Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

وثائق من داخل نظام “التوظيف السري” لحرّاس سجن صيدنايا

تظهر مجموعة من الوثائق المصوّرة من داخل سجن صيدنايا (المسلخ البشري) عقب سقوط نظام الأسد، مجموعة من القواعد والبروتوكولات الروتينية التي كانت بمثابة شروط على من يتم توظيفه كحارس داخل السجن، وذلك لضمان أعلى معايير السرّية والتكتم على ما يحدث داخل الزنازين من انتهاكات وفظائع.

أثناء زيارة فريق “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج الى سجن صيدنايا في كانون الثاني/ يناير 2025، التقط الفريق صوراً لمجموعة من الوثائق ملقاة على الأرض في ساحة السجن، كانت الوثائق مبللة جزئياً بالمياه و متوشّحة بالسواد والأتربة، وعلامات تركتها أحذية من مروا عليها ولم يلقوا لها بالاً.

وثيقة عمل وتعهد للعمل كحارس في سجن صيدنايا - سراج

وثيقة عمل وتعهد للعمل كحارس في سجن صيدنايا – سراج

كانت الوثائق ملقاة ومبعثرة في كل مكان ضمن بهو السجن، وكانت عبارة عن تعهدات خطية مرقمة ومؤرخة وممهورة بتوقيع إداريين وسجانين بأسمائهم الصريحة وألقابهم العسكرية، تحوي كل واحدة منها بصمة “الموظف” ورتبته وتحمل عنوان “وثيقة عمل وتعهد”، والإخلال بها يترك “الموظف” تحت طائلة “المسؤولية القضائية”، ويوقع على الورقة مدير السجن محمود أحمد معتوق، الذي مات عام 2018 في “ظروف غامضة”.

وثيقة عمل وتعهد للعمل كحارس في سجن صيدنايا – سراج.

هذه “المؤسسة”، أي سجن صيدنايا، انهارت يوم سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتحطيم الزنازين وخروج المعتقلين الباقين، في مشاهد دخلت تاريخ سوريا المعاصر، مؤسسة عمل فيها وأدارها كثيرون لا نعلم مصائرهم بدقة، بعضهم ما زال متوارياً، وبعض آخر ترك سوريا، فيما ألقت السلطات السورية القبض على مجموعة منهم.

أوراق ومستندات في أرشيف سجن صيدنايا- تصوير: مصعب الياسين – سراج

أطلقت منظمة العفو الدولية عام 2021 على سجن صيدنايا اسم “المسلخ البشري”، في تقرير يكشف الفظاعات والانتهاكات التي كانت تحصل داخل أسواره، والتي ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية. يلخص أحد مشغلي ماكينة القتل هذه “عمله” ضمن تقرير منظمة العفو الدولية السابق قائلاً: “كنا نضعهم [المعتقلين] في زنزانات الانفرادي كي نزرع في نفوسهم الرهبة والخوف منا منذ البداية. بدأنا هذه الممارسة بعد الثورة، إذ كنا نريد أن نجعلهم يدركون أنهم قد أصبحوا الآن سجناء، وأنهم أضحوا تحت نعالنا بعد ذلك”.

“أضحوا تحت نعالنا” هي العبارة التي تلخص عملية نزع الإنسانية عن المعتقل، وتحويله إلى كتلة من ألم إثر التعذيب والاستعداد للموت، وما وثقته شهادات الناجين من سجن صيدنايا يتناقض مع الواقع ويكشف أسلوب إدارة السجن و”موظفيه” وتقنية تفادي المسؤولية، إذ تكشف “التعهدات” التي التقط فريق سراج صوراً لها، التناقض بين  “التعهدات” وسلوك السجانين الذي تمتلئ بوصفه التقارير الحقوقية ووكالات الأنباء على ألسنة الناجين، كالمعتقل السابق أ.م، الذي اعتقل لمدة 7 سنوات، وأمضى الفترة بين عامي 2014 و2015 في سجن صيدنايا الأحمر، والذي اطلع على ورقة “التعهدات” وابتسم قائلاً: “كل ما في هذه التعهدات تم تطبيق عكسه”!.

سور ومَحرس الحائط الجنوبي لسجن صيدنايا – سراج

كل تعهد يتألف من 13 بنداً، يُوقع عليها الموظف، وتقسم إلى قسمين، الأول يتعلق بالتعامل مع “الموقوفين”؛ الكلمة التي تصف الموجودين في السجن العسكري، وتتضمن عدم الشتم والإهانة وعدم شتم الأديان أو “الإقدام على أفعال تحقير إنسانيته” (ويُضرب هنا مثالان: “التنكيل به” و”إطفاء سيجارة بجسده”، كما عدم مس الطعام أو الحديث مع “الموقوفين”.

يقول أ.م: “كان يتعامل معنا كحيوانات، أقل من بشر، نُضرب ونُشتم، ونُقتل بدم بارد، على الأقل ما شهدته أنا بعيني، السجائر تطفأ في كل أنحاء جسد المعتقل، والقتل كان أسهل من شرب الماء. أما بخصوص الطعام،  فكان السجان يدخل المهجع المكتظ، يرمي البرغل أو الرز على الأرض مع الشاي ليختلط بالدماء على الأرض، ثم يخلطه بحذائه أمام أعيننا، ناهيك بأننا كنا شديدي العطش، وكان الطعام مليئاً بالملح، مع ذلك نحاول أكله. وبالنسبة الى الدواء، كان السجان يدخل، يرمي ثلاث حبات مسكن ألم لعشرات المعتقلين المكدسين، نحاول تقاسمها علها تخفف مما نحن فيه”.

اللافت، بل وحتى الساخر، هو التأكيد على عدم إطفاء سيجارة في بدن المعتقل، ملاحظة كهذه وضرورة الإشارة إليها بوضوح ضمن التعهدات، لا تعنيان فقط أن هذه الممارسة حاضرة، بل مكررة بشكل تستدعي التنبيه والتعهد بعدم ممارستها، الأمر ذاته مع عدم “تحقير الإنسانية” التي تكشف أنها مجرد كلمة تقال ولا تطبق، حسب ما نقرأ في شهادة الحارس التي أوردتها منظمة العفو الدولية “أمنستي”، إذ إن الهدف أن يغدو المعتقل “تحت نعال” السجانين.

يضيف أ.م : “هناك تقيُّد تام بالتعليمات في سجن صيدنايا، تقيّد بتعذيب المعتقلين وقتلهم بشكل ممنهج، بحيث لا ينجو أحد، ومن ينجو جسدياً، لا ينجو نفسياً، إذ لم يكن هناك حدث سوى شتم الأم والأخت والعرض، إهانات بكل أنواعها على مدار الساعة، لم تخلُ ثانية من الإذلال ونزع الإنسانية عنا نحن المعتقلين”.

يتابع أ.م: “لا يتوقف الأمر على الإهانة الشخصية والإذلال بل يتعمد إهانة الدين والمعتقدات، حين كنا تحت التعذيب، ويقول أحدنا مشان الله أو والله العظيم، يرد السجان، الله غير موجود داخل هذا السجن… أنا ربك وأنا أقرر موتك أو حياتك”.

القسم الآخر من التنبيهات، يتعلق بعدم إفشاء ما يحصل داخل السجن،  أو دخول أي جهاز يمكن أن يسجل أو يرصد ما يحصل داخلاً،  لكن أيضاً، هناك تعهد بنوع من أنواع الوشاية، كما في التعهد رقم 9 الذي يؤكد “الإبلاغ الفوري عن أي ملاحظة أو مشاهدة مريبة تمس بنظام السجن مهما كان الشخص الذي بدرت منه”. بصورة ما، الجميع يراقب الجميع في المسلح، وكلمة “مريبة” هنا غامضة، فهل تعني  مثلاً، مساعدة المعتقلين؟ أو التعاطف معهم؟

الباحة الرئيسية لمدخل سجن صيدنايا – سراج

عرضنا صور الوثائق على ياسر  شالتي، المحقق المتخصص بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، الذي شرح أن هذا التعهد تقنية لحماية الضباط الكبار من المساءلة في حال دخلت لجان دولية أو متابعة قضائية، إذ يوضح: “يتم رمي التهم على من يخالف  المنصوص عليه، أي العناصر، لكن المفارقة أن من يلتزم بهذا التعهد هو من يُعاقب! يتضح ذلك في المادة التاسعة مثلاً وحسب ما تكشف شهادات الناجين من سجن صيدنايا، أن من يتعامل بطريقة بشرية مع أي موقوف يتم التبليغ عنه الضباط الأعلى رتبة لا العكس!”. الباحة الرئيسية لمدخل سجن صيدنايا – سراج

مفارقة “السلوك الحسن”

تتركنا هذه الوثائق التي تؤرخ نظام إدارة هذا السجن أمام مفارقة مرعبة، كل بند من هذه التعهدات يظهر في شهادات الناجين كفعل يومي، لا كاستثناء بناء على الشهادات التي انتشرت عبر سنين الثورة السورية، كل واحد من التعهدات تم انتهاكه، وهنا السؤال: ما مصير من يلتزم بهذه التعليمات، هل يعتبر مخالفاً للتعهد أم منسجماً مع الأوامر الإدارية في السجن؟

لا نعلم بدقة كيف كان السجانون يتعاملون مع هذه الورقة، التي تحوي التعهدات، هل يتم التعامل معها بشكل جدّي، خصوصاً أنها تنص على مسؤولية قانونية، يمكن أن تستمر إلى الآن، ناهيك بأن سجن صيدنايا، أو “السجن العسكري الأول” وفق المسمى الرسمي، هو منشأة عسكرية تخضع لقانون العقوبات العسكريّة، ونشير إلى هذا الشأن كون العدالة الانتقالية في سوريا ما زالت معطلة ومن تتم محاكمتهم يخضعون لقوانين العقوبات التقليدية، لا تلك الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيّة.

الحق بالادعاء الشخصي 

تفتح هذه الوثائق، التي تحوي أسماء جنود و بصمات أصابعهم، الباب أمام حق الادعاء الشخصي،  وإمكانية التقاضي أمام القضاء التقليدي، خصوصاً أن أسماء السجانين واضحة في بعض الوثائق. في الوقت ذاته، تكشف عن مخالفة لقواعد السجن الداخليّة، ولو كانت في هذه العبارة مفارقة، لكننا أمام تعهد قام به عسكري أثناء أدائه “وظيفته”.

يعلق ياسر شالتي قائلاً إن “النظام السوري كان يحرص على أن تكون الوثائق التي ينتجها بأعلى جودة ممكنة، وتغطي كل شيء، إذ لا يفضح نفسه ورقياً، أن النظام ينتج ظاهرياً وثائق توافق القانون، لكن الحقيقة والممارسة هما عكس ذلك، هذه الورقيات هدفها إتمام إجراءات شكلية، لحماية نفسه من المساءلة القانونية”.

في ما يخص العدالة الانتقالية، ودور هذا النوع من الوثائق في مسار التقاضي، يقول شالتي: “هذه الوثيقة تفيد في تقديم دعاوى شخصية، لكن لابد أن نثبت أنّ “الحارس” كان في المكان ذاته، وأنه المسؤول عن تعذيب المدعي الشخصي الذي عليه إثبات ذلك، لكنْ غالباً لا يعرف المعتقلون في سجن صيدنايا أسماء السجانين، الأهم أن مسؤولية الادعاء تقع على عاتق الدولة، لا الأشخاص، على الدولة أن تحرك دعاوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لأن الدعوى الشخصية، وفي حال كان التعذيب تسبب بأذى جسدي لا الوفاة، لا ترتقي عقوبتها إلى مستوى الجريمة التي ارتكبتها منظومة الأسد  والعاملون فيها، ناهيك بأن القانون العسكري السوري ينصّ على عدم معاقبة رجال الأمن أثناء عملهم، وقد يتم توظيف هذا النص لحماية البعض في حال لم تتغير القوانين”.

ما رأي الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية؟

طرحنا مجموعة أسئلة حول الوثائق هذه وقيمتها، على عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، فأجاب:”الوثائق التي عثر عليها وتم تصويرها وبقيت مرمية في مكانها، تعتبر مبدئياً أدلة في حال تم التأكد من صحتها ثم حمايتها من الإتلاف أو التشويه أو الفقدان (عملاً بمبدأ حصانة الدليل وحمايته)، وإلا فإن الصور مبدئياً لا تعتبر دليلاً ما لم تؤيد بأدلة أخرى”.

يضيف عبد اللطيف: “التعهدات، كما هي، لا تصلح لتحريك دعوى الحق العام بمجرد توقيعها، ولا بد من ثبوت مخالفتها وارتكاب انتهاكات، من تعذيب وإهانة وغيرها، بأقوال الشهود المستمع إليهم أصولاً أمام مرجعية قانونية أو حقوقية معتمدة، لا سيما إذا كانت مقترنة، وهو الأفضل، بتقارير طبية تُبيّن حصول التعذيب، أو بوثائق أخرى. وفي هذه الحالة، تصلح لتحريك الدعوى العامة بحق العاملين السابقين في سجن صيدنايا”. 

أما بالنسبة الى جرائم القتل (لإثباتها) فيلفت عبد اللطيف:”يجب إثبات أن الضحية كان في سجن صيدنايا ، من خلال أقوال الشهود أصولاً أو وثائق السجن أو المستشفيات أو المقابر والفحوص البيولوجية والتقارير الطبية، وأيضاً الصور والفيديوهات وتقارير حقوق الإنسان الموثقة والمدعومة بأدلة، وإلا يعتبر مغيباً قسرياً أو مفقوداً”.

يخبرنا عبد اللطيف: “وفق القوانين النافذة، يتعلق الحق الشخصي بالحقوق الفردية للأشخاص المتضررين (المعتقلين أو ذويهم)، ويحق لهم التقدم بدعوى حق شخصي، فتُجبر النيابة على تحريك دعوى الحق العام، وتكون الدعوى أمام القضاء العسكري، وفق الحالات المذكورة آنفًا. وبعد صدور الحكم واكتسابه الدرجة القطعية، يلجأ المتضرر إلى القضاء المدني للمطالبة بالتعويض، لأن القضاء العسكري لا يبتّ بالحقوق الشخصية”.

ويضيف: “من أصدر الأمر بأخذ التعهد (الرؤساء أو تسلسل القيادة)، وحتى يُلاحق قضائيًا، يجب إثبات العلم، أو السكوت، أو إعطاء الأوامر بالانتهاكات، أو عدم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق المخالفين، وذلك بوسائل الإثبات بكافة”.


  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
  • تم نشر نسخة من هذا التحقيق على موقع درج.

اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات