“تخيّل أن تعيش وتموت بلا وثائق؟”.. أولاد الزواج المدني في سوريا خارج “سيستم” الدولة

دمشق – لجين سليمان ومحمد الواوي

في سوريا، من أراد الزواج بمسلمة وهو مسيحي أو من ديانة أخرى، يكون أمام خيارات جميعها صعبة..

لم يشهر سامر (اسم مستعار)، 37 سنة، إسلامه، مخالفاً شرطاً ملزماً في قانون الأحوال الشخصية السوري حتى يتمكن من تسجيل طفله المولود حديثاً.

تزوج سامر المسيحي من مسلمة في قرى مصياف، بعد علاقة حب استمرت 7 سنوات. وعام 2011، بدأ الرجل البحث عن ثغرات في القانون المدني، تمكّنه من تسجيل طفله مراد، بعد زواج تقبّلته العائلتان من دون اعتراضات جوهرية، على رغم اختلاف الدين، وقد حضر الجميع الزواج في كنيسة مار جرجس الدير، في منطقة عوجة الجب في حلب.

كان سامر على علم بأن تثبيت زواجه لدى المحاكم السورية المدنية، وفي الدوائر الرسمية يتطلب منه إشهار إسلامه، لكن “قراري وقرار زوجتي كان أن لا يحدث ذلك”، يقول الشاب. 

عمد الزوجان إلى تثبيت نسب الأولاد على الطائفة والديانة المسيحية (السجل المدني الخاص بالزوج، فحصلا على إخراج قيد برقم وطني).

وإذ استطاع سامر حل مشكلة تثبيت نسب الأولاد، إلا أنه ما زال وزوجته عازبين وفق سجلات الدولة وعلى أوراقهما الرسمية، ما يعني حرمان الزوجة حقوقها (المهر والنفقة والمسكن)، في حال حصول أي خلاف بين الشريكين، حتى أن بإمكان أحدهما الزواج بشخص آخر، كون زواجهما غير مسجّل في الدوائر الرسمية.

في سوريا، من أراد الزواج بمسلمة وهو مسيحي أو من ديانة أخرى، يكون أمام خيارين، إما التخلي عن دينه وعائلته التي قد تنبذه وتحرمه الميراث مثلاً في حال لم تتقبل الفكرة، كما هو حال الكنيسة التي تخلّت عن عدد من الذين أعلنوا إسلامهم ظاهرياً في المحكمة. والخيار الثاني هو عدم إشهار الإسلام وبالتالي بقاء الزواج من دون تسجيل في المحاكم الرسمية، ما يُبقي الأطفال مجهولي النسب، ويحرم المرأة حقوقها. 

بحسب المادة 28 من قانون الأحوال المدنية، الصادر في المرسوم التشريعي 26 لعام 2007، “يعتبر القانون السوري الطفل الناتج عن زواج مسلمة من مسيحي مولوداً غير شرعي”.

وأكثر من ذلك، نصت المادة 28 على أن يُحظر على أمين السجل المدني، ذكر اسم الأب أو الأم أو كليهما إذا كان الأمر يتعلق بتسجيل ولادة طفل غير شرعي، ما لم يطلب منه صاحب العلاقة ذكر ذلك خطياً.

يؤكد المحامي، محمد سامر مؤيد (مختص بالأحوال الشخصية) لمعدي التحقيق، أن قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953، ينظر إلى زواج المسلمة من مسيحي على أنه باطل و”حكم الباطل والزنا واحد”. 

يحاول حقوقيون ونشطاء تغيير هذا القانون المجحف، ويطالبون بتطبيق الزواج المدني وتعزيز مبدأ علمانية الدولة في الدستور عبر فصل الدين عن الدولة، ويرون أن إجبار المسيحي المتزوج من مسلمة على إشهار إسلامه مخالف للدستور الذي يكفل حرية المعتقد، في حين لا يحق للمسلمة إعلان مسيحيتها. 

“زواج المسلمة من مسيحي لا يسجل رسمياً، إلا في حال أعلن إسلامه، وفي ذلك انتقاص من الدستور. أين المساواة عندما يسمح للبنت المسيحية بالزواج من مسلم لكن لا يحق للمسلمة أن تتزوج من مسيحي؟”، يسأل رئيس المحكمة الروحية لدمشق والمنطقة الجنوبية، أنطون مصلح.

ويزداد الأمر تعقيداً من الناحية الاجتماعية، فكثيراً ما يجابه هذا الزواج إن تم، برفض أهل العروسين والمقربين، حتى وإن أعلن الزوج المسيحي إسلامه أو أقدمت زوجته المسلمة على التعميد في الكنيسة، ويختلف الأمر ما بين مدينة وأخرى، وحتى داخل العائلات ذاتها.

تكشف إحصاءات، اطلع عليها فريق التحقيق، للمحكمة الشرعية في دمشق، عن انتقال مئات المسيحيين من دينهم إلى الدين الإسلامي، بين عامي 2009 و2018.

ويقدّر المجموع الكلي لعدد الذين غيروا دينهم أو مذهبهم في سوريا خلال عشر سنوات بـ2102 شخص.

في هذا التحقيق، وعلى مدار أكثر من سنة ونصف السنة، قابل فريقنا 15 مواطناً سورياً، وهم من ديانات مختلفة، عانوا من تبعات الزواج المدني، ومن حكم زواج مسلمة من مسيحي.

توزّعت الحالات بين دمشق وحلب وطرطوس وبلدات ريف حماة مثل مصياف ومحافظة حمص وريفها ومحافظة طرطوس وريفها مثل صافيتا، إضافة إلى اللاذقية وريفها.

كما وثقنا زيجات عبر الإنترنت لأزواج يعيشون الآن في السويد والبرازيل، وقاسوا المعاناة ذاتها.

“أندر كوفر”..

بعد إتمام الزواج اجتماعياً، يدخل الطرفان في معاناة من نوع آخر، وهي عدم منحهما الأوراق الثبوتية مثل: دفتر العائلة، وعقد الزواج، والقيد المدني (إخراج قيد) الذي يثبت الحالة العائلية وغير ذلك. كما أن مدى توفر هذه الوثائق يختلف بين الحالات التي وثقها التحقيق، وغالباً ما يبقى الأب والأم عازبين في الوثائق الرسمية، ما لم يعلن الأب المسيحي إسلامه.

هنا، يضطر جزء منهم إلى إشهار الإسلام، من دون قناعة تامة بغرض تحصيل حقوقهم وحقوق أطفالهم. 

تضاف إلى ذلك آثار أخرى بعيدة المدى، يتحمّل وزرها الأولاد، إذا يعامل الطفل من أب مسيحي وأم مسلمة على أنه غير شرعي أو “ابن زنا”.

وفق المحامي، محمد سامر مؤيد “لا يترتب على الزواج الباطل أي أثر لجهة المهر والحقوق للزوجة”. 

زار أحد معدي التحقيق أمانة السجل المدني في دمشق، وادعى أنه مسيحي متزوج من مسلمة، ويرغب بتسجيل طفلته لكنه لا يريد إشهار إسلامه.

علم أن بإمكانه تسجيل الطفلة على قيد الأب ونسبه وكنيته من دون أن يسجل الزواج، لكنها تحصل على دين الأم (الإسلام) مع ذكر اسمها وكنيتها، وذلك بعد تقديم طلب إقرار خطي من الأبوين، وستحصل الطفلة على الأوراق الثبوتية مثل إخراج القيد (بيان عائلي) وبطاقة شخصية لاحقاً من دون أن يكون هناك أي إشارة إلى أنها مولودة غير شرعية.

خسارة النسب!

تؤكد المحامية رهادة عبدوش (متخصصة بقضايا المرأة والطفل) من دمشق، أن الطفل الناتج عن زواج مسلمة من مسيحي يخسر نسبه لأنه يسجل على نسب والدته.

القانون يعتبر هذا الطفل غير شرعي، ويعامل معاملة مجهول النسب، فينسب إلى أمه، ويرث منها. 

في المقابل، يُحرم الطفل (بعكس إخوته الذين قد يأتون من زواج آخر مسجّل بشكل عادي) حق الميراث والنسب، لمخالفته قانون الأحوال الشخصية إذ يعتبر زواج المسلمة من غير المسلم باطلاً، وبالتالي لا يخضع لقوانين الزواج ومترتباته.

ترى عبدوش، أنّ القانون يتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية والتعايش، الذي يكرسه المجتمع السوري في حياته اليومية، ومع الدستور السوري، الذي يقول في المادة 33 منه: “المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة”، ومع ذلك لا تستطيع المرأة المسلمة في سوريا الزواج من رجل مسيحي بحسب المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية، في حين تستطيع المرأة المسيحية الزواج من رجل مسلم. 

وهو ما ينفيه القاضي الشرعي، محمود معراوي من دمشق، معتبراً أنه “لا يوجد قانون مطبق مخالف للدستور”.

وفق عبدوش، يحق للمرأة المسلمة أن ترث زوجها المسلم، بينما لا يحق للمسيحية أن ترث زوجها المسلم، لأنه لا يجوز لغير المسلم أن يرث من المسلم، بحسب المادة 264 من قانون الأحوال الشخصية.

كما لا يحق للمسيحي أن يرث من زوجته المسلمة، بسبب اختلاف الأديان، وفق المادة 50 من القانون نفسه، والتي تنص على أن “الزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج الصحيح ولو حصل فيه دخول”. (أي دخول الزوج على زوجته وإقامة علاقة حميمة للمرة الأولى).

حقوق مفقودة 

“تخيل أن يخلق شخص من دون أوراق ويموت بلا أوراق، كيف لك أن تعيش وأنت لست موجوداً، تمشي كأنك خيال لا أحد يشعر بك”، بهذه الكلمات وصفت مها مامو (من أب مسيحي وأم مسلمة سوريين – تعيش في البرازيل حالياً) بعض الحقوق المفقودة التي يعيشها الأولاد من زواج مسلمة ومسيحي.

“تخيل أن أخي لم يملك أي وثائق تثبت شخصيته خلال حياته باستثناء شهادة الوفاة للاجئ التي حصل عليها بعد مقتله في أحد الشوارع البرازيلية”.

عاش والدا مها في حلب من دون أن يتزوجا لاعتراض الأهل على ذلك، فهربا من سوريا إلى لبنان في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1985، وتزوجا في كنيسة، لكن هذا الزواج غير معترف به في القانون السوري. 

ولدت مها في 29 شباط/ فبراير 1988 وترعرعت مع أخيها وأختها في لبنان مجردة من أي وثيقة ثبوتية باستثناء وثيقة تعريف من المختار، ونتيجة لذلك خسرت أبسط حقوقها الإنسانية. 

تمكنت مها من إجراء امتحان المرحلة الثانوية بعد مكالمة أجراها مدير المدرسة مع وزير التربية فمنحها ورقة تخولها تقديم الامتحان. نجحت وحصلت على شهادة البكالوريا، بعلامة تؤهلها لدخول كلية الطب، وبناء عليه ذهبت مها إلى الجامعة اللبنانية ومعها شهادتها، فما كان من موظف التسجيل إلا أن نثر الأوراق في الهواء، وصرخ بوجهها “روحي اضهري (اخرجي) من هون، أين جواز سفرك وأوراقك الثبوتية؟”. ولم يسمع قصتها. 

رفضت الجامعات اللبنانية تسجيلها باستثناء جامعة خاصة واحدة، وحصلت مها على شهادة ماجستير في إدارة الأعمال. راسلت معظم سفارات العالم باحثة عن دولة تعترف بها، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل قبل أن توافق البرازيل على مساعدتها باعتبارها لاجئة لأب وأم سوريين.

تقول مها في اتصال مع معدي التحقيق من محل إقامتها الحالي في البرازيل “أبي وأمي لا يزالان عازبين على الأوراق الرسمية السورية، على رغم امتلاكهما جوازي سفر وبطاقات شخصية”. 

أتت مها إلى البرازيل بوثيقة سفر قدمتها لها السفارة البرازيلية تخولها مغادرة لبنان إلى البرازيل، إذ لم تكن تملك أي وثائق شخصية ولم تكن مسجّلة. وفي البرازيل وفق مها لا قوانين خاصة بالأشخاص عديمي الجنسية ولا تعريف لهم حتى.

الطريقة الوحيدة التي جربتها مها للحصول على أوراق قانونية هناك هي من خلال طلب لجوء باعتبار أن والديها من سوريا التي تعاني من حرب، وبعد سنة ونصف السنة، وبصعوبة بالغة قبلت الحكومة البرازيلية إعطاءها صفة اللجوء، وبذلك حصلت على حق العمل، ورقم لدفع الضرائب، وورقة (هوية) لجوء، مكنتها وأخوتها من العيش على الأراضي البرازيلية لمدة 5 سنوات.

إعلان الإسلام ظاهرياً

لا خيارات كثيرة أمام المسيحي أو المنتمي إلى ديانة أخرى غير الإسلام، سوى إشهار إسلامه إذا أراد الزواج من مسلمة داخل سوريا، لكي يحصل أطفاله على حقوقهم، وهو ما أدركه الشاب ف.أ. (مسيحي من أبناء ريف طرطوس)، الذي أحب صديقته المسلمة من أيام المدرسة، لكنه اضطر إلى دخول الإسلام ظاهرياً أمام المحكمة الشرعية في اللاذقية، وبالتالي تمكن من تثبيت الزواج، فيما بقي يمارس شعائره المسيحية.

بعد ذلك تزوجا في حلب زواجاً كنسياً بحضور رجل دين مسيحي، وتعمّدت الزوجة بحسب الطقوس المسيحية. يضيف ف.أ. لمعدي التحقيق: “لا تثبت المحكمة الشرعية في اللاذقية وطرطوس الزواج إلا بإخراج قيد، دونت عليه الديانة الإسلامية، لكن في حلب تساهلوا وقبلوا بذلك، فسجلت زواجي هناك، إلا أنني لا أملك وثيقة دفتر عائلة حالياً”.

قرر الزوجان إنجاب طفلهما الأول بعد شهرين من الزواج، ولم يكونا متخوفين لأنهما يعرفان جميع التفاصيل القانونية. 

يقول الشاب: “قبل أن أتزوج نقلت خانتي من ريف طرطوس إلى حلب، وخطوة نقل سجل القيد المدني (النفوس) قمت بها قبل أي شيء آخر، فإذا رغبت بتثبيت إسلامي، أهلي سيعرفون إذا كانت نفوسي في الريف، لأنه مجتمع ضيق، كما أن القانون يمنع نقل النفوس من محافظة إلى أخرى لكن بالرشوة كان ذلك ممكناً”. 

“سجلت طفلي بعد 6 أشهر من ولادته، وما إن يصبح في الصف التاسع في المدرسة سأضطر إلى تثبيت إسلامي في دائرة النفوس”، يضيف الشاب. 

الأوراق الثبوتية التي يملكها ف.أ. وزوجته هي حكم محكمة، وورقة زواج من الكنيسة، في حين تتضمن أوراق تسجيل الطفل إخراج قيد وجواز سفر، وهو ما يريدانه. 

أم عازبة!

تزوجت فرح (مسلمة، 47 سنة) ميشيل (مسيحي) في حلب قبل 20 عاماً، وذلك بموجب عقد زواج بحضور شهود مع تحديد مقدم المهر ومؤخره، كما يحصل عادة في العقود الشرعية، إنما خارج المحكمة. كانت السيدة كلها أمل بأن يساهم العقد الكنسي في تثبيت الزواج في ما بعد.

حين تزوجت، رفضت فرح عقد قرانها في المحاكم الشرعية السورية كي لا يضطر زوجها إلى إعلان إسلامه وتغيير اسمه. 

أخّرت فرح إنجاب طفلتها الأولى 5 سنوات، أي عام 2003، بسبب خوفها من أن تبقى مجهولة القيد، ولأسباب شخصية أخرى، تقول، “كانت غريزة الأمومة طاغية وكان لدي استعداد للإنجاب مهما كان الثمن”. 

بعد سنة من ولادة طفلتها عام 2004، قررت فرح تسجيلها في دائرة النفوس، حيث أخبرها أمين السجل في دائرة الأحوال المدنية في حلب أن ابنتها ستسجل على اسم أبيها ودينه، وطلب منها الاعتراف بالطفلة.

 تشرح فرح  مجريات التسجيل “بصمنا على الأوراق وكتب أمين السجل على دفتر السجل المدني جملة (تم بإقرار من الوالدين)”. 

وقد اعتمدت فرح، كما تروي لمعدي التحقيق، على بنود اتفاقية “حقوق الطفل” التي وقعت عليها سوريا عام 1993 فبعد بحث مطوّل عن منفذ قانوني وجدت من هذه الاتفاقية سنداً. 

نجحت فرح بانتزاع بيان عائلي لابنتها خلال فترة وجودها في سوريا قبل مغادرتها إلى السويد نهائياً، مدون عليه اسم الأم، بجانبه كلمة “عازبة” واسم الأب وكلمة “عازب” في خانة مجاورة أيضاً.

 تمتلك فرح وزوجها اليوم مجموعة وثائق رسمية مثل بيان عائلي وأخرى غير رسمية مثل شهادة زواج كنسي، وعقد زواج خارج المحكمة، كما حصلت ابنتها على إخراج قيد فردي. 

واجهت العائلة صعوبة في استخراج جواز سفر للطفلة، “لأن إصدار الوثيقة يتطلب رقماً وطنياً، وهنا تعاونت دائرة النفوس لمعرفتها بحالتنا وبعد مراسلات كثيرة بين الدوائر الرسمية في دمشق وحلب حصلنا على رقم وطني وجواز سفر لطفلتي”.

تتابع فرح: “حتى اللحظة لا نملك دفتر عائلة في حين حصلنا على آخر سويدي لحظة دخولنا البلاد علماً أننا دخلنا السويد عبر تأشيرة عمل”.

 يصرّ القاضي الشرعي، محمود معراوي من دمشق على أنه لا يوجد قانون مطبق مخالف للدستور، رداً على حقوقيين يؤكدون أن قانون الأحوال الشخصية يتعارض مع الدستور الذي كفل حرية المعتقد.  

يقول: “المسيحي حر في أن يتزوج مسيحية، لكن لا بد أن يعلن إسلامه عند زواجه من مسلمة. ومن الطبيعي ألا تعلن في المقابل المسلمة مسيحيتها عند زواجها من مسيحي، لأن ذلك يعتبر ارتداداً عن الدين”.

اتفاقية “حقوق الطفل” حبر على ورق

وقعت سوريا على اتفاقية حقوق الطفل عام 1993 إلا أنها لا تلتزم بتنفيذ كل بنودها ولديها تحفظات على بعض موادها. 

تنص المادة 7 من الاتفاقية على أن يسجل الطفل بعد ولادته فوراً ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسيته ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما. وتضمنت المادة 14: “تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين”. لكن القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي يقول إن لدى سوريا تحفظات على بعض بنود الاتفاقية التي “تخالف الشريعة الإسلامية، لأن في الأمر خلطاً للأنساب وهو يخالف النظام العام في سوريا”.

ترى المحامية عبدوش أن القوانين السورية تتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل في المادة 14 المتعلقة باختيار الدين والتي تنص على أن “تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين”.

ويتعارض هذا الواقع أيضاً مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في حق الاختيار والمساواة في المادة الثانية. 

مسيحيون دخلوا الإسلام 

في كل عام، يقدم عدد من المسيحيين على إشهار إسلامهم بغرض الزواج من مسلمة أو بغرض تثبيت الأولاد.

 لم يتمكن معدا التحقيق من الحصول على أرقام دقيقة لأن الإحصائيات مدرجة ضمن رقم كلي يشمل كل الأشخاص الذين أشهروا إسلامهم أو غيروا مذهبهم ما بين الطوائف الإسلامية أو المسيحية نفسها.

يمكن القول إن نسبة الذين أشهروا إسلامهم من المسيحيين قد تصل إلى نحو 45 في المئة والبقية هم أشخاص غيروا مذهبهم كما أفاد القاضي الشرعي الأول بدمشق محمود المعراوي لمعدي التحقيق بتاريخ 16-7-2019.

يبلغ المجموع الكلي لعدد الذين غيروا دينهم أو مذهبهم في سوريا من 2009 حتى 2018، 2102 شخص، بحسب الإحصاءات التي حصلنا عليها من المحكمة الشرعية، ولكنها لم تحدد ما إذا كان سبب إشهار الإسلام (تغيير الدين) الزواج أو أسباب أخرى. وبالتالي لم تحدد نسبة الذين غيروا دينهم بقصد الزواج. 

لكن المحامي ميار عامر من السويداء، والذي أعد بحثاً علمياً وقانونياً بعنوان “أضواء على الزواج المدني”، حصل معد التحقيق على نسخة منه، يشير إلى أن نسبة 90 في المئة وأكثر ممن يغيرون دينهم في مختلف المحاكم الشرعية في سوريا، يفعلون ذلك بغرض الزواج من خارج الدين أو الطائفة.  

أهم ما خلص إليه بحثه أن “هناك 50 حالة زواج مدني في كل محافظة سنوياً، وهذه الحالات تراجع المحاكم منها حالات زواج مسلمة من مسيحي أو بين طوائف الدين الواحد”.

يقول المحامي موضحاً أن من بينهم من يتقدم بدعاوى تثبيت زواج مدني أمام المحاكم المدنية، لكن من دون جدوى لأن المحاكم المدنية تشترط تغيير المذهب أيضاً.

خسارة النسب والإرث

يترك هذا الزواج أثراً رجعياً على الأطفال ويحرمهم من الإرث والنسب، ويرد القاضي المعراوي بالقول “الطفل الناتج عن زواج مسلمة من مسيحي (زواج باطل) يثبت أمومتها لا نسبه إلى والدته، وبالتالي يرث منها وترث منه، وتستطيع أن ترفع دعوى عليه لينفق عليها إذا كان ذو مال وهي معسرة، في حين لا يرث من أبيه لأن الورثة من أب تعني وجود نسب والنسب من زنا (زواج المسلمة من مسيحي) لا يثبت”. 

ويضيف “لا ميراث من زواج باطل، وسبب الميراث النسب الصحيح، ولا يثبت النسب من زواج باطل، فالطفل بذلك لا يرث، كما يرث أخوته من علاقة مشروعة”.

وهنا تعتبر المحامية رهادة عبدوش، أنّ هذه القوانين لن تتغير إلا بتغيير المواد الدستورية التي تميّز بين المواطنين بحسب الجنس والدين. داعية إلى فصل الدين عن الدولة التي يفترض أن تكون علمانية كي تحل هذه المشكلات التي لا نهاية لها.

المحامي محمد سامر مؤيد، يرى أن المادتين 136 و137 من القانون المدني الصادر في المرسوم التشريعي رقم 84 لعام 1949 تؤكدان أن كل عقد يخالف النظام العام باطل.

الفقه الإسلامي، وبحسب الدستور (المادة الثالثة) مصدر رئيس للتشريع، لذلك فإن زواج المسلمة من مسيحي باطل وعقدها يعتبر عقد زنا، لا تترتب عليه آثار الزواج الصحيح مثل النسب وغيره، لذا ينسب الولد لأمه، ويحصل على كنيتها ويرث منها، ولا ينسب لأبيه.

وفي ظل هذه القوانين، ما زالت مسألة حصول الأطفال من زواج مسلمة ومسيحي على كامل حقوقهم من الميراث والنسب بعيدة المنال، يقول نشطاء في هذا المجال. 

في المقابل، يطرح نشطاء فكرة صون حقوق الأطفال من خلال نموذج زواج يتمّ توثيقه، وتسجيله في المحكمة، ويُعتبر أساسه إلغاء الفروقات الدينيّة، والمذهبية، والعرقية بين طرفي الزواج، فلا يمنع ارتباط اتباع الدين الإسلامي بأتباع الديانات الأخرى أو العكس، ويتمّ العقد بقبول الطرفين، الزوج والزوجة، وبحضور شهود..

لكن حتى مناقشة هذا النموذج على المستويات الرسمية أو التحرك إلى الأمام في التشريعات والبرلمان، ستبقى فرح وسامر وعشرات الحالات الأخرى، أمهات وآباء عازبين، وستبقى الزوجات من دون حقوق، والأبناء من دون أوراق أو حق في الميراث.  

يقول القاضي الشرعي محمود معراوي: “نحن نعترف بالأطفال من زواج غير شرعي وهم يسجلون ويحصلون على حقوقهم بالدراسة والكفالة والترشيح والانتخاب، ولا يعانون من أي إشكال مثل أي مواطن سوري، وليسوا درجة ثانية. أما الميراث فيجب ألا يخالف القانون مثل كل الدول العالم… وما يميز العرب عن غيرهم هي الأنساب”. 

أنجز التحقيق بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، بالتعاون مع درج ميديا وبإشراف الزميل محمد بسيكي

قد يعجبك ايضا