Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

الموت المستمر: هكذا تفتك الألغام الروسية بأجساد السوريين وأراضيهم المنسيّة

منذ بداية الثورة السورية في العام 2011 وحتى اليوم، أودت الألغام بحياة الآلاف من السوريين وأدت لإصابة آلاف غيرهم، يكشف هذا التحقيق عبر المصادر المفتوحة ومقابلات مع الضحايا وجولات ميدانية عن عملية ممنهجة ارتكبها نظام الأسد عبر الألغام لإحداث أضرار بشرية ومادية وبيئية طويلة الأمد قد تستمر لعقود.

في السابع من شباط/فبراير 2026، وبينما كانت الطفلة جنى رجبو تلعب بجوار ما تبقى من منزل أقاربها في قرية عكو بريف اللاذقية، دوى انفجار كبير هزّ المنطقة. هرعت العائلة لمعرفة ما يجري، لتجد الطفلة التي تبلغ من العمر 7 سنوات وقد أصيبت بانفجار لغم أرضي، مما أدى إلى بتر رجلها اليمنى، فيما وضع الأطباء أسياخاً حديدية في رجلها اليسرى التي تضررت أيضاً بشظايا الانفجار.

يتحدث أحد أقرباء جنى، عبد اللطيف رجبو، لـ”سراج” بحسرة عن المأساة التي أصابت الطفلة خلال زيارة لعائلتها التي عادت مؤخراً بعد سقوط النظام عقب 12 عاماً من النزوح لتقيم على أنقاض ما تبقى من منزلها المدمر في ريف اللاذقية، وعن الخوف المستمر من الألغام: “أزالت فرق الهندسة من أرضي 140 لغماً، من بينها لغم دبابة، إضافة إلى ثمانية صواعق لم نجد الألغام المرتبطة بها. نحن لا نخشى الألغام التي نراها، بل تلك المخفية”.

ما يصفه عبد اللطيف بـ”الألغام المخفية” التي تصعب رؤيتها وتسببت ببتر قدم جنى، ليست مقتصرة على قرية عكو، بل هي واقع يعيشه آلاف السوريين في المناطق التي كانت سابقاً على خط التماس بين قوات المعارضة السورية والنظام السوري المخلوع، والتي تعج اليوم بالألغام ومخلفات الحرب، وتشكل خطراً مستمراً قد يستمر لسنوات على حياة ومستقبل السوريين العائدين إلى تلك المناطق.

يعاين هذا التحقيق للوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج عن قرب، باستخدام أدوات المصادر المفتوحة ومقابلات مع الأهالي وضحايا وزيارات ميدانية، واقع بعض المدن والقرى الواقعة على خط التماس سابقاً مع قوات النظام في ريف إدلب الجنوبي وحماة واللاذقية، ومعاناة أهلها مع خطر الألغام، بما في ذلك الفاتورة البشرية والمعيشية والبيئية التي تدفعها جراء ذلك، وتأثيرها على حاضر ومستقبل عودة السوريين المهجرين إلى تلك المناطق.

عبر إحصاء عشرات حالات الوفيات والإصابات في تلك المنطقة باستخدام المصادر المفتوحة وقواعد بيانات من منظمات مستقلة، وتحديد مواقع جغرافية تقريبية، وتتبع أنماط تلك الحوادث، يخلص التحقيق إلى أن المناطق الزراعية كانت أحد أبرز أهداف عمليات التلغيم في خط التماس ضمن منهجية متعمدة لإحداث أضرار بشرية ومادية وبيئية طويلة الأمد وضخمة الأثر.

يخلص تحقيقنا إلى أنّ مساحات قدرها فريق التحقيق، تبلغ 13,700 هكتاراً من الأراضي الزراعية والمدنية معرضة لخطر الألغام طبقاً لنمط التلغيم في بعض مناطق خط التماس.

ووفقاً لهذا التحقيق الاستقصائي، فإن تكلفة إزالة الألغام في هذه المنطقة وحدها، تصل إلى 137 مليون دولار أمريكي (حوالي 15.2 مليار ليرة سورية جديدة) وفق سعر الصرف الرسمي.

كما أجرى فريق التحقيق، جولات ميدانية في ريفي حماة واللاذقية، مكنتنا من توثيق أبرز أنواع الألغام المنتشرة في تلك المنطقة، والتي تعود بمعظمها إلى الصناعة السوفييتية التي كانت بحوزة جيش النظام المخلوع، وتستهدف المدنيين والمركبات المدنية والعسكرية على حد سواء.

إذ ترتبط مأساة الألغام بشكل وثيق بأربعة عشر عاماً من الحملة العسكرية التي مارسها النظام السوري السابق ضد المعارضة ما بين 2011 و2024، وبالمعارك وتبادل السيطرة على مناطق واسعة من البلاد ما بينه وبين قوات المعارضة المسلحة، خصوصاً في ما عُرف في وقت لاحق بـ”خطوط التماس”.

أمام هذا المنزل المدمر والمحاط بالأنقاض في قرية عكو بريف اللاذقية انفجر لغم بالطفلة جنى رجبو – سراج

خط التماس: منهج العقاب الجماعي

تشمل مناطق ما كان يعرف بـ “خط التماس” جنوب محافظة إدلب ومساحات واسعة من ريف حلب الشرقي ثم جبل الزاوية في ريف إدلب امتداداً إلى جبال الأكراد والتركمان غرباً في ريف اللاذقية وامتدادها مروراً بشمال سهل الغاب في ريف حماة. 

وهي تضم عشرات المدن والقرى، مثل معرة النعمان والبارة وكفرنبل في ريف إدلب، وقسطون والعنكاوي والزيارة والسرمانية في ريف حماة، وعكو في ريف اللاذقية. كانت هذه المناطق على مدى سنوات، وتحديداً منذ تشكل ملامح “خط التماس” في بدايات عام 2020، هدفاً واضحاً لعمليات التلغيم من قوات نظام الأسد، والتي تسببت في مئات الوفيات والإصابات إلى حين سقوط ذاك النظام. واليوم، يواجه العائدون المحنة ذاتها التي تمنعهم من الاستقرار في قراهم التي هُجروا عنها لسنوات.

لفهم واقع هذه المنطقة بشكل أعمق، عمل فريق “سراج”، ومركز مرونة المعلومات (CIR)، على البحث باستخدام المصادر المفتوحة عن حالات وفيات وإصابات جراء الألغام تم توثيقها من جهات مدنية وإنسانية متعددة في مناطق خط التماس في محافظات إدلب وحماة واللاذقية، إضافة إلى معاينة قواعد البيانات في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، وهي منظمة أمريكية مستقلة غير ربحية تُعنى بتوثيق بيانات النزاعات المسلحة حول العالم. 

بناء على هذا البحث، استطاع فريق التحقيق إحصاء 75 حالة وفاة وإصابة جراء الألغام حصلت ما بين كانون الثاني/يناير 2020 إلى نهاية العام 2024 الذي شهد سقوط نظام الأسد، وهي رأس جبل الجليد الكارثة التي تسببت بها الألغام في السنوات الماضية. 

بحسب قائد عمليات فوج الهندسة، في الفرقة 80 بوزارة الدفاع السورية، ميسرة الحسن، فإن أعداد الوفيات والإصابات الناتجة عن الألغام في مناطق خط التماس هذا، ما بين العامين 2020 و2024، تُقدر بحوالي 15 ألف حالة.

خريطة توضيحية للمناطق التي عاينها هذا التحقيق في محافظات إدلب وحماة واللاذقية – Google Maps

ساعدنا الإحصاء المبني على المصادر المفتوحة، وبيانات منظمة (ACLED) على رسم خريطة للمدن والقرى التي شهدت حالات موثقة ومُعلن عنها لضحايا الألغام، وتشكيل فهم أوسع لأنماط الاستهداف التي كانت تعيشها تلك المنطقة باستخدام عمليات التلغيم، والمتضرر الأكبر منها وهم المدنيون.

تظهر الحالات التي عاينها فريق التحقيق، أن الألغام تسببت بوفاة 58 مدنياً، بينهم ثلاثة متطوعين كانوا يعملون على إزالة الألغام، وإصابة 8 آخرين. هذا بالإضافة إلى تدمير آليات لمنظمة الخوذ البيضاء (الدفاع المدني حالياً) أثناء قيامها بأعمال إغاثية في تلك المناطق.

حالات الوفيات والإصابات التي تمت معاينتها أظهرت نمطاً واضحاً ومتكرراً في مناطق خط التماس: الألغام تنتشر بكثافة في الأراضي الزراعية. وهو النمط الذي أدى بشكل مباشر لمعظم الوفيات والإصابات الجسيمة التي أصابت سكان تلك المناطق، حيث يتوجه المزارعون إلى أراضيهم لزراعتها ليلاقوا مصيرهم المشؤوم نتيجة لغم.

تحذير: تحتوي بعض الروابط في الخريطة على صور قاسية لوفيات وإصابات نتيجة الألغام، يرجى أخذ الحذر.

هذا النمط الذي لاحظناه ووثقناه ليس محض صدفة. في مقابلة مع “سراج”، قال مؤيد النوفلي، مدير العمليات في منظمة “هالو تراست” غير الحكومية والمتخصصة في إزالة الألغام، إن “النظام السوري كان يجري عمليات التلغيم بهدف حماية قواته وإيذاء المدنيين بشكل مباشر”، ولذلك فإنه كان يعمد لاستهداف كل المنشآت المدنية، مثل المدارس والأراضي الزراعية، في مناطق خط التماس.

ويؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، هذه الرؤية، مضيفاً أن النظام كان يعمل على تلويث الأراضي الزراعية بالألغام لإضعاف سبل العيش والإنتاج أمام السكان، وكوسيلة عقاب جماعي. وفوق ذلك، كان يترك تلك المناطق بدون خرائط لعمليات التلغيم أو إشارات تحذيرية، بهدف مضاعفة الإصابات بعد فقدان السيطرة عليها.

بدوره يشدد عبد الرزاق قنطار، مدير إدارة دعم الضحايا في المركز الوطني السوري لمكافحة الألغام في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية في مقابلة مع “سراج”، على الخطر الكبير الذي تعج به الأراضي الزراعية في مناطق خط التماس سابقاً، محذراً من  أنها من أشد المناطق تلوثاً بسبب عمليات التلغيم الكثيفة التي شهدتها.

التلغيم العشوائي والانتقام المستمر

سياسة الانتقام بعد فقدان السيطرة، والتي أشار إليها عبد الغني، أودت بحياة آلاف السوريين، وتسببت للآلاف غيرهم بإعاقات جسدية قد تلازمهم مدى الحياة. إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 3,485 شخصاً، بينهم 872 طفلاً، نتيجة انفجار الألغام الأرضية ما بين آذار/مارس 2011 وبداية العام الجاري. 

أما منذ سقوط الأسد تحديداً، فأودت الألغام، بحسب عبدالرزاق قنطار، بحياة بحياة 607 أشخاص بينهم 177 طفلاً، إضافة لإصابة 1,087 شخصاً بينهم 443 طفلاً، بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 و16 كانون الثاني/يناير 2026.

من هؤلاء المصابين المزارع محمد مرعي مظان الذي أصيب نتيجة انفجار لغم في أرضه الزراعية بالقرب من قرية الزيارة شمال سهل الغاب في محافظة حماة في كانون الأول/ديسمبر 2025.

مظان الذي عادة ما يزرع أرضه المستأجرة بالحنطة والخضروات لإعالة عائلته المكونة من زوجة وستة أولاد تتراوح أعمارهم ما بين عامين وخمسة عشر عاماً، تعرض للإصابة بعدما قام بسحب خيط غريب أسود اللون في أرضه خشية أن يعلق بآلة الحصاد، ما أدى لانفجار اللغم المزروع على بعد مترين ونصف المتر. إذ أدت الشظايا إلى إحراق جانبه الأيمن، متسببة بتشوهات وحروق في الوجه والذراع وفقدان البصر في العين اليمنى، إضافة إلى ضرر في عينه اليسرى، وهي إصابات لا زالت تعيق قدرته على العمل حتى اليوم.

ويوضح مظان أن أرضه تقع بالقرب من مقرات عسكرية كانت تتبع لجيش النظام المخلوع، وأن الحادثة شكلت صدمة له لأن المنطقة كان قد نُزعت منها الألغام سابقاً وتمت حراثة الأرض من قبل. مضيفاً أن نزع الألغام تم من قبل “متطوع من قرية السرمانية استُشهد بلغم هو الآخر”.

يزور المزارع الذي يبلغ من العمر 47 عاماً الطبيب بشكل أسبوعي لمعالجة عينه اليسرى، بعدما تم إجراء عملية أولى له. كما يعاني من آلام مستمرة بسبب بقائه في الفراش لأكثر من شهر عقب إصابته. لكن حالة مظان، كما يؤكد، ليست فريدة في المنطقة. ففي “أيام النظام انفجر لغم بمزارع وأدى لاستشهاده”.

الفاتورة البشرية التي يدفعها الضحايا مثل الطفلة جنى رجبو والمزارع محمد مظان هي نتيجة لسياسات التلغيم العشوائية التي اتبعها النظام السوري وحلفاؤه، والتي لا تهدف سوى للتدمير الواسع، بحسب ما يؤكده مدير العمليات في منظمة “هالو تراست”، مؤيد النوفلي. 

ويوضح النوفلي أنه “لم يكن لدى النظام أي منهجية واضحة لزراعة الألغام. بالإضافة إلى أن القوات الروسية قامت أيضاً بزراعة بعض حقول الألغام، وكذلك الميليشيات الإيرانية واللبنانية مثل حزب الله. واللافت أنه لم يكن تنسيق بين هذه الجهات في زراعة الألغام، وهذا هو التحدي الكبير الذي نواجهه”.

الموت باللغم الروسي

في 30 أيلول/سبتمبر 2015، نفذ الطيران الروسي أول ضربة جوية له في سوريا، إيذاناً ببداية تدخل روسيا العسكري المباشر بطلب من رئيس النظام المخلوع بشار الأسد. وقد أودت الحملة العسكرية الروسية بحياة 6,993 مدنياً، بحسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان في العام 2025. 

لكن موسكو لم تكتف بالتدخل الذي قلب لسنوات كفة المعارك لصالح النظام المخلوع، بل جربت العديد من الأسلحة وجعلت من المدنيين السوريين ميداناً لتجاربها، بحسب تصريحات للرئيس فلاديمير بوتين الذي تفاخر فيها بأن “الخبرة” التي اكتسبها الجيش الروسي في سوريا ساعدت في تطوير العديد من الأسلحة الروسية.

سقوط النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر 2024 كان نقطة النهاية للتدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا. إلا أن الألغام التي لطالما زودت بها روسيا جيش الأسد واستعملتها قواتها في عمليات التلغيم لا زالت تقتل السوريين حتى اليوم.

من خلال جولاتنا الميدانية برفقة متطوعين وعاملين في مجال إزالة الألغام في قرى العنكاوي و الزيارة والسرمانية في ريف محافظة حماة، وقرية عكو ومناطق جبل الأكراد في محافظة اللاذقية، وبالبحث في المصادر المفتوحة، جمع فريق التحقيق عشرات الصور والفيديوهات الألغام منتشرة بكثافة في الأراضي الزراعية والتي تُرى بالعين المجردة، بعضها كان مغموراً بالتربة ويصعب رؤيته وبعضها كان واضحاً للعيان، ووجدنا عليها كتابات ورموز باللغة الروسية. 

كما عرض علينا سكان تلك المناطق بقايا ألغام انفجرت بالفعل أو تم إزالتها من قبل متطوعين وفرق الإزالة في وزارة الدفاع. لم يكن من السهل معرفة أنواع هذه الألغام وحجم الضرر الذي يُمكن أن تسببه على المدنيين والبيئة. تمت أرشفة تلك الصور ومقاطع الفيديو وقاطعناها مع صور ومقاطع فيديو من مناطق أخرى في ريف إدلب، وتبين وجود نمط متكرر في التلغيم ونوعية الألغام وحجم الضرر الناتج عنها.

بعد ذلك، عرضنا تلك الصور ومقاطع الفيديو على خبير في الأسلحة والألغام لتحديد أنواعها واستخداماتها بشكل واضح. ومن خلال المعاينة، تبين أن معظم الألغام التي قمنا بتوثيقها هي من صناعة عسكرية سوفييتية، لكنها تختلف بالحجم والغرض ونوعية الانفجار الذي تحدثه.

طبقاً للخبير، فإن أحد الألغام التي قمنا بتصويرها في أرض زراعية بقرية عكو، قريباً من موقع إصابة الطفلة جنى رجبو، هو لغم سوفييتي من طراز OZM-72. وهو لغم مضاد للأفراد، يتميز بأنه لا ينفجر فور تفعيله بل يمتلك آلية ميكانيكة تقذفه في الهواء لينفجر وينشر الشظايا على مسافة واسعة، وهو ما يجعله قادراً على إحداث إصابات عديدة.

لغم سوفييتي من طراز OZM-72 في أرض زراعية بقرية عكو بريف اللاذقية – سراج

وتظهر صور أخرى من جولتنا في ريف اللاذقية وجود ألغام سوفيتية من طراز POM-2. وهي أيضاً ألغام مضادة للأفراد تتميز بشكلها المروحي. إذ تخرج من اللغم أسلاك بلاستيكية يترواح طولها بين 9.5 إلى 10 أمتار تسمى “أسلاك التعثر”، ويتفعل اللغم فوراً عندما يتعثر شخص أو يدوس على السلك، لينفجر ناشراً شظاياه على مسافة واسعة في آلية شبيهة باللغم السابق، تهدف لإحداث أكبر عدد ممكن من الإصابات.

لغم سوفييتي من طراز POM-2 في أرض زراعية بقرية عكو بريف اللاذقية – سراج

كما يظهر أحد الفيديوهات المتوفرة في المصادر المفتوحة من عمليات تفكيك الألغام في جبل الزاوية وأحراش قرى البارة وكفرنبل، عشرات الألغام من طراز TM-62M المضاد للدروع سوفييتي الصنع، والذي يستخدم عادة ضد الدبابات والمدرعات العسكرية. 

إلا أن وجود هذه الألغام في الأحراش الزراعية جعل منها خطراً هائلاً على المزارعين الذين يستخدمون آلات الحصاد أو سياراتهم في الطرق الزراعية، كون هذا اللغم ينفجر تحت ضغط يتراوح بين 150 و550 كيلوغراماً لتفعيل الصاعق التقليدي. وتزداد خطورة هذا اللغم في حال كان مزوداً بصواعق ثانوية أكثر حساسية، ما يجعله معرضاً للانفجار تحت درجات أقل بكثير من الضغط أو الحركة.

فيديو يظهر تفكيك عشرات الألغام من طراز TM-62M في البارة وكفرنبل بمحافظة إدلب – فيسبوك

في إحدى صوره خلال عمليات إزالة الألغام، ظهر المدرس السوري فهد الفجر ووراءه ثمانية ألغام من طراز PMN-3 روسية الصنع. ويعتبر هذا اللغم المضاد للأفراد من الألغام المصنعة خصيصاً لعرقلة عمليات الإزالة، كونه مزوداً بآليات مضادة للمس وآلية تدمير ذاتي تجعله من أخطر الألغام المضادة للأفراد.

صورة للمتطوع السوري فهد الفجر أثناء إزالة ألغام روسية من طراز PMN-3 في جبل الزاوية بريف إدلب – فيسبوك

المتطوع السوري، والذي كان أستاذ مدرسة وعضواً في منظمة “غصن زيتون” فقد حياته في 21 شباط/فبراير 2025 أثناء عمله التطوعي في إزالة الألغام في قرية فطيرة بريف إدلب الجنوبي.

كارثة بيئية

تضع سياسة تلغيم الأراضي الزراعية آلاف السوريين في مناطق خط التماس ليس فقط أمام الخطر المباشر من الموت أو الإصابة جراء انفجار الألغام، بل كذلك أمام معضلة التعامل معها. فرغم كل عمليات التفكيك التي جرت منذ سقوط نظام الأسد، إلا أن الكثير من المناطق الزراعية لا زالت تعج بالألغام. وحتى في حالة تفجير الألغام عن بعد أو باستخدام كاسحات الألغام، فإن الضرر البيئي الذي يصيب التربة والضرر المعيشي الناتج عن ذلك يعمقان مأساة المزارعين في تلك المناطق.

في ردها على أسئلة فريق التحقيق حول تبعات انفجار الألغام على الأراضي الزراعية، أوضح متحدث من وزارة الزراعة السورية، أن لذلك آثاراً مباشرة وأخرى طويلة الأمد قد تمتد لسنوات، ولربما عقود إذا لم يتم التعامل معها بدقة.

وتشمل الآثار المباشرة لانفجار الألغام أو تفجيرها، بحسب الوزارة،  تفكك بنية التربة نتيجة موجات الصدمة عقب الانفجار، إضافة لفقدان الطبقات السطحية الخصبة التي تضم أهم المواد العضوية. كما قد تؤدي إلى ترسب المواد المتفجرة والشظايا المعدنية وموت الأحياء الدقيقة في التربة، والتي تعد مهمة جداً لنمو المحاصيل.

تعج قرية العنكاوي في سهل الغاب بريف حماة الشمالي بالتحذيرات من حقول الألغام المنتشرة بين الأراضي الزراعية – سراج

أما على المدى الطويل، فقد تؤدي الألغام إلى تدهور جودة التربة بشكل كبير مع تضاؤل المواد العضوية فيها وتراكم مركبات سامة قد تقضي على فرص نمو النباتات والمحاصيل الزراعية.

لكن خطر الألغام لا يقتصر على التربة فقط، كما يحذر الدكتور معن دانيال داود، الباحث المختص في إدارة واستثمار الموارد المائية، بل قد يمتد لتلوث المياه الجوفية والسطحية في المناطق الزراعية، ما قد يؤدي لتسمم النباتات والحيوانات. مضيفاً في مقابلة مع “سراج” أن بعض الألغام قد تتسبب بتلوث مياه الشرب أو السقاية، كون بعضها يحتوي مواداً تهدف لإخراج الموارد المائية عن الخدمة. 

بدورها، حذرت وزارة الزراعة من أن بعض المواد المتفجرة مثل “تي. إن. تي” (TNT) قد تبقى مستقرة لسنوات طويلة بشكل جزئي في المياه والتربة إذا لم تخضع لمعالجة حيوية مناسبة.

وفوق الأضرار المباشرة للتربة في حال انفجار الألغام، لا زالت هذه الأخيرة تبعد آلاف المزارعين عن أراضيهم في العديد من المناطق، مثل قرية العنكاوي شمال سهل الغاب في محافظة حماة. إذ تعج القرية بتحذيرات من انتشار الألغام على جدران المنازل وحدود الأراضي الزراعية.

كما تظهر المشاهد الجوية من القرية المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية التي لا يستطيع أصحابها الاقتراب منها نتيجة خطر الألغام. ويهدد هذا الإبعاد القسري معيشة المزارعين وخصوبة أراضيهم التي تركت لفترات طويلة من دون حراثة أو معالجة.

باستخدام حسابات المساحة في تطبيقات الأقمار الصناعية، وتبعاً لنمط تلغيم الأراضي الزراعية والمناطق السكنية، قدر فريق التحقيق أن 13,700 هكتاراً من الأراضي الزراعية والمناطق المدنية في ريف إدلب وشمال سهل الغاب وريف اللاذقية عرضة لخطر الألغام أو ما يعادل حوالي 19,200 ملعب كرة قدم. وتعادل هذه المساحة حوالي 10% من إجمالي مساحة سهل الغاب التي تبلغ 141 ألف هكتاراً، وتعتبر من أضخم المناطق الزراعية في سوريا ككل.

في قرية عكو بريف اللاذقية، اضطر المزارعون لإحراق عشرات الأشجار في أراضيهم خوفاً من الألغام، ما أدى إلى انفجار العديد منها، وكون ذلك السبيل الوحيد للتخلص منها، بحسب المزارع أبو عادل.في حديثه لـ”سراج”، يعبّر المزارع ابن القرية عن حزنه، إذ إن “هذه الأشجار صمدت لسنوات بعد نزوحنا، وها قد عدنا لنحرقها اليوم بسبب الألغام التي تحتها عوضاً عن العناية بها”.

هذه الاجتهادات اليائسة من المزارعين ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة عجز كبير يحيط بملف الألغام في سوريا اليوم، رغم الجهود التطوعية الكبيرة من العديد من الأفراد والمنظمات المحلية والدولية.

منكوبون بلا سند

منذ إصابته باللغم الذي أفقده البصر في عينه اليمنى وعرقل حركته، يعيش المزارع محمد مرعي مظان وزوجته وأطفالهما الستة بلا أي مصدر دخل، في وقت صار يتوجب عليه أيضاً توفير  تكاليف الأدوية الضرورية التي يحتاجها عقب إصابته، والتي تصل إلى 450 ألف ليرة سورية (حوالي 40 دولاراً) أسبوعياً، إضافة لتكلفة إسعافه والعملية الجراحية المستعجلة التي أجراها ووصلت إلى 3,200 دولار.

“في هذه المنطقة نعتمد على الله والزراعة، ولا مصدر دخل آخر لنا”، يقول لفريق “سراج”، لافتاً إلى أنه لم تزره أي جهة معنية بقضية الألغام منذ إصابته، فيما يعتزل هو العالم الخارجي وبالكاد يخرج من المنزل منذ إصابته، ويرتدي قفازاً ونظارات ووشاحاً لتغطية التشوهات الناتجة عن الإصابة.

يعيش المزارع محمد مظان بلا مصدر دخل منذ إصابته بانفجار لغم في كانون الأول/ديسمبر 2025 – سراج

أما في قرية عكو التي عادت إليها 20 عائلة كانت قد نزحت من هجمات النظام المخلوع، يتجمع رجال القرية لشرب القهوة بالقرب من المدرسة، ولا حديث لهم سوى الألغام. إذ لا زال المزارعون يعانون يومياً من الخطر الذي يعرقل كل سبل الحياة الطبيعية أمامهم.

في حديثه لـ “سراج” أمام ركام منزله المتهالك، يشرح المزارع خالد سندو، صعوبة العيش بين الألغام. “السيارة جاهزة دائماً لإسعاف المصابين. أنا أسعفت في سيارتي أربع مصابين من القرية فقط”. ويضيف أن وعورة الطرق المتهالكة تجعل الوصول إلى أقرب مركز طبي مهمة شاقة قد تستغرق ساعتين.

أما بشأن المدرسة التي تظهر عليها عمليات ترميم حديثة، فيقول سندو: “أقاموا هذه المدرسة لتسع قرى”. لكن “أنا الذي أعيش على بعد مائتي متر لا أجرؤ على إرسال أطفالي إليها بسبب الألغام، فمن سيرسل أطفاله إلى المدرسة في مثل هذه الأوضاع؟”

فيما يقول المزارع أبو عادل إن المنظمات التي تعمل على ترميم القرى والمنازل المدمرة رفضت العمل في قريتهم بسبب وجود الألغام. “منذ عودتنا استشهد شخص وأصيب سبعة بالألغام، ومن يعلم كم شخصاً سيُقتل ويصاب مستقبلاً”.

ويضيف أن فرق الهندسة التابعة لوزارة الدفاع تستجيب لجميع بلاغات الألغام وتقوم بتفكيكها، إلا أنها لم تقم بمسح شامل للقرية، عدا عن أن “معداتها قديمة وليست قادرة على كشف جميع الألغام”.

غير أن المعدات القديمة ليست وحدها العائق أمام ملف إزالة الألغام في سوريا. فالعملية معقدة وبحاجة لسنوات من العمل وتمويل ضخم بحسب وزارة الزراعة السورية، مؤكدة لـ”سراج” أن تكاليف إزالة الألغام من الأراضي الزراعية تتراوح بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف دولار للهكتار الواحد.

طبقاً لهذه المعطيات حول تكاليف ازالة الالغام، فإن عمليات تنظيف المساحات الزراعية في منطقة البحث في تحقيقنا تتراوح بين 41 إلى 137 مليون دولار أمريكي.

المزارع خالد سندو يرفع بقايا لغم انفجر قرب أرضه في قرية عكو بريف اللاذقية – سراج

كما إن عمليات الاستصلاح للأراضي المتضررة من الألغام تحتاج لمراحل من الإزالة والمعالجة البيئية للتربة ثم إعادة التأهيل الزراعي. وهو ما تؤكد الوزارة عدم قدرة المزارعين على القيام به من دون دعم. 

أما في حالة عدم استصلاح الأراضي، فقد يستمر أثر بعض المواد المتفجرة والسمّية خصوصاً في التربة الفقيرة إلى فترات تتراوح بين 20 إلى 40 عاماً.

من جهته، قال ميسرة الحسن، قائد عمليات فوج الهندسة، في الفرقة 80 في وزارة الدفاع، إن الحكومة السورية تلقت وعوداً بالدعم من منظمات دولية لإزالة الألغام وكذلك من الأمم المتحدة التي تعمل على توسيع نطاق عملياتها لإزالة الألغام في سوريا، إلا أن تلك الوعود لم تترجم إلى الآن.

وما بين الوعود المحلية والدولية، لا زال سكان المناطق الملوثة يعيشون في خوف يومي ويأس نتيجة غياب الدعم المطلوب لقضيتهم. ويتذكر المزارع خالد سندو، بحسرة أسماء بعض ممن أسعفهم ولم يحالفهم الحظ بالنجاة.

يقول: “ماذا ينتظرون؟ هل يريدون منا أن نزيل كل هذه الألغام بأجسادنا؟ كل أسبوع تقريباً يصاب شخص بالألغام، وعلى هذه الحالة قريباً إما أن نُقتل جميعاً أو نُفجر جميع الألغام”.


  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
  • تم إعداد هذا التحقيق بدعم من منظمة مركز مرونة المعلومات (Centre for Information Resilience – CIR).

اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات