Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

“موتى على قيد الحياة”… معتقلون وفّاهم نظام الأسد يصارعون للعودة إلى الحياة!

خرجوا من سجون الأسد أحياء، لكنّهم اكتشفوا أنهم موتى في سجلّات الدولة. بعد سنوات من الاعتقال، عاد معتقلون سوريون سابقون إلى الحرّية ليواجهوا معركة جديدة: إثبات أنهم ما زالوا على قيد الحياة. بعضهم دُفن اسمه في سجلّات النفوس واستُخرجت له شهادة وفاة، فيما ظهر آخرون ضمن قوائم الموتى في السجون. يوثّق هذا التحقيق رحلة معتقلين سوريين سابقين في محاولة استعادة هويّاتهم وحقوقهم المدنية، وسط إجراءات قضائية معقّدة وتكاليف تفوق قدرة كثير منهم.

عندما كانت هتافات المعتقلين تصدح على شاشات التلفاز بعد تحريرهم من سجن صيدنايا ليلة سقوط الأسد في الثامن من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، كان المعتقل المحرّر أحمد فاروق مصطفى في تلك الليلة يعيش صدمة لا تقلُّ ألماً عن تجربة الاعتقال ذاتها.

خرج مصطفى من سجن صيدنايا العسكري، بعد نحو خمس سنوات من الاعتقال، ليكتشف أن عائلته أقامت له عزاءً وزوجته تزوّجت من شخص آخر. كل ذلك حدث لسبب واحد: أحمد مصطفى كان ميتاً على الورق، حيث سجّله النظام السوري (دائرة النفوس) كمتوفّى وهو في سجن صيدنايا، وتمّ تثبيت وفاته في السجلّ المدني وهو على قيد الحياة.

شهادة قيد أحمد مصطفى تُظهر وفاته بتاريخ 2 نيسان/ أبريل 2022 – سراج

لم يكن أحمد مصطفى المعتقل الوحيد الذي تمّت توفيته على الورق، إذ وثّقت “رابطة معتقلي الثورة السورية” وهي منظّمة تأسّست بعد التحرير بجهود معتقلين سوريين، 17 معتقلاً سابقاً راجعوا مكتب الرابطة في العاصمة دمشق، ولديهم المشكلة ذاتها، ويخوضون في إجراءات مكلفة مادّياً ومعقّدة للعودة إلى الحياة. البعض منهم تمّت توفيتهم بشكل نهائي في سجلّات النفوس، في حين أن البعض الآخر أُدرجت أسماؤهم كمتوفّين في سجلّات السجون ومراكز الاعتقال في زمن الأسد، ربما تمهيداً لتوفيتهم بشكل نهائي في أوقات لاحقة.

وفوق الصدمة التي تعرّض لها هؤلاء بعد خروجهم من السجن بعد سقوط نظام الأسد، تعرّضوا لصدمة أكبر عندما اكتشفوا أنهم “أموات على الورق”؛ ما جعلهم يدخلون في عمليّة روتينية داخل دهاليز المحاكم وأروقة دوائر النفوس معقّدة لإعادتهم إلى الحياة.

يكشف هذا التحقيق الاستقصائي، عن الصعوبات التي يواجهها المعتقلون الذين تمّت توفيتهم على الورق خلال اعتقالهم في حقبة الأسد، في رحلة عودتهم إلى الحياة، حيث يعاني معظمهم من ظروف مادّية صعبة تحول دون قدرتهم على تحمّل تكاليف الدعاوى والإجراءات القانونية، في ظلّ نقص الدعم الحكومي أو غير الحكومي لحلّ مشكلتهم.

عائد من الموت

ينحدر أحمد مصطفى من عين الفيجة – قرية وادي بردى، عمره 43 عاماً، كان يعمل في تمديدات الكهرباء وتصليحها، في 24 أيّار/ مايو 2019، اعتُقل مصطفى على حاجز البركة سيّئ الصيت عند مدخل منطقة التضامن في العاصمة السورية دمشق، وكانت تهمته “ارتكاب أعمال إرهابية”، كما أسندت إليه تُهم “التعامل مع الإرهابين وتفجير حواجز وسيّارات وقتل عناصر من النظام”، وتمّ التحقيق معه في فرع الأمن الجنائي في باب مصلّى بدمشق، ليُنقل بعدها لمدّة ثلاثة أيّام إلى سجن عدرا المركزي.

خلال فترة اعتقاله، تعرّض كما يقول “لأسوأ أنواع التعذيب للاعتراف بجرائم لم يرتكبها”، ولكنّه لم يعترف. بعد ذلك  تمّ تحويله إلى “محكمة الميدان” وهناك تفاجأ مصطفى بتحويله مباشرةً إلى سجن صيدنايا العسكري، من دون مقابلة القاضي ومن دون أن يعرف حكمه. ولم يقابل القاضي حتّى العام 2021، عندما عُرض على القاضي الذي اكتفى بالقول له “انقلع لبرا” دون أن يخبره بحكمه.

لم يعرف مصطفى ما حكمه، ولكنّ ما يعرفه أن تهمته كانت التعامل مع الإرهاب وتفجير حواجز أمنية وسيّارات وقتل عناصر من النظام؛ أي “ارتكاب أعمال إرهابية”.

خلال اعتقاله، استخرجت عائلته أوراقاً من النفوس، ليظهر معهم أنه “ميت”، ما يعني أن  النظام قام بتوفيته، وهنا اعتقدت العائلة أنه توفّي أو قُتل خلال فترة اعتقاله. سارت العائلة بإجراءات الوفاة، أقامت له تعزية، وتزوّجت زوجته من شخص آخر بعد فترة.

خرج من السجن يوم سقوط النظام 8 كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، وكان منهك الجسد بسبب إصابته بمرض السلّ، وفاجأ عائلته بأنه على قيد الحياة. بسبب مرضه، كان مصطفى يرغب في إتمام أوراق وأراد استخراج “قيد مدني فردي” من مركز خدمة المواطن في شارع الثورة في دمشق، قال له الموظّف: “اذهب إلى المحكمة الشرعية في وادي بردى التابعة لعين الفيجة وراجع الأمر هناك”، لم يعرف مصطفى ما المشكلة لكنّ الموظّف قال له “شغلتك عويصة”.

راجع مصطفى المحكمة الشرعية في وادي بردى، لكن هناك تمّت إحالته لمراجعة محكمة المزّة في دمشق، وهناك أخبره رئيس المحكمة بأنه متوفى وأن عليه توكيل محام. راجع القصر العدلي في دمشق واستخرج بعض الأوراق ومنها شهادة وفاة وبيان حركة بعدم مغادرة البلد وبيان عائلي.

لجأ مصطفى إلى “رابطة معتقلي الثورة السورية”، بعد استدلاله عليها عن طريق رفاقه الناجين من صيدنايا، وهناك تمّ وضع ملفّه على المتابعة، ولكن حتّى الآن لم تتمّ إعادته للحياة، ويطالب بمساعدته في العودة إلى الحياة أو منحه فرص عمل وإعادة اندماج في المجتمع، يقول: “الجميع تحدّث عنّا ويحكي باسمنا لكن من دون فائدة حقيقية لنا رغم أن قضيّتنا دولية”. 

وعن وضعه الحالي كمتوفّى وهو على قيد الحياة، يضيف: “مشكلة النظام الجديد أنهم تركونا أمواتاً على الورق وفي الواقع، أصلاً هذه الدولة لازم تكون متكفّلة بنا”. 

لا أستطيع تسجيل ابنتي في المدرسة!

تتأثّر مصالح الأشخاص المتوفّين على الورق في مناحٍ مختلفة في الحياة، مثل استخراج الأوراق الرسمية وجوازات السفر وعمليّات البيع والشراء والعمل والتعليم وغيرها.

لكنّ انعكاسات هذه المشكلة السلبية لا تقف عند الشخص ذاته، بل تتعدّاها إلى  أفراد عائلته أيضاً، كما جرى مع أنس نزار النحّاس، ابن  محافظة حماة، عندما فشل في تسجيل ابنته في المدرسة، لكونه متوفّى خلال اعتقاله بين عامي 2013 – 2019، وإخلاء سبيله لاحقاً.

عند اعتقاله في عام 2013، تنقّل النحّاس بين فرع الأمن العسكري في حماة، ثم الفرع 215 والفرع 291 في العاصمة دمشق، ليتحوّل بعدها إلى محكمة الميدان العسكرية، بعد اتّهامه بتهم لا يعرف عنها شيئاً مثل جناية التدخّل في ارتكاب أعمال إرهابية، ما عرّضه للضرب والتعذيب خلال التحقيق.

بعد خروجه من السجن في عام 2019، لم يدخل النحّاس إلى دائرة حكومية، وحاول تجنّب الخروج من المنزل وإظهار نفسه، ولا سيّما مع خوفه من الملاحقات الأمنية وعدم قدرته على السفر. وفي عام 2025 وحينما احتاج تسجيل ابنته في المدرسة بعد سقوط نظام الأسد، اكتشف أنه متوفّى في القيود المدنية “النفوس”، بعد أن طلبت منه المدرسة “إخراج قيد فردي” لإتمام إجراءات التسجيل.

شهادة بيان وفاة أنس النحّاس تُظهر وفاته بتاريخ 4 آذار/ مارس 2014 – سراج

حاول النحّاس عبثاً سؤال عدد من المحامين لمساعدته في إجراءات “العودة إلى الحياة” في السجلّات الرسمية، لكنّ المحامين طلبوا “أرقاماً كبيرة” كما يصفها، بدأت من 2 مليون ليرة سورية. يقول “لا يملك كل الناس المال لإصلاح وضعهم. أقلّ تكلفة طلبها المحامي هي مليونا  ليرة، وأنا ما معي أدفع هذه التكاليف”. 

تواصل النحّاس مع “رابطة معتقلي الثورة السورية”، وأخبروه بدورهم بأنهم سوف يساعدونه في حلّ الأمر، وطلبوا منه السفر إلى دمشق من أجل حضور اجتماع يتعلّق بقضيّته، وحضر الاجتماع فعلاً ولكنّ قضيّته لم تُحلّ.

تخفيف ضغط؟

وثّقت “رابطة معتقلي الثورة السورية” التي تأسّست بعد سقوط الأسد، 17 حالة راجعت الرابطة ممّن تمّت توفيتهم على الورق.

وترى مديرة مكتب المفقودين في “رابطة معتقلي الثورة السورية” غنى الكردي أن النظام كان يعتمد هذه الآليّة للتخفيف على نفسه من عبء أسئلة الأهالي الذين كانوا يواصلون البحث عن أولادهم في الشرطة العسكرية وغيرها من الفروع، وما حدث أنه تمّ إبلاغ بعض الأهالي بأن يقوموا بتوفية أولادهم لتخفيف هذا الضغط. لكنّها تجد في المقابل أن لكل حالة خصوصية، فالبعض منهم كان محكوماً بالإعدام والبعض الآخر لم يذهب إلى المحكمة أصلاً ولا يعرف ما حكمه بالضبط.

ودعت الكردي الأهالي إلى عدم توفية المفقودين، فمن وجهة نظرها أن كل شيء يجب أن يأخذ مسمّاه الصحيح؛ فالمفقودن مفقودون وليسوا متوفّين حتى تثبت وفاتهم، وتذكر قصّة معتقل ظهر بعد التحرير في شوارع حلب فاقداً للذاكرة ولم يتعرّف على عائلته إلّا بعد قرابة سنة.

عوائق العودة إلى الحياة

في ما يخصّ عوائق عودة من تمّت توفيتهم إلى الحياة، ترى الكردي أن العائق الأوّل هو المادّة؛ لأن قضيّة إعادتهم إلى الحياة تحتاج إلى دعوى مطوّلة، بالمقابل هناك ضعف استجابة من قِبل بعض الجهات الحكومية التي يفترض أن تقدّم تسهيلات لهم، لافتةً إلى أن هذه الحالات إنسانية بالمقام الأوّل، لذلك يفترض أن يحظى هؤلاء المعتقلون بتعاون وعناية للعودة إلى الحياة.

لكنّها أشارت إلى أنه ربما بسبب قلّة عدد الحالات الموثّقة في هذا المجال، لا يجعلها أولوية بالنسبة إلى الجهات الحكومية، بما فيها نقابة المحامين التي تعدّ جهة مسؤولة مباشرةً إضافة إلى وزارة الداخلية.

وعلى الرغم من أن التكاليف قد لا تكون باهظة، غير أنها تبقى كذلك بالنسبة إلى حال أغلبية المعتقلين الذين ليس لديهم ثبوتيات أنهم على قيد الحياة، ولا سيّما أن الكثير منهم ما زالت عمليّة اندماجهم في الحياة اليومية وعودتهم إلى العمل مرهونة باستخراج وثائق لهم، هذا إضافة إلى المشكلات الصحّية التي رافقت غالبيتهم بسبب ظروف الاعتقال السيّئة.

يقول المحامي غزوان قرنفل: “ما يجب فعله في هذه الحالة هو اللجوء الى القضاء بدعوى تصحيح محتوى القيد المدني وطلب إلغاء واقعة الوفاة فيه”.

بعد ذلك، تُقام الدعوى في محكمة الصلح، لأنه لا يجوز تعديل أو تصحيح قيود الأحوال المدنية إلّا بموجب حكم قضائي مبرم أو مكتسب الدرجة القطعية، سنداً لأحكام المادّة 44 من قانون الأحوال المدنية رقم 13 للعام 2021 .

ولكنّ قرنفل يشير إلى أن هذه الدعوة يحتاج فيها المدّعي إلى بعض الأوراق والوثائق ضمن ملفّ دعواه وهي (البطاقة الشخصية أو جواز السفر إن وجد + نسخة حديثة من إخراج القيد المدني الفردي + وثيقة أو محضر إطلاق سراحه من السجن إن وجدت + أسماء شاهدين أو اكثر يدعمان الدعوى + أي بصمات يمكن أن تربط الشخص بهويّته المدنية).

ويقدّر قرنفل أن تستغرق هذه الدعوة لنحو عام واحد، لافتاً إلى أن القانون النافذ الذي ينظّم هذا الأمر هو قانون الأحوال المدنية رقم 13 لعام 2021، إضافةً إلى تعميم وزارة العدل رقم 11 الصادر في عام 2026، الذي يُجيز إقامة دعوى “تصحيح قيد مدني” أمام محكمة الصلح المدنية في المنطقة التي يوجد فيها القيد الأصلي لصاحب التصحيح أو التعديل.

تعميم صادر عن وزارة العدل يُجيز إقامة دعوى تصحيح قيد مدني أمام محكمة الصلح المدنية – وزارة العدل السورية

 ويقترح قرنفل في ما يخصّ تكاليف هذه الدعوى، أن تُصدر وزارة العدل تعميماً يُعفي هذا النوع من الدعاوى من كل أشكال الرسوم والطوابع وغيرها، وأن تعمّم نقابة المحامين المركزية على كافّة الفروع في المحافظات بأن تكلّف محامين ليكونوا وكلاء بالمجّان للمدّعين بتلك الدعاوى وتُعفى رسوم الوكالة كلياً أيضاً.

ويرى المحامي في نقابة محامي دمشق فوّاز الخوجة أن “توصيف المفقودين أمام القضاء، يعتمد على العودة إلى السجلّات، ففي حال كانوا متوفّين في السجلّات فهم متوفّون، أمّا إذا كانوا متوفّين وأحياء في الواقع، فهنا يوجد إشكال، ويجب البدء بإجراءات لإعادتهم إلى الحياة على الورق”.

ويقول الخوجة: “بالنسبة إلى المفقودين الذين لا يُعرف شيئاً عن مصيرهم، ومنهم من فُقد منذ عامين أو ثلاثة أو أربعة، ففي حالات الحرب أعطى القانون فترة زمنية لاستقرار الحياة والمعاملات تُقدّر بأربع سنوات، وبعد هذه الفترة يتمّ تنظيم ضبط ويُبنى على شهود يؤكّدون أن الشخص كان موجوداً وفُقد ولم يعد حتى الآن”.

ويضيف “أما إذا فُقد شخص في فترة السلم، فيحدّد القانون مدّة الحياة الطبيعية للإنسان، ومدّة الحياة الطبيعية ما بين السبعين إلى الثمانين عاماً، وبعد مرور هذه الفترة من العمل، يتمّ التقدّم بطلب لاعتباره متوفّى وتنتقل أملاكه وحقوقه إلى الورثة”.

وبحسب الخوجة فإن الدولة لا تتدخّل إطلاقاً في توفية المفقودين، لافتاً إلى أن هذا الموضوع يرتبط بأهل المفقود، فهم يختارون توفية المفقود من عدمها، وهناك من يذهب إلى توفية المفقود وهناك من يرفض، وهذا الإشكال من حيث النتيجة يرجع إلى القضاء، الذي يقرّر في حال كانت أسباب الوفاة موجودة، أو يرفض التوفية في حال لم تتوفّر أسباب الوفاة.

وجدت نفسي متوفّى على الإنترنت

بعض عمليّات التوفية كانت لا تصل إلى النفوس، والبعض الآخر منها كان في طريقه إلى النفوس قبل أن يسقط النظام. أجرت “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” مقابلات مع معتقلين وردت أسماؤهم كمتوفّين في قوائم السجون، ولكنّ واقعة الوفاة لم تصل إلى القيود المدنية بعد، وأكثر ما يخيفهم اليوم هو أن يتمّ الاستناد إلى سجلّات السجون وتسجيل قيودهم رسمياً كمتوفّين.

يحمل المعتقل السابق محمّد وليد كمال فتّة هذه الهواجس ويتحدّث عنها، ولا سيّما أنه اعتُقل ثلاث مرّات في عهد نظام الأسد، وخرج للمرّة الأخيرة قبل فرار الأسد بـ 20 يوماً، ليجد نفسه متوفّى على الإنترنت عن طريق المصادفة.

الاعتقال الأوّل كان في بداية الثورة السورية في عام 2011، واستمرّ لغاية العام 2021 بتهمة “الإرهاب”، ليُعاد اعتقاله مرّة ثانية لكن هذه المرّة بتهمة “الفرار من الجيش” في عام 2022 وحتى العام 2023، وبعد خروجه من السجن للمرّة الثانية، التحق بالخدمة العسكرية لمدّة أسبوع واحد فقط، ثم فرّ مجدّداً من الجيش ليُعاد اعتقاله للمرّة الثالثة. وخرج من السجن للمرّة الأخيرة قبل سقوط نظام الأسد بـ 20 يوماً.

صورة قرار الحكم الأوّل على محمّد كمال وليد فتّة بتهمة “القيام بأعمال إرهابية تُفضي إلى موت إنسان” – سراج

ولم تقتصر معاناة فتّة بعد خروجه من السجن، على أنه وجد منزله في داريا مدمّراً وعائلته قد فارقت الحياة  خلال اعتقاله، بل وجد اسمه أيضاً في قوائم أسماء المعتقلين التي نُشرت على نطاق واسع بعد سقوط الأسد، وكان من بين المتوفّين.

قوائم معتقلين متوفّين نُشرت على الانترنت يظهر فيها محمّد كمال وليد فتّة كمتوفّى – سراج

عندما جرّب فتّة البحث عن أسماء رفاقه المعتقلين الذين كانوا معه في السجن، وجد أسماء العديد منهم كمتوفّين، رغم أنهم على قيد الحياة، يقول “أخشى أن تعتمد الحكومة على هذه القوائم وتباشر بإصدار شهادات وفاة لنا من دون علمنا!”.

لم يتوقّف “عبث” التوفية هنا، بل وصل الأمر إلى توفية معتقلين على الورق، ثم حضروا جلسات محاكمة بعد أكثر من عام من توفيتهم. في عام 2013 اعتقلت قوّات النظام محمّد عبد الكريم المصري من جبال عرسال وبقي حتى العام 2017 في صيدنايا من دون خبر واحد عنه.

راجعت زوجته فاطمة عبد المولى المصري الفروع الأمنية، وتعرّضت للتحقيق والمساءلة بسبب بحثها عن زوجها. وفي 14 شباط/ فبراير 2018 أدرج النظام اسم زوجها في قوائم الموتى في السجلّات المدنية، واستخرجت بياناً عائلياً آنذاك و”علمت بأنها أرملة”.

ولكن بعد التحرير، وجدت السيّدة فاطمة في الوثائق التي كانت مبعثرة في سجن صيدنايا العسكري بعد التحرير، أن زوجها تمّ تحويله إلى محكمة الإرهاب، بتاريخ 29 أيلول/ سبتمبر 2019 وكانت لديه جلسة في المحكمة للمثول أمام القاضي، أي أنه حضر جلسة في المحكمة بعد تاريخ توفيته بأكثر من عام ونصف.

حلول غائبة

المحامي ميشال شمّاس قال لـ”سراج”: “إن حالة من تمّت توفيتهم في المعتقلات وهم على قيد الحياة لا ينبغي أن تُعامل على أنها خطأ عادي في السجلّ المدني، لأن هذه الحالة لا تكمن في إعادة شخص إلى الحياة قانونياً، إنما في إزالة واقعة وفاة غير صحيحة وتصحيح القيد المدني بما يتطابق مع الحقيقة”.

وأضاف “إن تحميل المعتقل السابق عبء إثبات أنه كان حيّاً خلال الفترة التي سُجّل فيها متوفّى أمر غير منطقي، ولا سيّما أن تسجيل الوفاة لم يكن بفعله إنما تمّ من قبل أجهزة النظام السابق. فالشخص موجود ويمكن التحقّق من هويّته، وهو يطلب ببساطة تصحيح قيده المدني وإلغاء واقعة الوفاة المسجّلة بحقّه”.

وعلى الرغم من أن هناك مساراً قانونياً لتصحيح قيود الأحوال المدنية، وقد يضطرّ الشخص في بعض الحالات إلى اللجوء إلى القضاء إذا لم تستطع الإدارة تصحيح القيد مباشرة، لكن برأي شمّاس، ينبغي التمييز بين ما يقتضيه القانون في الظروف العادية، وبين ما ينبغي أن يكون عليه التعامل مع حالة استثنائية نشأت نتيجة ممارسات أجهزة النظام السابق بحقّ المعتقلين. 

ومن هذا المنطلق، يرى شمّاس أن معالجة هذه الحالات لا ينبغي أن تترك للمعتقل السابق لكي يبدأ رحلة طويلة بين دوائر النفوس والمحاكم، إنما تحتاج إلى آليّة خاصّة وسريعة في إطار المرحلة الانتقالية.

من الاقتراحات التي يضعها شمّاس، أن تقوم وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة المرتبطة بالأحوال المدنية، بإصدار تعليمات واضحة إلى دوائر الأحوال المدنية حول كيفية التعامل مع هذه الحالات. 

وإذا كانت الإجراءات المطلوبة تتجاوز صلاحيات الوزارة أو تتعارض مع أحكام قانون الأحوال المدنية، فينبغي أن يصدر تشريع خاصّ من السلطة التشريعية يضع آليّة استثنائية لتصحيح هذه القيود. كما يمكن أن يكون لهيئة العدالة الانتقالية دوراً أساسياً في هذا الملفّ، باعتبارها الجهة التي توثّق الانتهاك وتتحقّق من الحالات المرتبطة بالاعتقال والإخفاء القسري وممارسات النظام السابق. ويمكن أن يتمّ التنسيق بينها وبين وزارة الداخلية ووزارة العدل لإنشاء آليّة موحّدة لمعالجة هذه الحالات، بحسب شمّاس.

لكنّ السيناريو الأفضل برأي شمّاس، أن  يكون هناك قرار أو تشريع خاصّ ينصّ على أن المعتقل السابق الذي يثبت شخصيّته ويظهر حيّاً أمام الجهات الرسمية يستطيع طلب تصحيح قيده، وأن تتولّى الدولة التحقّق من سبب تسجيل واقعة الوفاة وكيفية حدوثها، من دون أن يُطلب من الضحيّة أن يقدّم بنفسه سلسلة من الوثائق لإثبات أنه لم يمت.

كما ينبغي ألّا يؤدّي تصحيح القيد إلى محو الأدلّة المتعلّقة بالجريمة الأصلية. فإذا كان النظام السابق قد سجّل شخصاً حيّاً على أنه متوفّى، فيجب الاحتفاظ بالوثائق والسجلّات التي أدّت إلى تسجيل الوفاة، لأنها قد تشكّل دليلاً مهمّاً في التحقيق في مصير المعتقلين وفي تحديد المسؤولية عن هذه الممارسات. إضافة إلى دور الحكومة في التحقيق بالجهة التي سجّلته متوفّى.

لم تردّ الهيئة الوطنية للمفقودين على أسئلتنا بعد محاولة التواصل معها عن طريق البريد الألكتروني.


  • أسهمت في إعداد هذا التحقيق: لينا المصري
  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد

اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات