Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

خرائط سريّة تركها جيش الأسد تكشف لأول مَرة أماكن حقول ألغام في ريف اللاذقية

بعد هروبهم إبان معركة “ردع العدوان”، ترك ضباط من نظام الأسد المخلوع خرائط عسكرية مرسومة بخط اليد لتسعة حقول ألغام في ريف اللاذقية، بتحليل هذه الخرائط حدد صحفيون من “سراج” أماكن حقول الألغام بدقة قرب قرى كبانة، وعكو في ريف اللاذقية.

منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وملف الألغام يعد واحداً من أعقد الملفات التي تواجه السلطات السورية والمنظمات العاملة في هذا الشأن. إذ تتوزع حقول الألغام ومخلفات الحرب على نطاق واسع في الجغرافيا السورية، خصوصاً في المناطق التي كانت محاور مواجهات بين قوات ذاك النظام والمعارضة ومختلف التشكيلات المسلحة خلال سنوات الثورة السورية.

أحد أبرز الأمثلة هو خط التماس السابق جنوب مدينة إدلب، الفاصل بين تمركزات قوات النظام وقوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام، ويمتد ليشمل مناطق واسعة في أرياف حلب وحماة واللاذقية. إذ يعتبر من أكثر المناطق تلوثاً بالألغام، بحسب مدير إدارة دعم الضحايا في المركز الوطني السوري لمكافحة الألغام في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، عبد الرزاق القنطار.

شهدت تلك المنطقة ما بين العامين 2020 و2024 وفيات وإصابات بالآلاف  نتيجة انفجار الألغام، وصلت إلى 15 ألف حالة، طبقاً لتصريحات قائد عمليات فوج الهندسة في الفرقة 80 بوزارة الدفاع السورية، ميسرة الحسن.

وكان غياب خرائط حقول الألغام المزروعة إبان سني الثورة، نتيجة إتلاف الوثائق أو تهريبها من قبل ضباط النظام المسؤولين عن تلك العمليات، واحداً من أهم أسباب تواصل الوفيات والإصابات لدى المدنيين والعاملين في تفكيك الألغام بعد سقوط النظام. يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، إن النظام كان يترك تلك المناطق بدون خرائط لعمليات التلغيم أو إشارات تحذيرية، بهدف مضاعفة الإصابات بعد فقدان السيطرة عليها.

وكان تحقيق سابق نشرته “سراج” في آذار/ مارس الماضي، كشف عن منهجية استهداف المناطق الزراعية في خط التماس، وأن تكلفة إزالة الألغام من المنطقة التي عاينها التحقيق قدرت بحوالي 137 مليون دولار (حوالي 15.2 مليار ليرة سورية جديدة).

يكشف هذا التقرير المبني على المصادر المفتوحة في وحدة “سراج” من خلال صور لخرائط يدوية موقعاً يضم تسعة حقول ألغام، وذلك عبر ترجمة تلك الخرائط،  كما أنظمة الخرائط المحلية التي كانت معتمدة من قوات الأسد، إلى إحداثيات دقيقة في ريف اللاذقية الشرقي جنوب قرية كبانة. وتبلغ مساحة الموقع ثلاثة كيلومترات مربعة، لكنه يمتد بتهديده ليشمل حياة سكان العديد من القرى المحيطة.

عاين صحفيون من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، صوراً لخرائط تسعة خرائط حقول ألغام تركها ضباط النظام بعد انسحابهم من مناطق تمركزهم (خطوط الجبهات) في ريف اللاذقية إبان معركة “ردع العدوان” في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وتشير التسميات في تلك الخرائط إلى العديد من مناطق ريف اللاذقية، مثل قرية كبانة وجبل الزويقات.

لكن على عكس أنظمة الخرائط الاعتيادية التي يستعملها معظمنا من خلال تطبيقات الخرائط، وتعتمد قياسات خطوط الطول والعرض أو المقاسات المترية التقليدية، فإن قوات نظام الأسد كانت تعتمد نظاماً مترياً مختلفاً عن الأنظمة المتعارف عليها عالمياً والتي تعتمد نقطة التقاء خط غرينتش مع خط الاستواء كنقطة الصفر. إذ إن النظام الذي كان يستعمله جيش الأسد كان نظاماً محلياً لا نعرف بالضبط نقطة الصفر الخاصة به، ما يمنع أنظمة الخرائط العادية من التعرف على الإحداثيات الموجودة في تلك الخرائط.

صورة لإحدى خرائط حقول الألغام التي تركها ضباط النظام السابق في ريف اللاذقية – سراج

بالتعاون مع خبراء باستخدام تقنيات مفتوحة المصدر، حلل  الصحفيون  هذه الخرائط وحولوا  إحداثياتها التي تعتمد نظاماً محلياً إلى إحداثيات عالمية يمكن تحديدها بشكل دقيق، عبر أنظمة الخرائط المتوفرة للعموم، مثل “غوغل إيرث” أو “غوغل مابس” أو “ألباين”.

عرضنا الخرائط على ضابط برتبة عقيد في كتيبة الهندسة بوزارة الدفاع السورية، رفض الكشف عن اسمه، وذلك لفهم سبب تركيز جيش النظام المخلوع على هذا النمط من الخرائط وأهميتها عسكرياً. وقال: “إن نظام الأسد كان يستعمل هذا النمط من الخرائط والإحداثيات الخاصة لحماية معلوماته، وجعل قراءة محتواها وتفكيك الألغام أكثر صعوبة على أي مجموعة قد تعثر عليها”.

تعتمد هذه الخرائط اليدوية على مقياس رسم هو 1 على 25000، ما يعني أن كل واحد سنتيمتر على الورق يساوي 25 ألف سنتميتراً في الواقع، أو 250 متراً. وفي حال كانت مساحة المربع الذي يشير لحقل الألغام في الخريطة المرسومة يدوياً 4 سنتيمترات مربعة، على سبيل المثال، فهذا يعني أنه يغطي مساحة تبلغ 250 ألف متر مربع على أرض الواقع أو 0.25 كيلومتر مربع. 

يبلغ عدد الخرائط التي عايناها تسع خرائط، تحدد مواقع تسعة حقول ألغام مرقمة من الرقم 1 حتى 9. وبتحويل الإحداثيات المترية التي استعملها ضباط النظام المخلوع عبر تقنيات خاصة لتحويلها إلى الإحداثيات العالمية، تمكنا من تعيين خمسة حقول ألغام تشكل حدود المنطقة الملغمة، إضافة إلى أربعة حقول أخرى داخل تلك الحدود. 

تُظهر الإحداثيات أنّ حجم المساحة التي تغطيها حقول الألغام التسعة تبلغ حوالي ثلاثة كيلومترات مربعة، وهو ما يعادل مساحة أكثر من  400 ملعب كرة قدم. وتغطي حقول الألغام هذه مساحات واسعة من التلال جنوب قرية كبانة وجنوب شرق قرى عكو وبوز الخربة وبشرفة في ريف اللاذقية، وهي من القرى التي لازالت تعاني بشكل مستمر من وقوع إصابات ووفيات نتيجة الألغام

كما يتوسط منطقة حقول الألغام حديقة الرقرقرية، ما يضع حياة الكثير من العائلات والأطفال من  القرى المجاورة في خطر محدق نتيجة كثافة الألغام الموجودة في تلك المنطقة. 

ويرتبط الخطر الأكبر بهذه المنطقة أن حقول الألغام التسعة لا تقع على ارتفاع واحد، كون المنطقة تضم العديد من التلال مختلفة الارتفاع.، كما أن الطبيعة الوعرة لتضاريسها تزيد صعوبة ملاحظة الألغام من قبل السكان المحليين في المنطقة، وهو ما يزيد خطورة العبور من خلالها.

Maxar Images/Airbus – تبلغ مساحة منطقة حقول الألغام التي حددناها نحو ثلاثة كيلومترات مربعة، وتجاور قرى كبانة وعكو وبوز الخربة وبشرفة في اللاذقية

من غير المعروف بالضبط  نوعية الألغام التي وضعتها قوات النظام المخلوع في تلك المنطقة، وما إذا كانت من النوعية المضادة للأفراد أم المضادة للمدرعات. إلا أن موقع حقول الألغام تلك يشير إلى أن النظام كان يهدف لاستعمالها كخط دفاع أول عن مناطق سيطرته في ريف اللاذقية في حال تجاوز قوات المعارضة حدود خط التماس الذي كان يفصل بينهما آنذاك.

من أجل تحديد الموقع الجغرافي لهذه الحقول بالتحديد على الأرض، حددنا ست نقاط إحداثيات رئيسية لحدود منطقة حقول الألغام، تتوزع على حدود الشكل سداسي الأضلاع الذي تشكله حقول الألغام التسعة. وإحداثياتها على التوالي هي:

  1. 35.6898, 36.24565
  2. 35.69881, 36.24585
  3. 35.70798, 36.235
  4. 35.70814, 36.22395 
  5. 35.69913, 36.22376
  6. 35.68996, 36.23461
Maxar Images/Airbus – تضم الخريطة ست نقاط ترسم حدود منطقة الألغام التسعة في ريف اللاذقية

كما تضم الخريطة التالية جميع إحداثيات حقول الألغام والمنطقة التي تتواجد فيها والقرى المحيطة بها.

 

يقول الضابط: “إن تفكيك هذه النوعية من الخرائط لها أهمية كبرى في تسريع عمليات إزالة الألغام وتحديد عمليات البحث بنطاق جغرافي واضح، وتقليل أعداد الضحايا واستعمال كاسحات الألغام التي لا تعتمد على خرائط دقيقة عادة والأهم هو تحذير سكان المناطق المتضررة من وجود الألغام فيها”. 

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت مقتل 3,485 شخصاً، بينهم 872 طفلاً، نتيجة انفجار الألغام الأرضية ما بين آذار/ مارس 2011 وبداية العام الجاري.


  • تمت مشاركة جميع الخرائط والإحداثيات ونتائج هذا التقرير مع السلطات السورية المعنية بملف الألغام ومخلفات الحرب.

  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.


اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات