مع إشراقة كل صباح، يذهب الصياد طه المحمد إلى شباك الصيد التي نصبها غرب مدينة سلقين بمحافظة إدلب، على مقربة من الحدود السورية التركية، ليحصي ما علق بها من طيور السمان العابرة باتجاه سوريا خلال رحلة هجرتها السنوية.
مع حلول فصل الخريف من كل عام، يرمم المحمد شباكه ويزودها بقضبان حديدية قادرة على تحمل الظروف الجوية القاسية لتحصد أكبر عدد من طائر السمان، والذي أصبح صيده مهنة رائجة خلال السنوات الخمس الماضية، نتيجة ارتفاع وتيرة النزوح باتجاه الشمال السوري وبالتحديد إلى إدلب، وارتفاع مستوى البطالة في الشمال السوري على إثر ذلك، بعد أن كان صيد هذا الطائر مجرّد هواية لبعض الشبّان.

طه المحمد يتفقد الشباك التي نصبها بالقرب من مدينة سلقين لصيد طائر السمان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 – سراج
خلال نصبه للشباك الممتدة على طول 400 متر، يقول المحمد الذي يعيش في منزلٍ آيلٍ للسقوط بعد نزوحه من مدينة أريحا: “قبل ثلاث سنوات لم أكن أفكّر أن أعمل في صيد الطيور. لكن بعد تهجيرنا القسري من جنوب إدلب في عام 2020 وما نتج عنه من خسارة، بدأت أبحث عن عمل يؤمّن لأطفالي البالغ عددهم ستة، لقمة العيش. ومنذ عام 2022،عملت بمهنة صيد الطيور مع 14 شابًا نازحًا مثلي من مناطق متعددة، جميعنا دفعتنا الحاجة لاصطياد طائر السمان وبيعه”.
يوثق هذا التحقيق عمليات صيد غير مشروعة تستهدف طائر السمان، باستخدام طرق غير اعتيادية في الصيد، أبرزها الشباك ومكبّرات الصوت، التي تعزف صوت الطائر والدبق (اللاصق الذي يوضع على الأشجار).
تقول ربى العلي، الدكتورة في قسم العلوم الطبيعية في الجامعة العربية في بيروت: “إن طائر السمان يمكنه حمل بذور الأشجار من غابات بعيدة في أمعائه وطرحها في غابات أخرى، من خلال برازه، مما يكسبه دور عامل التشجير خلال رحلة هجرته”.
تعتبر منظمة “حياة الطيور في أوروبا ووسط آسيا” (BirdLife Europe & Central Asia) هذه الفخاخ من أسوأ الأشياء التي يمكن أن يواجهها السمان خلال طريق هجرته السنوية، لكونها فخاخًا عشوائية وتتخّلص من أعداد كبيرة من هذا الطائر بسرعة.
ومنذ عام 2019، أصبح صيد طائر السمان مهنة لأشخاص لم يعملوا بهذا المجال من قبل، مما أدّى لتناقص أعداد هذا الطائر بشكل متسارع في سوريا أثناء مروره بالمنطقة بين شهري أيلول/سبتمبر وكانون الثاني/يناير من كل عام.

طائر السمان – سراج
ويُعتبر المرور فوق سوريا من أخطر الأماكن على طائر السمان خلال رحلة هجرته، فبحسب تقرير صادر في أيار/ مايو 2025 عن منظمة “BirdLife International” المتخصّصة في الحفاظ على الطيور، فإن سوريا تحتل مرتبة متقدمة ضمن قائمة الدول العشر الأكثر خطورة على الطيور المهاجرة في حوض البحر المتوسط. وعلى الرغم من الجهود الدولية، تظل سوريا منطقة “استنزاف كبرى” للأنواع المهاجرة، حيث يُقدر عدد الطيور التي تُقتل أو تُؤخذ بشكل غير قانوني بنحو 3.9 مليون طائر سنويًا، وهو رقم لم يشهد تراجعًا ملحوظًا منذ التقييمات السابقة بسبب استمرار غياب السلطة القانونية الفعالة في مناطق الصيد الرئيسية.
يشير التقرير إلى أن استخدام “أجهزة النداء الإلكترونية” التي تحاكي أصوات الطيور، جنبًا إلى جنب مع الشباك الضبابية (Mist Nets) الممتدة لمسافات طويلة، أدى إلى تحويل مسارات الهجرة الطبيعية إلى فخاخ مميتة، وهذا يهدد التوازن الحيوي لهذا النوع على طول مسار الهجرة الأفريقي-الأوروبي الآسيوي.
وبحسب منظمة “”حياة الطيور” المعنية بالحفاظ على الطيور والتنوع البيولوجي، كانت سوريا في عام 2019 من بين أسوأ 20 موقعًا للقتل غير القانوني لهذا الطائر، إلى جانب مصر ولبنان وقبرص، حيث يُباد نحو 14 مليون طائر في هذه الدول الأربع ويُقدّر أن سوريا تصيد ما بين 3 – 5 ملايين من هذا الطائر سنويًا، وغالبًا ما يتم تناولها كطعام في السوق السوداء.
وفي سوريا أيضاً، هناك أطر تنظيمية وقانونية لصيد السمان. إذ “يسمح بصيد 25 طائرًا في رحلة الصيد الواحدة بموجب القرار رقم 109/ت تاريخ 18/9/2024، وكذلك يسمح بتربيته وإكثاره في مزارع مخصصة للصيد ترخص أصولًا وفق القانون رقم 14 لعام 2023، حيث يعتبر من الطيور المستنزفة، وذلك نظراً لصيده بكميات كبيرة، وبشكل عشوائي”.
هناك أنواع معينة من السمان، مثل “السمان المقنع” (Masked Bobwhite)، تعتبر مهددة بالانقراض وتتطلب حماية خاصة.
جولة مع الصيادين
في موسمي الصيد في عام 2024 و2025، رافق معدّ التحقيق مجموعاتٍ مختلفة من الصيادين في عدّة مناطق من ريف إدلب، وهي أولى المناطق التي انتشر فيها الصيد العشوائي للطائر على نطاقٍ واسع.
في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، رافق معد التحقيق مجموعة مؤلفة من 6 صيادين بالقرب من مدينة سلقين. انطلق الصيادون في الرابعة والنصف فجرًا على دراجات نارية باتجاه شباك صيد تم نصبها منذ مطلع الشهر ذاته.
كان الصيادون يذهبون لجني ما علقَ بالشباك. وعند الوصول إلى نقطة الصيد التي كانت قرب الحدود السورية – التركية، كان هناك أكثر من 400 متر من الشباك متفرقة، ارتفاعها يزيد عن 3 أمتار، تحوي العشرات من طائر السمان وطيور أخرى، بعضها فارق الحياة والبعض الآخر مصاب بجروح بالغة. وكان عدد آلات التسجيل والمكبرات الصوتية لطائر السمان، 18 آلة جميعها تطلق صوت طائر السمان بموجات مرتفعة.
أثناء جمع الطيور التي وقعت في الشباك، أخبرنا أحد الصيادين أن عملهم هذا لا يمنعهم من مزاولة أعمال أخرى لأنهم يتفحصون الشباك كل مساء، للتأكد من سلامتها ومع ساعات الصباح الأولى يجنون ما علق بها ثم يعودون لمنازلهم.
بعد عودتهم، اتصل الصيادون بموزعين يوردون لهم لحوم هذه الطيور، واتفقوا على السعر والكمية وموعد التسليم.
في جولة أخرى رفقة صيادين بالقرب من مدينة عفرين في ريف حلب الغربي في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، شاهد معد التحقيق،مع حلول الساعة الرابعة فجرًا، أسراب طيور السمان تعبر في السماء من الشمال باتجاه الجنوب، وكانت أصوات الطيور العالقةبالشباك واضحة ومسموعة بشكل جلي. ولأكثر من ساعتين بقيت الطيور ملتصقة،وأصوات بعضها مسموع والأخر قد كتم للتو، ما يعني أنها فارقت الحياة.
انتظر الصيادون حتى بزوغ الشمس وتوجهوا إلى الشباك المنصوبة وسط البساتين الزراعية هناك ليتقاسموا ما علق بالشباك من طائر السمان، والتخلص من الطيور غير الصالحة للبيع.
في كلتا الرحلتين لم يكن الصيادون يحملون بنادق صيد، حيث اقتصرت معداتهم على “الكاماشات”، وهو مصطلح محلي لإصلاح الشباك والسكاكين لتخليص الطيور من الشبك والأكياس.

انفوجراف: مسار الهجرة الخريفية لـ طائر السمان – سراج
أجرى معد التحقيق بحثًا ميدانيًا، والتقى مع صيّادين باحثين عن لقمة عيش، إضافةً إلى علماء بيئة وطيور وأصحاب مطاعم ومحلّات بيع اللحوم.
رسمت هذه المصادر المتنوعة، صورةً توضّح إبادةً لهذا الطائر المفيد للتوازن البيئي، حيث انتهى الأمر به كوجبة لحوم رخيصة على الموائد.
يأتي الحديث عن مصير هذا الطائر في بلد بات الحديث فيه عن البيئة والحياة البرّية من الرفاهيات، ففي سوريا يعيش تسعة من كل عشرة أشخاص في فقر ، بحسب تقرير للأمم المتحدة، الذي اعتبر أن الاقتصاد السوري لن يستعيد مستواه قبل الصراع من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2080.
ويحتوي السمان على نسبة عضلية كبيرة، تجعله غنيًا بالبروتين، وثمنه الرخيص جعل طريقه سهلًا إلى الموائد في سوريا ودولٍ أخرى.
وفيما يعتبر “السمان” طائرًا صغيرًا مهاجرًا يتبع فصيلة “التدرجيات”، يتميز بجسم ممتلئ وأجنحة مدببة تساعده على الهجرة لمسافات طويلة، لكونه من الطيور المهاجرة التي تنتقل موسميًا بين أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا وتكون سوريا أحد الممرات التي يحلق فوقها مما يوقعه في شباك صياديها.
حواجز وأصوات مزيّفة
يطير طائر السمّان على ارتفاع منخفض، وهذه نقطة الضعف التي دفعت بالصيادين الباحثين عن لقمة العيش إلى صيده بشكل جائر، عبر وضع “شبك” بين الأشجار، حيث يصطدم فيها الطائر الصغير خلال تحليقه السريع، ليكون صيدًا بيد التجّار الذين يشترونه من الصيادين بحسب الصياد الستيني حاتم الصطيف، الذي يعمل في مهنة صيد الطيور منذ سنوات.
ويضيف الصطيف: “من أجل استدراج طيور السمّان إلى منطقة الشبك، يستعين الصيادون بآلات مكبّرات الصوت تحتوي على صوت طائر السمّان ما يؤدّي إلى اتجاه معظم طيور المنطقة نحو الصوت، ظنًّا منها بوجود تجمّع لأبناء جلدتها، ولكنّها تأتي إلى حتفها”.
بعد نزوحه من محافظة حمص إلى الشمال السوري، وخسارته لعمله في مجال الزراعة، انتقل عبدالغني إسماعيل للعمل في صيد طائر السمان. فهو يحرص كل ليلة وبشكل يومي خلال شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر على تشغيل ثلاثة مكبرات صوت تُصدر صوت طائر السمان، ويضعها مقابل بعضها البعض من أجل خلق أكبر نسبة أصوات تستدرج أسراب طائر السمان.
ويقول: “منذ 4 أعوام أعمل على صيد طائر السمان بواسطة الشباك. بدأت بنصب شبك بطول 10 أمتار وارتفاع ثلاثة أمتار وجهاز مكبر صوت واحد أثناء إقامتي في منطقة عفرين شمال حلب”.
بهذه الطريقة كان يصطاد إسماعيل نحو 25 طائرّا، ويبيع الواحد منها بنصف دولار. لكن بعد عودته إلى منطقة القريتين في حمص، وسّع أدواته وبات لديه شباك طولها 320 مترًا تجني له في الموسم نحو 100 طائر يوميًا.
يبدو أنّ الصيد بدأ في ريف إدلب، ولكنّه امتدَّ إلى مناطق أخرى. ففي ريف اللاذقية المجاور، أصبح صوت مكبرات صوت السمان مزعجًا لأنور حاجوجي، أحد سكان منطقة كسب الجبلية، جراء انتشارها الواسع. ويقول: “خلال الربع الأخير من كل عام ومنذ خمس سنوات باتت أصوات آلات المكبر مزعجة للأهالي، فأينما ذهبت في منطقة كسب تسمع ليلًا الأصوات المرتفعة لآلات الصيادين التي بات ينظر إليها الأهالي كمبعث للفوضى وعدم احترام خصوصية الاخرين”.
يعمل غاندي الشدو بمهنة صيد السمان في مشتى الحلو بمحافظة طرطوس، مستعينًا بستة مكبرات صوت يوزعها بين الأشجار على مسافات متباعدة بعد أن يضع مصائد دبغ (لاصقة) على أغصان الأشجار وينتظر من الساعة 4 صباحًا حتى الساعة الـ 8 ليعمل على جمع ما التصق من طيور السمان بالدبق، ويذهب بها إلى منزله لينظفها مع عائلته ويبيعها لمحلات اللحوم والمطاعم في المحافظة.
مكبرات الصوت المستخدمة للايقاع بطائر السمّان – سراج

إعلانات ترويجية للصيد بـ”الدبغ” في طرطوس من صفحة احد التجار مع اقتراب هجرة طائر السمان ومروره في خريف العام 2025 سوريا – فيسبوك
يجمع الدبغ (مادة لاصقة لصيد الطيور) أكثر ما يجمعه الشبك بحسب غاندي الشدو، لأن طائر السمان يلجأ لأغصان الأشجار، إما بحثًا عن الغذاء أو للراحة والنوم، ويعزز تلك الإرادة صوت مكبر الصوت ما يجعل صيده سهلًا وبكميات كبيرة تصل في منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر إلى 500 طائر يوميًا وتتناقص مع مرور الأيام حتى نهاية موسم الصيد.
لماذا طائر السمان؟
قبل العام 2020، لم يكن طائر السمان يُقدّم في المطاعم أو يُعرض للبيع في المحلات، إذ لا يُعتبر لحم هذا الطائر وجبةً شعبيةً متعارفًا عليها في سوريا، وكان تناوله يقتصر فقط على الصيادين الهواة الذين يستخدمون بندقيات الصيد.
لكن بعد عام 2020، بالتزامن مع بحث الكثيرين عن فرص للخروج من حالة البطالة، وإيجاد مصدر كسب، أصبح مشهد هذا الطائر مألوفًا في المطاعم ومحلات بيع اللحوم والفروج.
يقول الصياد صالح الناعس، من منطقة حارم في إدلب: “بدأت أولى عمليات بيع طائر السمان في مدينة سلقين غرب إدلب في عام 2021 بسعر 0.60$ للطير الواحد، وبكميات قليلة واقتصرت لدى محلات اللحوم. ومع مرور الوقت، بدأ طائر السمان يعرض للبيع مذبوحًا ومنظفًا بسعر 0.40 $ للطير الواحد، وبكميات كبيرة حيث أصبح يُباع في محلات مختلفة مثل مخازن المواد الغذائية ومحلات الفروج وبات هناك تجار يجوبون كامل شمال غرب سوريا”.

من مقابلة معد التحقيق مع صياد طيور السمّان في منطقة حارم غرب إدلب في كانون الأول/ ديسمبر2024
بودكاست مع صالح النعسان صائد طيور السمان في بساتين منطقة حارم في كانون الأول \ ديسمبر2024
منذ نحو 25 عامًا، يعمل عبدالكريم الأحمد في صيد الطيور، ويتحدّث عن ازدياد كبير في أعداد الصيادين مؤخّرًا، رغم أنّهم ليسوا أبناء مهنة، بحثًا عن لقمة عيش.
ويوضّح أن هذا “أدّى إلى تراجع أعداد طائر السمّان بشكلٍ لافت جراء الصيد الجائر” لافتًا إلى أنّه “خارج الموسم يجد هؤلاء الصيادون صعوبةً في البحث عن فرصة عمل أخرى، لأن ما يتم جنيه في الموسم لا يكفي لادخار الأموال بل للمصاريف اليومية”.
صياد الطيور عبد الكريم بكرو متحدثاً لسراج بالقرب من نهر العاصي على الحدود السورية التركية غرب إدلب في تشرين الثاني\نوفمبر2024
في أسواق اللحوم وعلى مواقع التواصل
صرّف الصيادون ما صادوه من طيور “السمان” بكل الطرق المتاحة، بما في ذلك بيعه لمحلّات اللحوم والبقالة، إضافةً إلى عرضه على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد شاهد معد التحقيق لحوم طائر السمان معروضةً في محلات اللحوم، وحتى محلات الغذائيات والبقالة في أسواق اللاذقية وإدلب.
أمّا عن الأسعار، فتفاوتت بين المحافظتين حيث يُعرض من دون ريش ومنظفًا من الأحشاء في سلقين، بسعر يتراوح بين 20-25 ليرة تركية مايعادل 0.40-0.50 دولار، فيما كان الغالب في اللاذقية غير منظف الأحشاء بسعر4000 ليرة سورية ما يعادل 0.30 دولار أمريكي.
ولكن البيع في محلات اللحوم والبقالة لم يكن الوحيد، إذ يستخدم الصيادون وسائل التواصل الاجتماعي لنشر حصيلة صيدهم، والترويج لبيع ما صادوه عبر أسواق الكترونية.



إعلانات على مواقع التواصل الإجتماعي تروّج لبيع لحوم طائر السمان – فيسبوك
صيد عشوائي
يمارس فراس حجوز من مدينة سلقين صيد الطيور بالبندقية منذ 33 عامًا كهواية ورثها عن والده، ويقول: “كنا نعمل على الصيد وقت مبيت الطائر على أغصان الأشجار قبل أن يتم التعدي على الأشجار وقطعها، ليكون هذا أول الأسباب المؤدية إلى قلة أعداد طائر السمان”. لافتًا إلى تدنّي أعداد هذا الطائر بشكلٍ ملحوظ بسبب قطع الأشجار والصيد الجائر.
وأضاف: الصيد بالبندقية لا يؤثر على أعداد الطائر في حين أن الشباك تؤثر بشكل كبير لأن الصيد بالشبك اشتغل فيه الكثير من الناس ولا تسمح أخلاق الصياد الأصلي بنصب الشباك.
بالتزامن مع عمل طه المحمد في صيد السمان بالشباك، يعمل بتجارة شباك الصيد ومستلزماتها، إذ يصل سعر الشبك إلى 10 دولار أمريكي، بطول 5 أمتار وارتفاع 3 أمتار، ويكفي لعامين مع إمكانية ترقيعه بعدها، ويؤكد في حديثه لـ “سراج”: “أبيع ضعف عدد الأشباك كل عام. إذا بعت العام قبل الماضي 100 و بعت العام الماضي 200 بسبب ازدياد الطلب والتنافس بين السكان على الكسب وزيادة عدد الصيادين وتصل نسبة الصيادين الذين يستطيعون شراء الذخيرة للصيد إلى قليلة جدًا، ولا تمثل 20% من عموم صيادي السمان مقارنة بالصيد بالشبك”.
ويضيف “خلال السنوات الخمس الماضية، جاء الطلب على الشبك الهوائي (المستخدم بصيد السمان)، عملت بها وحققت فيها ربحًا وتقنية في التصنيع”.
وفي ذات السياق، يقول تاجر مستلزمات الصيد، مراد الأبطش، في منطقة جسر الشغور: “كل عام منذ 2020، أبيع 250-400 شبك صيد فقط في محافظة إدلب، وهذا العام بعت الكثير في ريف اللاذقية”.
قتل المُشجّر
بعد اصطياد السمان بواسطة الشباك، يعمل الصياد طه المحمد على تنظيف الطائر ونتفه من الريش والأحشاء غير المرغوب فيها لتجهيزه للبيع. وكان يجد في الكثير من الطيور بقايا ثمار تميل إلى الثمار البرية.
بحسب دراسة صادرة عن منصة ScienceDirect التابعة لشركة Elsevier، وهي من أكبر دور النشر العلمية في العالم، فإن الطيور، ومن بينها السمان، تساهم في نشر النباتات عبر نقل البذور داخل الجهاز الهضمي أو على الريش والأقدام. وبعد انتقال الطيور لمسافات بعيدة، تُطرح البذور مع الفضلات في بيئات جديدة، ما يساعد على إنبات النباتات، وتجدد الغطاء النباتي، وزيادة التنوع الحيوي، والتشجير الطبيعي.
وبفضل عادات الأكل الفوضوية التي يتبعها السمان، فإنه يوفر فوائد علاجية للأنظمة البيئية. وباعتبارها حيوانات عشبية في المقام الأول، فإن السمان يأكل البذور والأوراق والتوت والحشرات، وعندما يتبرز، فإنه يساعد في نشر البذور وتوسيع نمو الحياة النباتية.
كما يوفر السمان مصدرًا غذائيًا مهمًا للحياة البرية الأكبر حجمًا، مثل الوشق، داخل سلسلة الغذاء في أنظمتها البيئية، بحسب دراسة لـ openspace Authority.
ويوضح الدكتور المختص بالبيئة صابر رضا أن طائر السمان يمكن أن يساهم في عملية التلقيح بسبب تغذيته على النباتات، وحركته بين المناطق المختلفة. عندما يأكل طائر السمان ثمار النباتات وينقل حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى، يمكنه المساهمة في تلقيح النباتات، وزيادة إنتاجية الثمار إضافة إلى أنه يساعد في تلقيح بعض النباتات بواسطة تعلق حبوب اللقاح بالريش وانتقالها من نبات لآخر”.
وتزداد الحاجة إلى الدور البيئي لطائر السمان في التشجير، أمام الحرائق التي اندلعت الصيف الماضي في سوريا، حيث التهمت حوالي 3٪ من مجمل المساحة الحراجية في سوريا، بحسب تحقيق نشرته “سراج” والتهمت الحرائق آلاف الهكتارات.
وبحسب المهندس الزراعي، أنس أبو طربوش، فإن الغابات السورية قبل احتراقها، كانت تؤمن لطائر السمان مكانًا مثاليًا للتعشيش، واليوم تمثل المساحات المحروقة بيئة مواتية لغذاء السمان على بقايا البذور والثمار في تلك المساحات، ويعطيه فرصة لنشر فضلاته وما تحمله أمعائه من بذور وثمار.
يُعتبر السمان أيضًا، “أحد الطيور المهمة في السلسلة الغذائية ويقع في منتصف الهرم الغذائي، إذ يتغذى على الحبوب وبعض النباتات الصغيرة، ويتم اصطياده من قِبَل الطيور الجارحة والثدييات الجارحة الصغيرة. ولذلك، هو مهم جدًا في السلسلة الغذائية والتوازن الحيوي، فقدانه يخل ويؤثر على كل الجوارح التي تتغذى عليه”، بحسب الدكتور المختص بالبيئة، رضا صابر.
وأوضح صابر، أنه إذا لم يتم ضبط معايير الصيد من نوع الأدوات وتوقيت الصيد خارج فترة التعشيش، فإن هذا الطائر سوف يتأثر في سوريا، داعيًا إلى صدور نشرة سنوية من وزارة البيئة تحدد كل هذه الالتزامات
ضوابط غائبة
قابل معد التحقيق 26 صيادًا من مناطق مختلفة في سوريا، طالب 17 صياد منهم بوجود ضوابط لطائر السمان، بسبب تناقص أعدادها المخيف، على حد تعبيرهم. واتفق الصيادون على أن أهم الضوابط هي: تجريم الصيد بالشباك، كونه المسؤول الأول عن الضرر بطائر السمان، وطيور أخرى، فكل ما يلتصق بالشبك مصيره الموت، أما ما يخلصه الصياد فيكون قد أصيب بجروح قاتلة أو يتم قتله والاستفادة منه.
يحظر القانون رقم 14 لعام 2023 الصيد البري في سوريا، واستعمال الشباك في الصيد، حيث ورد في التعليمات التنفيذية للقانون رقم 14 أنه يُمنع الصيد بالوسائل التي تؤدي لاصطياد أكثر من كائن دفعة واحدة ومنها الشباك.
أما بالنسبة لطائر السمان. يتم تنظيم صيده ويسمح بصيد 25 طائر في رحلة الصيد الواحدة بموجب القرار رقم 109/ت تاريخ 18/9/2024 ، وكذلك يسمح بتربيته وإكثاره في مزارع مخصصة للصيد، ترخص أصولًا وفق القانون رقم 14 لعام 2023، حيث يعتبر من الطيور المستنزفة في سوريا نتيجة لصيده بكميات كبيرة وبشكل عشوائي.
ويؤكّد المهندس بلال الحايك، مدير التنوع الحيوي في وزارة الزراعة، أن عمليات الصيد التي تجري منذ سنوات باستخدام الشباك الكبيرة والأسلحة النارية وأجهزة المناداة الاصطناعية، تعتبر وسائل صيد غير مشروعة.
ولفت إلى أنه تم متابعة هذه الحالات، وإرسال تعاميم إلى وزارة الداخلية، إضافة إلى تعميم آخر إلى وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، لتتبع الحسابات التي تقوم بالترويج لعمليات الصيد وبيع الطرائد عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد
- تحرير وإشراف: أحمد حاج حمدو