والشاهد على أحداثها – سراج
يضيف صيّاح: “توقفت السيارة عند مفرق [بحيرة] السد. استطعت النظر بسبب انزياح العصبة عن عيني، فرأيت سيارتين [بيك أب] للأمن مرتا بجانبنا وفيها أشخاص منبطحون على أرض [خلفية] السيارة. ثم مرت سيارة معروفة بأنها للمقدم، توجهت نحو الوادي [وادي طعيم]”.

خريطة تبين موقع مفرق بحيرة السد الذي شاهد فيه فادي صياح سيارات الجيش وهي تعبر نحو وادي طعيم – سراج
اقتادت السيارات التي يتحدث عنها صيّاح المعتقلين وسارت عبر الطريق الترابية المؤدية إلى وادي طعيم بقرب قرية صيدا. على رأس تلك القوة العسكرية كان المقدم الذي أشار له صياح ويُدعى حافظ طعمة، وبإمرته ضابط آخر من ملاك اللواء 61 برتبة رائد يدعى رائد سليم، لكنه عُرف بين سكان المنطقة باسم “رائد سلوم”.
في تلك اللحظات سمع صيّاح أصوات إطلاق النار. خرجت رصاصتان، ثم رصاصة، ثم رصاصتان، كما يستذكر. كما سمع شابًا يتوسل بالقول: “مشان الله يا سيدي” ثم اختفى صوته. قال أحد الجنود لصياح: “هل سمعته؟ لقد رميناه في الوادي”. وقد اقتيد صياح إلى موقع المجزرة ليسمع ما حدث ثم تُرك، لرغبة مرتكبيها على ما يبدو في أن يروي الرعب الذي عاشه لسكان المنطقة.
على الجهة الأخرى للوادي، كان يقف رجلان من سكان المنطقة، وضعتهما الصدفة هناك ليتمكنوا من مراقبة المشهد دون أن يتم كشف وجودهما، وليكونا شاهدين على إعدام 13 شابًا وطفلًا واحدًا، بدم بارد هناك.
يحكي محمود يوسف المحمد وحسين العقلة العيساوي عن لحظات الرعب تلك، والتي تؤكد روايات أهالي الضحايا وصيّاح.
إذ وصلت السيارات العسكرية التي تقل المعتقلين إلى حافة وادي طعيم حوالي الساعة الرابعة عصرًا، ليكون قد مضى ساعتان منذ بداية الاقتحام واعتقال الضحايا.
أخرج الجنود المعتقلين جميعًا وهم مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين وأوقفوهم أمام حافة الوادي. ثم بدؤوا بإطلاق النار وإعدامهم واحدًا تلو الآخر. سُمع صوت طلقات الرصاص في المنطقة، ورأى الشاهدان الضحايا وهم يُرمون في الوادي شخصًا بعد آخر.
يقول الشاهد محمود المحمد: “رأيت السيارة تركن أمام حافة الوادي. أنزلوا عدة أشخاص وأطلقوا النار عليهم ثم رموهم في الوادي. رأيت ذلك بأمّ عيني”. أما الشاهد الآخر حسين العقلة العيساوي فأكد أنه تعرف على الشباب من عائلة الهريسي الحجازي فور رؤيتهم، ويضيف: “كان يُطلق النار ويرمي الشخص بعدها في الوادي. أحيانًا كان يطلق النار على الشخص وهو يهوي إلى الوادي”.
لاحظ جنود النظام حركة على الجانب الآخر من الوادي فأطلقوا النار باتجاه الشاهدين اللذين زحفا للابتعاد عن مدى النار، و استطاعا الهرب دون التعرف على هويتهما.
في ذلك اليوم فقدت عائلة الهريسي تسعة من أبنائها من بينهم طفل عمره 12 عاماً. وفرض النظام طوقًا أمنيًا حول المنطقة، بحيث بقيت الجثث ملقاة في قعر الوادي لمدة أربعة أشهر.
في 18 تموز/يوليو 2013، سيطرت فصائل تابعة للجيش الحر والمعارضة السورية على المنطقة بما فيها صيدا الجولان ووادي طعيم، فاستطاع الأهالي أخيرًا انتشال جثث أبنائهم. وقد استغرقت العملية أسابيع، بحسب شهود، نتيجة الطبيعة الوعرة للوادي وصعوبة وصول الآليات أو السيارات إلى الأسفل. وكان من الصعب التعرف على هويات بعض الضحايا. وكما تروي سيدة، فإنها بالكاد استطاعت التعرف على جثة زوجها لأن ملامح وجهه كانت قد تشوهت بفعل تحلل الجثة.
يُعد وادي طعيم، الواقع بين ريفي القنيطرة الجنوبي ودرعا الغربي، من أبرز الأودية الطبيعية في جنوب سوريا. وهو يتميز بتضاريسه البركانية ومجراه المائي الموسمي الذي يشكل شلالات بعد هطول الأمطار، فيما تكتسي جوانبه بالمراعي والأعشاب البرية خلال الربيع. وإلى جانب قيمته البيئية والجمالية، يكتسب الوادي أهمية جغرافية لقربه من خط فصل القوات في الجولان المحتل. في العام 2013 حول النظام السوري الوادي إلى مقبرة جماعية رميت فيها جثث 13 شخصًا على الأقل بعد إعدامهم فيما عرف باسم “مجزرة وادي طعيم”.
يظهر مقطعا فيديو طمست معالم الأشخاص الظاهرين فيهما، نَشرهما ناشطون عبر موقع “يوتيوب” في كانون الثاني/يناير 2014 وأكد أهالي الضحايا محتواهما، انتشال جثث من وادي طعيم. وبحسب أحد المقطعين، فإن الجثث كانت “مكبلة ومجهولة الهوية”، وهو ما يتطابق مع روايات الأهالي حول تكبيل أبنائهم قبل إعدامهم من قبل الجيش السوري.

مقطعا الفيديو على “يوتيوب” المنشوران في كانون الثاني/يناير 2014 ويشيران إلى انتشال الجثث من وادي طعيم – يوتيوب
ساعدنا هذان المقطعان كدليل لرسم خط زمني دلالي على حصول المجزرة ولاحقًا على عملية انتشال الجثث من الوادي بعد انسحاب قوات النظام من المنطقة. ولم يحصل فريق “سراج” على رد من القناة التي رفعت المقطعين على “يوتيوب” للتأكد بشكل مستقل منهما أو الحصول على نسختيهما الأصليتين قبل الطمس.
قابل فريق التحقيق أفرادًا من عائلات الضحايا، واستمرت المقابلات لأسابيع طويلة لتوثيق الظروف الزمانية والمكانية وهويات وأسماء الضحايا جميعهم. تحدث فيها الآباء والأمهات وزوجات الضحايا عن المأساة التي يعيشونها منذ يوم المجزرة والأشهر الطويلة التي انتظروها لدفن أبنائهم، وعن الرعب الذي عاشته القرية لسنوات إثرها.
أم حسن الهريسي فقدت ثلاثة من أبنائها في المجزرة. أكبرهم حسن الذي كان يبلغ من العمر 25 عامًا، وترك وراءه زوجة وطفلين. أما أصغرهم فهو عبد الإله الذي كان يبلغ من العمر 12 عامًا. تقول: “قالوا لي أنه كان يستنجد بي قبل أن يقتلوه. كان يصرخ “يا يما” ثم قتلوه”.

فقدت أم حسن الهريسي ثلاثة من أبنائها، بينهم طفل بعمر 12 عاماً، في مجزرة وادي طعيم – سراج
وثق فريق التحقيق أسماء وهويات الضحايا الثلاث عشرة الذين قتلوا في المجزرة وانتشلت العائلات جثثهم من الوادي وهم: عماد عيسى الهريسي (25 عامًا)، محمد عيسى الهريسي (22 عامًا)، علي عيسى الهريسي (20 عامًا)، حسن موسى الهريسي (25 عامًا)، محمد موسى الهريسي (15 عامًا)، الطفل عبد الإله موسى الهريسي (12 عامًا)، يوسف محمد الهريسي (23 عامًا)، خالد محمد الهريسي (20 عامًا)، أنور محمد الهريسي (21 عامًا)، عبد الله عيد الزراعي (27 عامًا)، موفق محمد فنخور (52 عامًا)، إسماعيل أحمد عوير (25 عامًا)، وفراس الحمداني البرهومي (23 عامًا).

ضحايا مجزرة وادي طعيم من أعلى اليمين بالترتيب الأفقي: علي عيسى الهريسي، محمد عيسى الهريسي، عماد عيسى الهريسي، خالد محمد الهريسي، يوسف محمد الهريسي، أنور محمد الهريسي، الطفل عبد الإله موسى الهريسي، حسن موسى الهريسي، محمد موسى الهريسي، إسماعيل عوير، فراس برهومي، عبد الله عيد الزراعي، موفق فنخور – سراج
المقدم حافظ
وقت حصول المجزرة، كان اللواء ياسر معلا نوفل يتولى قيادة اللواء 61، والذي كان آنذاك لواء مستقلًا ضمن هيكلية الفيلق الأول للجيش السوري.
وقد قُتل نوفل بعد المجزرة بأسابيع، وتحديداً في نيسان/أبريل 2013. وأشارت العديد من منشورات النعي على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنه قضى على يد قوات المعارضة السورية.

صورة للواء ياسر معلا نوفل قائد اللواء 61 في الجيش السوري نشرتها صفحات مؤيدة للنظام عقب مقتله – فيسبوك
لكن أهالي ضحايا المجزرة كانوا يرددون اسمين فقط، هما الضابطان اللذان اقتادا أبناءهم إلى الموت، وما يزالان على قيد الحياة: المقدم حافظ طعمة، والرائد رائد سليم أو “سلوم”.
منذ اللحظة الأولى التي ذُكر فيها اسم المقدم حافظ طعمة، دأب فريق التحقيق على البحث عن أي أثر له في المصادر المفتوحة، لاسيما الأخبار العسكرية ووسائل التواصل الاجتماعي، دون أي جدوى.
تواصل فريق التحقيق مع ضباط وعناصر منشقين عن جيش النظام من المنطقة، وضباط متقاعدين، ومصادر محلية. وفيما ذكرت المصادر معلومات مختلفة عن اسمه الحقيقي ومكان وجوده، إلا أنها جميعًا أكدت وجوده على الأراضي السورية. وبعد بحث استمر أشهرًا، وصلنا إلى ضابط منشق يدعى “أبو حسين”، سبق له تأدية الخدمة العسكرية مع المقدم حافظ في اللواء 61.
مَثّل هذا الضابط مفتاح الوصول إلى طعمة المتواري عن الأنظار. إذ قدم لنا معلومات عن المقدم تتعلق بسجله العسكري، ووصفًا لملامح وجهه وبنيته الجسدية، وهذا ما ساعدنا في رسم ملامحه وإطلاق بحث للعثور على صورة له.
اطلع فريق التحقيق على وثائق مدنية وعسكرية أكدت هوية طعمة بأنه من مواليد تلكلخ في محافظة حمص. كما أكدت وظيفته العسكرية في اللواء 61. وتطابقت صور طعمة في الوثائق المدنية والعسكرية مع صورة كان يرجح أنها له.
التعرف على وجه حافظ
عرضنا صورة حافظ طعمة على أهالي الضحايا وسكان القرية وشهود عيان، وعلى 15 معتقلًا سابقًا بينهم أشخاص قام طعمة بتوقيفهم. وقد تعرف 13 منهم بشكل جازم على صورته مقارنة بصورة لشخص آخر قيل إنها له.
وقد أثارت صورة طعمة ذكرى مؤلمة لدى زوجة أحد الضحايا التي كانت توسلت إليه يوم المجزرة ترك زوجها موفق فنخور الذي يعاني من مرض عقلي، إلا أن طعمة لم يستمع لتوسلاتها وانتهى الأمر بفنخور جثة هامدة في قعر الوادي.

صورة للمقدم حافظ طعمة من اللواء 61 وأحد ضابطين اثنين مسؤولين عن قيادة العملية التي انتهت بمجزرة وادي طعيم – سراج
تقول زوجة الضحية:خلال عملية الاعتقال “أمسكني حافظ من يدي أمام داري هنا، وقال لي أنه لا علاقة له بالأمر. قلت له أنت المسؤول وإذا أردت قتلي فاقتلني”.

تعرف معظم سكان المنطقة وأهالي الضحايا على هوية حافظ طعمة بعد عرض صورته عليهم – سراج
تقول سيدة أخرى عرضنا عليها صورة حافظ للتعرف عليه: “نعم هذا هو حافظ.. كان يلبس عسكري وعنده شعر.. في أحد المرات أدخل دبابة إلى بيتي”، مشيرة إلى الفسحة داخل البيت.
استمر البحث بعدها لأسابيع. وبناء على معلومات من مصادر محلية في محافظة حمص، توصلنا إلى أن حافظ طعمة يقيم في مزرعة في منطقة تلكلخ القريبة من الحدود اللبنانية. توصل فريق التحقيق إلى أشخاص من أقاربه، ثم تواصل الصحفيون معه بشكل مباشر ووافق على مقابلتنا.
تمت المقابلة مع فريق التحقيق على جزئين.
في 17 حزيران/يونيو الماضي، استطعنا تحديد موعد لمقابلة طعمة. على الطريق من دمشق إلى حمص تلقى فريق التحقيق اتصالًا من شخص مقرب من طعمة يبلغنا فيه رفض الأخير الحديث إلى الصحفيين. ثم طلب مقابلته في وقت متأخر من الليل. تحت جنح الظلام توجه الصحفيون رفقة وجهاء محليين إلى الموقع المتفق عليه، ليرفض المقدم اللقاء مجددًا بشكل شخصي، مستعيضًا عن ذلك بمحادثة هاتفية مقتضبة، تمت من رقم هاتف غير معروف سابقًا بالنسبة لفريق التحقيق.
في حديثه إلى “سراج” لم ينكر طعمة حصول المجزرة، بل وأكد أن عدد الضحايا لا يقل عن 13 شخصًا كما وثقنا، كما أكد على حصول عملية إعدامهم ورمي جثثهم في الوادي كما وصف الأهالي وشهود العيان. إلا أنه نفى، في المقابل، أي دور له في المجزرة، متذرعًا بأن بقاءه في سوريا دليل على براءته، وأنه ترك الخدمة في الجيش عام 2016، ولم يحصل على تعويضات كما قال.
مقابلة مواجهة لفريق التحقيق مع الضابط حافظ طعمة، 17 حزيران/ يونيو 2026 – سراج
بتاريخ 20 حزيران/يونيو، تلقى فريق التحقيق اتصالًا من طعمة عبر رقم مجهول، وطلب مقابلة صحفي واحد فقط رفقة الضابط “أبو حسين” في إحدى كنائس محافظة حمص في منتصف الليل (الساعة 12 ليلًا)، دون أن يقدم تفسيرًا لهذا الطلب. ثم لم يعد يستجيب بعدها لأي محاولات للتواصل.
إنكار طعمة لدوره في المجزرة لم يمحُ صورة وجهه وبزته العسكرية من ذاكرة وشهادات أهالي الضحايا وشهود العيان الذين يذكرون كيف اقتاد شباب القرية وأحد أطفالها إلى موتهم في قعر وادي طعيم.
بالتحقق من أرقام التواصل التي استخدمها طعمة للتواصل مع الصحفيين، تبين لنا أنها ليست مسجّلة باسمه، وإنما كان يستخدم أرقام هواتف للتواصل بأسماء أشخاص آخرين، وهو ما عقّد مسألة الوصول إليه والحديث معه.
الرائد “سلوم”
بجانب اسم المقدم حافظ طعمة، كرر الأهالي والشهود خلال المقابلات اسم رائد في اللواء 61 يدعى رائد سليم، والذي كان يعرف بين سكان المنطقة باسم “رائد سلوم” أو “سلوم”. وقد كان، بحسب الشهادات، شديد العنف والبطش بسكان المنطقة، خصوصًا خلال عمله على الحواجز. وكان في طليعة المشاركين في المجزرة.
على عكس المقدم حافظ طعمة، فإن للرائد رائد سليم الذي ينحدر من قرية بيت عانا في ريف جبلة بمحافظة اللاذقية حضورًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أسفر بحث فريق التحقيق في المصادر المفتوحة عن العديد من المنشورات التي تذكر اسم الرائد كأحد عناصر النظام المشاركين في جرائم ضد المدنيين، ومنها مجزرة وادي طعيم.
عند سؤال زميله في الجيش المقدّم حافظ طعمة خلال المكالمة الهاتفية معه عن سلوم، وصفه بأنه “قذر ومتعاون مع الأمن العسكري والدفاع الوطني في المنطقة”.

أحد المنشورات على فيسبوك تظهر فيه صورة للرائد رائد سليم، ويتهمه بالمشاركة في جرائم ضد المدنيين، 12 نيسان/أبريل 2013 – فيسبوك
عثر فريق التحقيق على صورة منشورة على “فيسبوك” لسليم بتاريخ 12 نيسان/أبريل 2013، أي بعد تنفيذ المجزرة بنحو أسبوعين أظهرت أنه كان لايزال يؤدي الخدمة في محافظة درعا، إحدى مناطق انتشار اللواء 61.
وبمقارنة صور الأقمار الصناعية مع العلامات الفارقة في تلك الصورة، تمكن فريق التحقيق من تحديد موقع التقاطها بالقرب من مبنى بلدية تسيل، حيث تظهر مكتبة الهدى سابقًا، وفي خلفية (عمق) الصورة مئذنة مسجد عمر بن الخطاب، الذي يبعد حوالي 13 كيلومترًا عن موقع المجزرة في وادي طعيم.


تظهر صور الأقمار الصناعية مكان التقاط الصورة أمام بلدية تسيل وفي الخلفية بناء مكتبة الهدى سابقًا (المستطيل الأحمر)، وفي خلفية الصورة مئذنة مسجد عمر بن الخطاب التي تظهر وظلها في الصورة (المستطيل البرتقالي) – Google Earth

صورة أخرى للضابط رائد سليم عندما كان نقيبًا في اللواء 61، 25 نيسان/أبريل 2013 – فيسبوك
بالبحث عن حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، استطاع فريق التحقيق توثيق حساب على “فيسبوك” يُرجح أنه يعود للرائد رائد سليم، ويحمل اسم “العقاب العقاب”. وإذ تظهر في الحساب صورة لسليم وهو يقف على قمة صخرة موجهًا بندقية آلية من نوع كلاشينكوف باتجاه قعر واد محاط بهضاب خضراء.
ولم يتلق فريق التحقيق أي رد بعد مراسلة حساب “العقاب العقاب”، والذي يعود آخر نشاط له إلى العام 2019. ومن خلال بحثنا تبين أنه لا توجد أي حسابات أو أرقام هواتف متصلة به.
بحسب مصدر مطلع، بعد ارتكابه المجزرة تم نقل سلوم لإكمال خدمته العسكرية في منطقة الكسوة بريف دمشق.

تعليقات إعجاب على صورة للضابط رائد سليم منشورة في حساب فيسبوك
تواصل فريق التحقيق مع عدة مصادر محلية، أشارت إلى أن رائد سليم غادر سوريا قبل سقوط الأسد بأشهر للمشاركة في دورة عسكرية لقوات النظام في سلطنة عمان. وأكد مصدر في إدارة مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية السورية هذه المعلومة، وأن سليم غادر سوريا قبل أربعة أشهر من سقوط النظام، ولم يعد منذ ذلك الوقت.
لم ترد السفارة العمانية في دمشق ووزارة الخارجية العمانية حتى لحظة نشر هذا التحقيق على استفسارات “سراج” حول تواجد سليم في السلطنة وسبب السماح له بالبقاء بعد سقوط النظام، إن ثبت وجوده هناك، وما هو موقف السلطات العمانية في حال طالبت نظيرتها السورية بتسليمه إليها.
بانتظار العدالة
فيما يعيش أهالي الضحايا مرارة الفقد وما يزالون بانتظار عدالة تعيد لهم شيئًا من الاعتبار بعد سقوط نظام الأسد، يواصل المتهمون بالمجزرة حياتهم بشكل طبيعي.
من بين الأهالي رقية البرهومي، التي فقدت زوجها وشقيقها يوم المجزرة، وتعيش على أمل محاسبة القتلة. وتقول لـ”سراج” من بيتها في قرية صيدا الجولان، أنها انتظرت على مدى سنوات طويلة التحدث عن مأساة عائلتها دون أن تخاف من بطش نظام الأسد.
فيما يضع أبو عماد الهريسي الذي فقد ثلاثة من أبنائه الأربعة كل آماله في أن تحرك قصته الحكومة السورية للقبض على المتهمين ومحاكمتهم. ويقول: “لو كنت أنا القاضي لحكمت عليه بالإعدام كما قتلهم. رميهم في الوادي يعادل ألف جريمة قتل”.
في مقابلة مع “سراج”، يقول المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية إن “توصيف مجزرة وادي طعيم يندرج ضمن جرائم الحرب ويمكن أن تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا ثبت حصولها ضمن سلسلة من الأوامر العليا”.
لافتًا إلى حقيقة كون قانون العقوبات السوري لا يتضمن موادًا حول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأن القوانين المطبقة حاليًا هي قوانين القتل ضمن قانون العقوبات وفي مثل هذه الحالات تعتبر جريمة قتل لأكثر من شخص، وهو ما اعتبره “تسخيفًا للجريمة والضحايا وعقبة أمام إمكانية ملاحقة الأوامر وتَسلسل الرتب المسؤولة عن الجريمة”.
تواصل فريق التحقيق مع وزارة الداخلية السورية وشارك نتائج التحقيق معها.
بناء على ذلك، لاسيما المعلومات التي تُكشف هنا لأول مرة، قال العميد نايف عبد المجيد، مدير إدارة مكافحة الإرهاب في الوزارة إن: “حافظ طعمة ضمن قائمة المطلوبين لدى وزارة الداخلية. وقد أسهمت المعلومات والتحريات التي زودتنا بها وحدة الصحافة الاستقصائية “سراج” في دعم الجهود الأمنية الرامية إلى تحديد مكان وجوده. وبناءً على المعلومات التي وردتنا منكم، توجهت الجهات المعنية إلى الموقع المشار إليه، إلا أنه لم يكن متواجدًا فيه. وتشير المعطيات الأولية إلى احتمالية فراره خارج البلاد”.
فيما أكد بخصوص الرائد رائد سليم، أنّه “في حال ثبوت وجوده على أراضي سلطنة عُمان، ستتقدم وزارة الداخلية بطلب رسمي لاسترداده عبر القنوات المختصة، بما في ذلك المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، في إطار الآليات المعتمدة لملاحقة المطلوبين الفارين خارج القطر”.
مجزرة وادي طعيم، هي واحدة من عشرات المجازر التي ارتكبتها قوات النظام السوري المخلوع في مختلف أنحاء البلاد، ولم تحظ بالتوثيق الضروري لكشف المسؤولين ومحاسبتهم لسنوات طويلة، وهي شاهد آخر على امتداد ذراع النظام الدموية من أقصى نقطة في شمال سوريا إلى أبعد نقطة في جنوبها، في قرية نائية في ريف القنيطرة اسمها صيدا الجولان، تبعد حوالي كيلومترين عن حدود الجولان المحتل.
بعد 13 عامًا من المجزرة، يتسرب اليأس إلى بعض أهالي الضحايا ويدفعهم إلى طلب الثأر في غياب المحاسبة للمجرمين الذين قتلوا أبناءهم. تقول رقية التي فقدت زوجها وشقيقها في المجزرة عند سؤالها عما ستقوله لو واجهت قتلة عائلتها: “لو كان لي الأمر لفعلت بهم كما فعلوا بأخي وزوجي. كنت حاملًا عندما قتلوهم وبسبب ذلك وُلد طفلي معاقًا ولا زال يُعاني حتى اليوم”.
- شارك في إعداد هذا التحقيق مجموعة من الزملاء الصحفيين الميدانيين والباحثين ومطلقي الصفارة المتعاونين مع “سراج”، وساهم في الإعداد: سند الهنداوي، وعمر البم، وأسامة القعيد.
- تم نشر صور الضحايا بعد الحصول على موافقة الأهالي أو الأقارب.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
- تم نشر نسخة من هذا التحقيق باللغة العربية في صحيفة الثورة، وباللغة الانكليزية في مجلة New Lines.