قبل نحو أربعة أشهر، علقت عجلة درّاجة كان يقودها سعيد حجازي في عين ترما بريف دمشق، في حفرة بدأت تظهر بشكل مفاجئ في حارة فرعية حركة المرور فيها ضعيفة. سقط الشابّ ذو الخمسة عشر عاماً أرضاً، ولم يتعرّض لأيّ أضرار جسدية.
الحفرة الصغيرة ذاتها توسّعت لاحقاً، كاشفة عن أنابيب الصرف الصحّي الموجودة تحت الأرض. لكنّ موظّفي البلدية “اكتفوا بردمها بمخلّفات بناء”، بحسب خالد حجازي، عم الشابّ سعيد، الذي يملك محلّاً قريباً من الحفرة، وحينما حاول إبداء رأيه بشأن عملهم، طلب منه الموظّفون عدم التدخّل، وحسم أحدهم الأمر بالقول: “خليك بشغلك”، كما ذكر لمُعدّتي التحقيق.

انهيار أرضي نتيجة وجود نفق يُعيد ظهور حفرة كان قد تمّ ردمها سابقاً من قِبل بلدية عين ترما 16 أيّار/ مايو 2026 – سراج
لاحقاً، بدأت مياه الصرف الصحّي تخرج من حفر أخرى ظهرت أيضاً بشكل مفاجئ في المنطقة، بالتزامن خصوصاً مع الأمطار الغزيرة التي شهدتها سوريا الشتاء الماضي. ولعلّ أشهر تلك الحوادث الحفرة الضخمة التي ظهرت في الشارع العام في عين ترما إبّان عيد الفطر الماضي أواخر آذار/ مارس.
ظهور الحفر نتيجة انهيارات أرضية مفاجئة تكرّر بدوره في عدّة مناطق في غوطة دمشق الشرقية، أحدثها حفرة ضخمة بعمق 10 أمتار ضمن الطريق العام في بلدة زملكا، فضلاً عن حفر عديدة ظهرت في مدينة دوما، وسواهما من مدن وبلدات.
وثّق فريق التحقيق، عبر الزيارات الميدانية ورصد عشرات المنشورات والصور ومقاطع الفيديو المتداولة على منصّات التواصل الاجتماعي والتحقّق منها، ما لا يقلّ عن 10 حفر وانهيارات أرضية شهدتها مدن وبلدات الغوطة الشرقية منذ بداية العام 2026 وحتى تاريخ النشر.

نفق يظهر من خلال حفرة خلّفها انهيار أرضي في عين ترما في 16 أيّار/ مايو 2026 – سراج
إرث الحصار
ما يجمع المناطق السابقة المتضرّرة هي حقيقة تعرّضها لحصار خانق من قوّات نظام الأسد وميليشياته في الفترة الممتدّة بين 2013 و2018، مترافقاً مع قصف شديد، ما دفع السكّان إلى حفر أنفاق تحت الأرض لتسهيل تنقّلاتهم، ومحاولة النجاة من الموت.
وكما يوضح حامد الزين، الذي عاش الحرب في مدينته حمورية حتى تهجيره منها بالباصّات الخضراء نحو إدلب في عام 2018، فإنّه “بعد الهجمة الشرسة على الغوطة الشرقية في السنوات ما بين 2015 و2018، اضطرّ السكّان لحفر الأنفاق يدوياً، من بيوتهم أو من قبو قريب خوفاً على حياتهم وحياة أطفالهم. إذ تسبّب القصف بانهيار أبنية كاملة على المدنيين”، مشيراً في حديثه إلى فريق “سراج” و”درج” إلى أن الجميع تساعَد حينها في حفر ما يسمّى “أنفاقاً مدنية”، بالإضافة إلى الأنفاق التي حفرتها الفصائل المعارضة للتنقّل وتأمين مستلزمات الحياة، وأنفاق أخرى مخصّصة للاستخدامات الطبّية.
سمير بويضاني، مهندس مدني عاش حصار مدينة دوما، ويُعدّ عرّاب الأنفاق الطبّية، إذ أسهم في تأسيس ثلاثة منها، وكان أوّل من طرح فكرة حفر الأنفاق المدنية، منذ العام 2013. “لكنّ العسكريين يومها لم يستجيبوا”، بحسب ما يقول لمُعدّتي التحقيق.
كانت فكرته أن تشكّل الأنفاق أماكن للسكن وحتى للتسوّق تحت الأرض، لأن السوق كانت دائماً النقطة الأكثر استهدافاً من قوّات الأسد. ففي عام 2015، كما يستذكر، تسبّب قصف استهدف دوما في استشهاد 120 شخصاً موجودين في السوق.
في فترة الحصار، كانت الغوطة الشرقية تُقسم إلى قطاعين رئيسين، يشمل الأوّل مسرابا ودوما خصوصاً، ويخضع لسيطرة “جيش الإسلام”. أمّا القطاع الثاني (الجنوبي) ويضمّ عدّة قرى ومدناً منها عربين وكفر بطنا وجسرين ، فيخضع لسيطرة “فيلق الرحمن” و”جبهة النصرة/ هيئة تحرير الشام”، بينما سيطرت حركة “أحرار الشام” على حرستا.

خريطة تُظهر توزّع سيطرة فصائل المعارضة السورية في غوطة دمشق الشرقية في 19 أيّار/ مايو 2017 – مركز طوران
حكم إقامته هناك منذ 2013 وحتى التهجير في نيسان/ أبريل 2018، وعمله في مجلس بلدية دوما، تعاون بويضاني مع فصائل المعارضة المسيطرة، وأشرف على تنفيذ نفق في كفربطنا أسفل مشفى الكهف، وآخر أسفل مشفى الشوفنية، وثالث (وهو أضخم نفق في دوما)، حمل اسم “مشفى ريف دمشق التخصّصي”، فيما كان معروفاً شعبياً باسم “النقطة واحد“، وضمّ مسارات طويلة تسمح بمرور سيّارات الإسعاف، وغرف عمليّات يصفها المهندس بويضاني بـ”أنها من الطراز الأوّل”.
ولحمايته من الانهيار، تمّ وضع تراب فوق النفق الأخير بارتفاع متر ونصف المتر، وحُصّن محيطه بالتراب أيضاًَ، وجعل الدخول إلى غرف العمليّات تلك من خلال أنفاق موجودة في أبنية سكنية أخرى، كما زوّد النفق بمولدات للكهرباء وبئر ماء، ونظام تهوية.
يقول بويضاني: “لشدة تجهيزه، بقي المشفى يعمل بين 6 و8 شهور بعد سيطرة قوّات الأسد على دوما. لكنّ جنود الأسد نهبوه بالكامل بعد ذلك، وسرقوا جزءاً كبيراً من حديد التدعيم”.
لم يعمل بويضاني بالأنفاق العسكرية، إذ كان لها فريق خاصّ يشرف عليها، على حدّ تعبيره، لكنّه عمل بالأنفاق الطبّية، كما قدّم توجيهات للمدنيين ممّن قرّروا حفر الأنفاق لحماية عوائلهم.
وكما يوضح، فإنّ الأهالي توجّهوا لحفر الأنفاق بأنفسهم منذ العام 2015. وقد تمّ ذلك بعدّة طرق، مثل الحفر في أسفل البيت، خاصّة في مناطق المخالفات، أي المناطق غير المنظّمة، أو بربط أقبية الأبنية ببعضها بعضاً. ويضحك في معرض الإجابة عن سؤال توفّر الخبرة في هذا المجال، قائلاً: “دوما غير؛ حتى البلاستيك حوّلناه إلى مازوت وغاز وبنزين. واستخدمنا حرارة الشمس لغلي الماء، وكانت الكهرباء موجودة 22 ساعة باليوم باستخدام مولّدات تعمل على السمن النباتي”.
سرقة الحديد… القشّة التي قصمت ظهر الأرض

ما تبقّى من حديد تدعيم نفق في عين ترما بعد تعرّضه للسرقة من قِبل النظام المخلوع في 16 أيّار/ مايو 2026 – سراج
انتهى اليوم خطر القصف والبراميل التي كان مصدرها قوّات الأسد والطيران الروسي، كما الميليشيات الإيرانية المتحالفة مع هذين الطرفين. لكن في الوقت ذاته، ظهر خطر جديد يتربّص بالسكّان من تحت أقدامهم.
وفوق الانهيارات، انبثق ما يشبه الأنهر، لكنّها ليست فرعاً من فروع بردى، ولا تمتّ بصلة للينابيع العذبة، بل تجمّعات للمياه الآسنة، بعدما سبّبت الحفر والخسوفات (الناجمة عن الأنفاق) في تكسير أنابيب الصرف الصحّي.
يشرح وائل سلام رئيس بلدية عين ترما، أن حفر الأنفاق في الغوطة بدأ في عام 2015، من قِبل عدّة جهات أبرزها “فيلق الرحمن” و”جيش الإسلام”، واصفاً إيّاها بأنّها “أنفاق جبّارة” يمكن أن تمشي فيها سيّارة. وهي بأعماق كبيرة بين 10-12 متراً تحت الأرض، وتمتدّ لمسافات طويلة، ويؤكّد “لسنا مزعوجين منها، ولولا سرقة عناصر نظام الأسد حديد هذه الأنفاق، فلربما كانت وسيلة سياحة ووسيلة تنقّل أخرى”.
وكما يشرح سلام فإن “طريقة تعامل نظام الأسد مع الأنفاق تركها عرضة للانهيار. ومع هطول أمطار غزيرة هذا العام، بدأت تظهر خسوفات في عدّة مناطق”.
إذ “حينما سرق النظام الحديد [المُدعّم للنفق] بدأ التراب بالانهيار واستمرّ بذلك حتى وصل إلى الصرف الصحّي، وأصبحت أنابيبه من دون تدعيم وفارغة من الأسفل. وهذا تسبّب في سقوطها، وتسرّب المياه إلى الأنفاق، وبالتالي زاد من إمكانية انهيارها وما فوقها من أبنية، وأيضاً أفرز مشكلة اختلاط المياه الملوّثة بالمياه الجوفية. ففي فترات الأمطار الغزيرة ترتفع مناسيب المياه الجوفية فتختلط مع مياه الصرف الصحّي”.
ويؤكّد الدكتور نضال جوني الأستاذ في قسم الجيولوجيا وعلم الزلازل بجامعة دمشق، وجود تأثير مباشر لسحب الحديد في إضعاف الأنفاق، خاصّة “إذا لم تُحفر وفق [معايير] هندسية محدّدة، ما يؤدّي إلى الانهيارات وانخفاس الطبقات التي تعلوها”.
وبحسب أحمد سريول ابن دوما الذي عاش الحصار وفترة من سيطرة جيش نظام الأسد لاحقاً، فإن الأخير ردم وفجّر الأنفاق المتصّلة بالعاصمة، أما الأنفاق الفرعية وتلك الموجودة داخل قرى وبلدات الغوطة، مثل التي كانت تُستخدم لنقل المرضى والجرحى، فتركها للأهالي لكي يتحمّلوا عبء ردمها، ويقول: “غالبية السكّان غير قادرين على تحمّل إصلاح بيوتهم، ويرجون من الحكومة والمنظّمات مساعدتهم في هذه المهمّة، فكيف الحال بالنسبة إلى الأنفاق، والبيوت التي تحتها أنفاق آيلة للسقوط”.
ويروي أبو نمر وهو أحد الرعاة في الغوطة الشرقية، أنه فقد عنزته وبحث عنها طويلاً، وأثناء مروره بجانب نهر سمع صوتاً ينبعث من هناك، وعند تتبّعه للصوت وإزاحته للأعشاب، عثر عليها واقعة في مجرى المياه، ليكتشف بذلك وجود نفق داخل النهر.
أنفاق بلا خرائط
عند الحديث عن الأنفاق والحفر التي باتت تظهر بسببها، يتبادر إلى الذهن غالباً الحلّ المنطقي الأبسط، وجوهره أن “من حفر الأنفاق يردمها”. لكنّ هذا الأمر يبدو مستحيلاً اليوم، فليس كل من حفر ما زال على قيد الحياة أو على الأراضي السورية، بل حتى ليس كل من حفر يعرف أين حفر، فملامح المكان تغيّرت بعد سيطرة قوّات الأسد في عام 2018، وقيامها بإغلاق بعض هذه الأنفاق
بحسب قيادي سابق في “جيش الإسلام”، تحفّظ على ذكر اسمه بسبب عمله حالياً بوزارة الدفاع وكونه غير مصرّح له بالتحدّث للإعلام، فإن النظام السابق “هو من ضيّع معالم الأنفاق” نتيجة تعامله معها من منطلق أمني وليس لخدمة الناس، إذ كان عناصره “يخافون من وجود ثوّار فيها، وهذا سبّب لهم أرقاً، ولم يكن يهمّهم إن وقع بناء أو غيره”.
ويتابع: “مضى علينا أكثر من ثماني سنوات في الشمال. وحينما رجعنا لاحظنا تغيّر ملامح الأرض، وأدركنا أن الوضع مزر للغاية، وخطير جداً ونخشى أن يتهالك أو يهدم بناء ما في أيّ لحظة، فنفجع بوفاة أحدهم أو إصابته”.
أيضاً، فإن جزءاً من الأنفاق حُفر بشكل عشوائي، حتى تأسيس جهة رسمية في البلديات خلال فترة الحصار، بحسب المصدر ذاته، مهمّتها منح تراخيص الحفر، لضمان القيام بذلك بطريقة صحيحة “لكنّ هذا الإجراء التنظيمي جاء متأخّراً”.
كذلك، يشدّد رئيس بلدية دوما عماد الدين الأجوة في حديث إلى “سراج” و”درج”، فإن حقيقة “أن الأنفاق تمّ تنفيذها من قِبل عدّة جهات وليست جهة واحدة، فجزء منها حفره الثوّار، وجزء تابع لجهات إغاثية، والثالث حفره مدنيون”، أدّى إلى غياب الخرائط الشاملة.
في مواجهة ذلك، وضعت بلدية دوما، يضيف الأجوة، رؤية لخطّة الاستجابة، تستدعي تكوين نواة لقاعدة بيانات من خلال جمع ما بين أيديهم من معلومات، مع العلم أن البيانات قديمة وتعود لحدود 8 سنوات. كما تقوم الخطّة على التواصل مع الأشخاص والأهالي الذين شاركوا في حفر الأنفاق، مؤكّداً أنه بالتوازي مع جمع هذه البيانات، ستتمّ المعاينة المناطق الأكثر خطورة واختيارها.
الأمر ذاته تنفّذه بلدية عين ترما، بالتواصل مع الثوّار العائدين من إدلب، الذين حفروا الأنفاق، كما يذكر سلام، وبحيث “نجحت حتى الآن في بناء خريطة لستّين في المئة تقريباً من الأنفاق”، ويضيف: “توجد خرائط قيل إنها كانت بدوائر الدولة رسمها الروس لكن لم نستلمها، ولا نعرف إن كانت موجودة بالفعل، إذ ربما وضعها النظام في أحد فروع المخابرات، ولكن بكل الأحوال لم نصل إليها”.
وكانت روسيا قد أعلنت سيطرة النظام الأسد الكاملة على الغوطة الشرقية في 12 نيسان/ أبريل 2018، مع خروج آخر دفعة من مُقاتلي المعارضة من مدينة دوما، المعقل الأخير لهم في المنطقة، ودخول عناصر الشرطة العسكرية الروسية إليها.
لكن القيادي السابق في “جيش الإسلام” يستبعد قيام الروس برسم خرائط للأنفاق، ويقول: “هم دخلوا الأنفاق الكبيرة والاستراتيجية، مثل نفق موجود باتّجاه ضاحية حرستا، وآخر في زملكا، وثالث هو النقطة الطبّية بدوما”.
وقد حاول فريق التحقيق التأكّد من وجود هكذا خرائط من خلال التواصل مع السفارة الروسية في دمشق عبر البريد الإلكتروني، لكن لم يحصل على إجابات عن الأسئلة المرسلة حتى موعد النشر.
ويكشف بويضاني الذي شغل لعدّة أشهر، منصب رئيس مجلس بلدية دوما بعد التحرير، أنه تواصل مع المهندس الذي كان مسؤولاً عن الأنفاق العسكرية في “جيش الإسلام” خلال فترة الحصار، لكنّه أكّد له فقدان الفصيل للخرائط. عندئذ توجّه بويضاني إلى وزارة الدفاع، حيث تمّ إبلاغه أيضاً بفقدانها خلال عمليّة التهجير.
كما تطرّق للتعامل الخاطئ الذي قامت به قوّات الأسد مع الأنفاق، مستشهداً بنفق النقطة الطبّية الذي كان له ثلاثة مداخل، لكنّ قوّات الأسد أغلقت اثنين منها ما جعل الوصول إلى نهايته أمراً صعباً في ظلّ غياب الخرائط وسرقة الحديد.
في تصريح لمُعدّتي التحقيق، تصف إدارة الإعلام والاتّصال في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث قضيّة الأنفاق بكونها “معقّدة”. فمن ناحية أولى، توجد أنفاق عديدة في المنطقة، بعضها كبير وبعضها صغير، وأخرى أنفاق للسيّارات أو أنفاق بين الأبنية أو أنفاق طبّية، كما توجد أيضاً أنفاق حفرها مدنيون -وهذه خرائطها غير معروفة- وأنفاق كبيرة معروفة خرائطها. ومن ناحية أخرى، كما تضيف الإدارة، فإن وضع خرائط الآن مرتبط بأربع جهات، هي: وزارة الطوارئ، ووزارة الإسكان، ونقابة المهندسين، والمجالس البلدية.
وقد تعذّر التواصل أو الحصول على إجابات وتعليقات من مسؤولي وممثّلي الفصائل العسكرية التي كانت مسيطرة على الغوطة الشرقية حتى العام 2018.
ووفق القيادي السابق في “جيش الإسلام” أكبر الفصائل في المنطقة، فإن “الخرائط كانت عندنا [في مناطق سيطرة الفصيل تحديدا] نسبية. لا توجد خريطة كاملة للمنطقة، ولكنّها جزء من الأنفاق التي تمّ حفرها من قِبل الفصائل والمؤسّسات والجانب المدني، ولا يوجد أيّ جهة تستطيع حصر هذا العدد، بسبب ظروف الحرب والصراع”.
في المقابل، يمكن اكتشاف الأنفاق بحسب الدكتور جوني “بالطرائق الجيوفيزيائية الهندسية التي تساعد في تحديد مكان النفق ومساره وأبعاده ومدى الخطورة المحتملة. ويلعب الجيورادار والطرائق السيزمية دوراً بارزاً في رسم حجم النفق وامتداده”، لافتاً إلى ضرورة وضع دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية على المدى القصير والطويل معاً، تحدّد نوع الصخور التي يخترقها النفق ومدى الخطورة، كما تحدّد الإجراءات الواجب اتّخاذها لتجنّب الانهيارات في المستقبل.
حلول إسعافية فقط!
حالياً، تعتمد بلدية عين ترما الحلول الإسعافية لعلاج الخسوفات، ولا تفكّر بحلّ جذري، بسبب صعوبة ذلك وتكلفته العالية، بحسب ما يوضح رئيس البلدية، ويقول سلام: “عند حدوث خسوفات، نوسّع الحفرة قليلاً ونردمها. أنا تهمّني معالجة البنية التحتية، وألّا تخسف الطريق مرّة ثانية، كما تهمّني حماية أنابيب الصرف الصحّي والهاتف والكهرباء، لهذا نضع موادّ صلبة و[أسفلت] فوقها، ولا أستطيع ردم النفق كله والمشي تحت الأبنية”.

نفق كما يظهر بعد معالجة بلدية عين ترما الإسعافية بسحب مياه الصرف الصحّي منه في 16 أيّار/ مايو 2026 – سراج
في الأثناء، ثمّة خطّة تنتظر التمويل من محافظة ريف دمشق، بحسب سلام، تقوم على التدخّل في خمس نقاط تقاطع مع الصرف الصحّي، بحيث يتمّ الحفر في كل نقطة حتى الوصول إلى عمق النفق، وسحب المياه الآسنة منه، فردمه بموادّ صلبة لمنع الخسوفات ثانية. تالياً، تتمّ إعادة أنابيب الصرف الصحّي والمياه وخطوط الكهرباء والهواتف، وغلق الحفرة.
وفي دوما، يواجه الأجوة العجز المالي والتقني ذاته، ويقول لفريق التحقيق إنه قبل أيّام من اللقاء به، ظهرت خسوفات في أنفاق خلف ملعب دوما البلدي، هي أنفاق عسكرية كانت مصفّحة بالحديد “الذي سرقه جيش الأسد”، ويؤكّد أنه في كل مرّة يظهر خسف أو حفر يتمّ علاج المشكلة بشكل مؤقّت وتحت إشراف هندسي، ولكن من دون القدرة على دخول النفق بأكمله لأنه لا يملك المال الكافي لذلك، ولا الخبرات البشرية، ولن يخاطر بعمّاله، على حدّ تعبيره.
ويضيف: “أنا أقول إن السنة الفائتة لم تكن سنة محل بل كانت سنة خير؛ بمفهوم ثانٍ، لو هطل مطر كثير العام الفائت، ونحن متحرّرون حديثاً، كان يمكن أن يتفاقم الوضع بشكل أكبر”.
ولا يختلف الوضع لدى وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، فهي أيضاً في هذا الملفّ تعتمد على “حالات الإبلاغ” و”التدخُّل الطارئ” مثل حدوث حفرة أو انهدام في منطقة ما، كما يوضح فريق إدارة الإعلام والاتّصال، مشيراً إلى تجربة قريبة قاموا بها في دوما شملت ردم عدّة أنفاق بالتعاون مع مجلس البلدية ونقابة المهندسين.
لكن كما توضح الجهة الإعلامية التابعة للوزارة فإن “ردم النفق لا يتمّ بعمليّة اعتباطية، خاصّة الطويل منه. فالأمر يحتاج إلى ضخّ أسمنت وجهود كبيرة للحفاظ على أعمدة الأبنية، وذلك بإشراف فرق هندسية، لأن عمليّة ردم النفق لا تشبه ردم حفرة عادية”.

أحد موظّفي وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث يشرف على أعمال ردم أنفاق على طريق عدرا البلد بريف دمشق في 15 نيسان/ أبريل 2026 – وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث

أحد موظّفي وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث يشرف على أعمال ردم أنفاق على طريق عدرا البلد بريف دمشق في 15 نيسان/ أبريل 2026 – وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث
وبحسب نائب رئيس مجلس بلدية دوما أغيد عثمان، فإنّ الردم بالأتربة طريقة غير صحيحة، إذ ستهبط الأرض ثانية. وبالتالي عند معالجة الحفرة من اللجنة الهندسية، يتمّ حفرها إذا احتاج الأمر ومن ثم ردمها، مؤكّداً أنهم يتعاملون مع الحفرة فقط وليس النفق بأكمله حتى لو اكتشفوا وجوده، لكنّهم يخاطبون المحافظة لأنه يحتاج معدّات كبيرة وطرقاً معيّنة. وأهم شيء ألّا يكون النفق تحت أساسات البناء لأنها تحتاج إلى علاج خاصّ. ولهذا ترسل البلدية إنذارات لإخلاء الأبنية، ومنذ فترة قصيرة، أخلت البلدية بناءين، وفقاً لعثمان. فيما قدّر رئيس بلدية عين ترما وجود نحو 50 بناء تحتها أنفاق، وُضعت عليها إشارة لمنع البيع والشراء، كما طُلب من سكّانها الإخلاء، لكنّ كثيرين رفضوا ذلك بسبب ظروفهم المادّية.


مبنى اكتشفت بلدية عين ترما نفقين تحته وأُدرج ضمن المباني الخطرة في 16 أيّار/ مايو 2026 – سراج
من بين هؤلاء أبو محمد، وهو رجل مسنّ يملك بناء سكنياً اكتشف أثناء متابعته لأعمال إكساء شقّة فيه وجود حفرة بالقرب من المبنى، لكنّه تجاهل الأمر وقرّر المتابعة، ويقول لمُعدّتي التحقيق: “بدي زوّج ابني وبيتنا أرحم من الأجار”، ويضيف بغضب: “صرنا مبلشين ورح نكمّل، إذا وقعت البناية الله يرحمنا”.
ويربط الرجل خروجه بتأمين البديل، موضحاً حدود قدرته على معالجة المشكلة: “هاد بيتنا ومارح نخليه، إذا في خوف، البلدية تجبلي بيت… ناطرين يتسكّر النفق، نحن مو قدرتنا ندفع لنسكرو، يا دوبنا عايشين”.
في حين قرّر بعضهم علاج المشكلة بنفسه، عبر ردم الحفر أسفل البناء، يعلّق سلام: “لا نعرف بالضبط إن كان العلاج سيحلّ المشكلة، نحن لا نعرف طريقة الردم الصحيحة. هل يكفي أن نضع باطوناً في النفق؟ نحن لم نواجه مثل هذه المشكلة من قبل، يجب إحداث دائرة للترميم كي يعرف من يرمّم أن عمله صحيح. وهذا ينطبق على الأبنية التي تعرّضت للقصف”.
إذا كانت الأمطار حملت للغوطة خسوفات في الأراضي وحفر قد تضرّ بسلامة سكّانها، فإنّ الصيف وارتفاع الحرارة قد يحمل موجات من القوارض والروائح الكريهة، ولا أحد يعلم إلى متى سيتمكّنون من الانتظار لحين إيجاد حلول.
- تم نشر نسخة من هذا التحقيق على موقع درج.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.