في آب/أغسطس 2025، مُنح رجل أعمال سوري ترخيصاً رسمياً لمزاولة تصنيع الأدوية البشرية، وفق سجلات غرفة صناعة دمشق وريفها.
خطوة تبدو اعتيادية في قطاع يُفترض أنه يخضع لرقابة صارمة، لولا أن اسم رجل الأعمال المقصود لم يرد في وثائق تحقيقات سابقة صادرة عن إدارة مكافحة المخدرات العام 2017، تتعلق بقضية تشمل سحب مواد دوائية حساسة وبيعها خارج الأطر القانونية، وهي مواد تُستخدم في تصنيع مخدر الأمفيتامين، والمعروف في سوريا والشرق الأوسط باسم “الكبتاغون”.

عبوات من بين 160 برميلاً و1280 قارورة تحتوي مواد أولية تستخدم في تصنيع المخدرات جرى ضبطها في مستودع خلال عملية أمنية نفذتها إدارة مكافحة المخدرات، مع توقيف عدد من المتورطين، بتاريخ 6 آيار/ مايو 2026
اطّلع فريق التحقيق على محضر التحقيق المؤرخ بتاريخ 21 كانون الأول/ديسمبر 2017 والصادر عن إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية السورية، ويشير إلى تورط شبكة داخل منشأة دوائية في التعامل مع مادة البسودوإيفيدرين. وهي مادة طبية مشروعة، لكنها تُعد أيضاً مكوناً رئيسياً في تصنيع الحبوب المخدرة.
لكن كيف يمكن لرجل الأعمال غيث نور الدين الأنصاري الذي ورد اسمه في تحقيقات سابقة، أن يعود إلى نفس القطاع، ويحصل على ترخيص جديد لمزاولة نشاطه؟
تزوير على الورق… واختفاء في الواقع
بحسب الوثائق التي اطلعت عليها الوحدة السورية للصحافة الإستقصائية “سراج”، بمشاركة صحيفة زمان الوصل، لم تكن العملية مجرد تسريب محدود لمادة البسودوإيفيدرين، بل اعتمدت على نظام متكامل لإخفاء النقص في المواد الأولية في المعمل الذي يملكه الأنصاري في قرية العادلية بريف دمشق، معمل القنواتي للمستحضرات الطبية.

تبعد قرية العادلية في ريف دمشق حوالي 15 كيلومتراً عن مطار دمشق الدولي – Google Earth
تُظهر الإفادات أن كميات من المواد الخاضعة للرقابة كانت تُسحب من خطوط الإنتاج، ليتم بيعها لاحقاً خارج الأطر القانونية، بينما تُغطّى هذه الفجوة عبر إعداد كشوفات إنتاج وهمية تُظهر استهلاكاً طبيعياً للمادة داخل المعمل.

أحد أفراد وزارة الداخلية السوري يقف قريباً من محتويات المستودع الذي تمت مداهمته لاحتوائه كميات كبيرة من المواد الأولية المستخدمة في تصنيع المخدرات، بتاريخ 6 أيار/ مايو 2026
وفي بعض الحالات، لجأت الشبكة بحسب الضبط إلى إعادة تدوير أدوية جاهزة من خلال طحنها وإعادة كبسها لتبدو كمنتج جديد، في محاولة لسد العجز في السجلات الرسمية.
بحسب محضر التحقيق، “قام عمال الشركة، بعلم المدراء، بسحب كميات من المواد الأولية والتصرف بها خارج السياق الإنتاجي”.
ويضيف المحضر أن “المواد المضبوطة صودرت ونُظّم بها محضر وفق الأصول”.
وكان تحقيق سابق ل“سراج” كشف عن مسارات إدخال المواد الأولية المستخدمة في تصنيع الكبتاغون إلى داخل سوريا، عبر شبكات مرتبطة بقطاع الأدوية.
وأظهر ذاك التحقيق كيف استُخدمت مستودعات دوائية ومصانع أدوية كغطاء لتمرير مواد كيميائية حساسة، من بينها مركبات تدخل في تصنيع الحبوب المخدرة، قبل إعادة توجيهها إلى معامل إنتاج الكبتاغون في عهد نظام الأسد البائد.
وتقاطع هذه المعطيات مع ما تكشفه الوثائق الحالية، والتي تشير إلى استخدام آليات مشابهة تقوم على استغلال القطاع الدوائي، سواء عبر الفواتير أو المستودعات، لإخفاء حركة المواد الأولية خارج الأطر القانونية.

صورة من محاضر الضبط الرسمية لإدارة مكافحة المخدرات، تشير إلى مصادرة مواد كيميائية تُستخدم في تصنيع الحبوب المخدرة، بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر /2017، “سراج” و”زمان الوصل”
في ربيع عام 2024، قدّر تقرير صادر عن البنك الدولي أن سوق الكبتاغون في سوريا تدرّ ما بين 1.9 و5.6 مليار دولار سنوياً. وهي قيمة تقترب من إجمالي الناتج المحلي لسوريا عام 2023.

صورة لبطاقة الترخيص التي حصل عليها غيث نور الدين الأنصاري لمزاولة تصنيع الأدوية البشرية، صادرة عن غرفة صناعة دمشق وريفها، “سراج” و”زمان الوصل”
وأوضح التقرير أن “جهات مرتبطة بسوريا” حققت أرباحاً من تجارة الكبتاغون في سوريا عبر مراحل متعددة من سلسلة الإنتاج والتوزيع، إذ تُقدَّر عائداتها السنوية بما يتراوح 506 مليار دولار.
فواتير بلا بضائع… ومستودعات على الورق
تكشف وثائق ضبوطات وزارة الداخلية لعام 2017 أيضاً عن دور مستودعات دوائية في عدة محافظات سورية، من بينها دمشق وحلب وطرطوس، حيث تم إصدار فواتير تسليم دون وجود فعلي للمواد.
هذه الفواتير، وفقاً للإفادات، استُخدمت لإضفاء طابع قانوني على حركة مواد لم تصل فعلياً إلى وجهتها، ما يشير إلى وجود شبكة توزيع أوسع من مجرد معمل واحد.
وتشير بعض الإفادات إلى أن جزءاً من المواد الأولية لم يكن يُستخدم داخل المنشآت الدوائية أصلاً، بل يُخزَّن في مواقع غير مرخصة، من بينها مزارع ومبانٍ خارج نطاق الرقابة الصحية.
لم ترد غرفة صناعة دمشق وريفها التي منحت غيث الأنصاري الترخيص لمزاولة المهنة على طلبات التعليق، كما لم يرد الأنصاري على طلب “سراج” التعليق عن القضية.
وعقب اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، ومواجهتها بالعنف من النظام السوري السابق، فرض الاتحاد الأوروبي على سوريا مجموعة من العقوبات شملت 23 قطاعاً.
وعلى رغم حظر بيع المنتجات المرتبطة بصناعة النفط والكهرباء، وبعض الصناعات الأخرى التي كان يمكن للنظام السابق استخدامها في قمع المدنيين، ظلت بعض المواد الأولية المُستخدمة في صناعة الكبتاغون بمنأى عن العقوبات. ويُعزى ذلك جزئياً إلى أنها تُستخدم أيضاً في صناعة الأدوية.وقدّر بيان صادر عن الحكومة البريطانية، عام 2023، أن 80 في المئة من كمية الكبتاغون المُنتجة في العالم كانت تصنع في سوريا. كما قدر خبراء مستقلون حجم تجارة الكبتاغون في سوريا بنحو 5.7 مليار مليار دولار.


صورة من محاضر الضبط الرسمية لإدارة مكافحة المخدرات، تشير إلى مصادرةتتضمن مواد كيميائية تُستخدم في تصنيع الحبوب المخدرة، 31 ديسمبر / كانو الأول 2017، “سراج” و”زمان الوصل”
ويشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) إلى أن إنتاج الكبتاغون في سوريا كان قبل عام يصل إلى ملايين الحبوب يومياً، ما يعني أن المخزونات المتراكمة قادرة على تغذية السوق لسنوات حتى مع تفكيك بعض المنشآت.
ووفقاً لموجز بحثي صدر عن “المكتب” في كانون الأول/ديسمبر 2025، تمكنت السلطات السورية من تفكيك 15 مختبراً صناعياً و13 موقع تخزين، بالتوازي مع مصادرات قياسية بلغت 177 مليون قرص (نحو 30 طناً) في المنطقة منذ أواخر 2024.

مستودع تم ضبطه بعد سقوط نظام الأسد البائد في مدينة دوما يحتوي مواد كيميائية تُستخدم في تصنيع المخدرات، التاريخ ديسمبر/ كانون الأول 2024، “سراج”
قال مدير العمليات في “المكتب”، بو ماتياسن: “هذا يدل على أن الإرادة السياسية والتعاون الدولي قادران على تفكيك حتى أكثر الاقتصادات الإجرامية غير المشروعة تعقيداً”.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الداخلية السورية في 6 أيار/ مايو عن تنفيذ عملية أمنية استهدفت مستودعاً يحتوي على كميات كبيرة من المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في تصنيع المواد المخدرة.
ووفق بيان رسمي، أسفرت العملية عن ضبط 160 برميلاً بوزن إجمالي يقارب 15,840 طناً، إضافة إلى 320 صندوقاً تضم 1,280 قارورة تحتوي على مواد سائلة يُشتبه باستخدامها في عمليات التصنيع.
كما تم توقيف عدد من المشتبه بتورطهم في إدارة المستودع، في وقت تؤكد فيه السلطات استمرار حملاتها لملاحقة شبكات الاتجار بالمخدرات.

اثنين من أفراد وزارة الداخلية السورية يقفان أمام براميل تضم مواد أولية تستخدم في صناعة المخدرات جرى ضبطها في مستودع في ريف دمشق 6 أيار/ مايو 2026
ورغم هذا التراجع الظاهري في الإنتاج، تسلّط هذه العملية الضوء مجدداً على حجم انتشار المواد الأولية المرتبطة بصناعة الكبتاغون، وتعيد طرح تساؤلات حول مسارات دخولها وتخزينها، وإمكانية تسربها من قنوات مرتبطة بقطاع الأدوية أو عبر شبكات توزيع موازية خارج الرقابة الرسمية.
التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
ورد إلى موقع ”زمان الوصل“ رد من رجل الأعمال غيث الأنصاري، على خلفية ما ورد في التحقيق المنشور بعنوان: “رجل أعمال ورد اسمه في تحقيقات حول صناعة حبوب الكبتاغون يعود للعمل في صناعة الأدوية”، والمنشور بالشراكة بين وحدة “سراج” وموقع “زمان الوصل”.
وتنشر “سراج” الرد كما ورد دون تعديل.
رجل أعمال يرد على تقرير لزمان الوصل.. النظام البائد ابتزني وورطني
زمان الوصل
كشف الصناعي غيث الأنصاري، صاحب أحد معامل الأدوية في حلب، عن تفاصيل عمليات ابتزاز ممنهجة تعرض لها منذ عام 2017، انتهت بتوقف منشأته عن العمل وتلفيق تهم جنائية بحقه وحق موظفيه، ردا على مادة نشرتها زمان الوصل، مؤكدا أن النظام البائد لفقها له.
بدأت فصول القضية عقب شراء الأنصاري لمعمل “عبد الوهاب قنواتي” في حلب عام 2016، والذي كان يضم ضمن مخزونه مادة “البسودوافدرين” المستوردة بموجب إجازات نظامية. وأكد الأنصاري أن الأفرع الأمنية مارست ضغوطاً متواصلة للاستيلاء على المادة لاستخدامها في تصنيع الممنوعات، وهو ما جوبه بالرفض المتكرر، مما أدى لإيقاف المعمل عدة مرات.
محطات الابتزاز الأمني:
- داهمت قوة أمنية المعمل عام 2017 بعد يومين من قيام عناصر مجهولين يستقلون “فان” بسحب 25 كيلوغراماً من المادة تحت التهديد.
- احتجز النظام البائد موظفي المعمل لمدة 5 أشهر، رغم تقديم كافة الوثائق القانونية التي تثبت شرعية وجود المواد وتخزينها.
- توقف المعمل بشكل كامل منذ عام 2019 نتيجة استمرار التهديدات المباشرة والمطالبات المالية التعجيزية من قادة الأجهزة الأمنية.
وتساءل الأنصاري عن المنطق وراء اتهامه ببيع كميات بسيطة لا تتجاوز قيمتها 5000 دولار مقابل تدمير استثمار صناعي ضخم، مشيراً إلى أن “تجارة الممنوعات” كانت محمية ومحصنة بحراسات ومرافقات أمنية لمن يرضخ لمطالب المتنفذين.