Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

وثائق تكشف كيف دخل “العالم”  عبر الموبايلات إلى ثكنات جيش الأسد !

تكشف نسخ من وثائق صادرة عن قيادة الأركان – لهيئة العمليّات في جيش الأسد المخلوع، التي اطّلع فريق الصحافيين في الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج” و موقع “درج” على نسخ رقمية منها، عن تحذير موجه للجنود من برامج تديرها فتيات يطلبن من العساكر تصوير مناطق وقرى ومواقع عسكرية. لكن ما بدا خوفاً من منصّات مشبوهة، تحوّل خلال أسابيع إلى خوف أوسع وصل إلى الهاتف نفسه، ما يكشف عجز مؤسّسة عسكرية منهكة عن ضبط الحياة اليومية لجنود يعيشون برواتب زهيدة وخدمة طويلة، وعزلة في الثكنات والحواجز.

في خريف 2023، لم تكن قيادة الجيش السوري تلاحق اختراقاً عسكرياً كبيراً، ولا عمليّة تجسّس موثّقة، بل تطبيقات وبرامج بثّ مباشر علمت قيادة الجيش أنها دخلت إلى جيوب جنودها. 

بدأت القصّة، بحسب نسخ من وثائق صادرة عن قيادة الأركان – لهيئة العمليّات في جيش الأسد المخلوع، التي اطّلع فريق الصحافيين في الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج” و موقع “درج” على نسخ رقمية منها، بتحذير من برامج تديرها فتيات يطلبن من العساكر تصوير مناطق وقرى ومواقع عسكرية. لكن ما بدا خوفاً من منصّات مشبوهة، تحوّل خلال أسابيع إلى خوف أوسع وصل إلى الهاتف نفسه.

تكشف أربع وثائق متعاقبة، بين 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر و20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2023، انتقال الخطر في المؤسّسة العسكرية من برنامج مجّاني يزعم مساعدة جنود الجيش السوري، إلى قائمة تطبيقات محدّدة، ثم إلى ملفّ تقني لدى فرع التنسيق الكهرطيسي، قبل أن ينتهي الأمر بمنع الهاتف الخلوي المدني الذكي عن المجنّدين.

مراسل سراج مصعب الياسين من معسكر جورين غرب حماة 25\12\2024

تكشف الوثائق قلق الجيش من التجسّس أو تصوير المواقع، إلى جانب عجز مؤسّسة عسكرية منهكة عن ضبط الحياة اليومية لجنود يعيشون برواتب زهيدة وخدمة طويلة، وعزلة في الثكنات والحواجز. بالنسبة إلى القيادة، كان الهاتف خطراً أمنياً و انضباطياً، أمّا بالنسبة إلى كثير من الجنود، فكان مهرباً، ومساحة للحديث والتسلية، وربما الحصول على مبلغ بسيط من بثّ طويل أو هدية رقمية.

الخوف من “الجاسوسية الالكترونية”

نقرأ في  برقيّة عسكرية مؤرّخة في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، صادرة عن إدارة العمليّات في القيادة العامّة تعميماً لتجنّب برنامج يتمّ تنزيله مجّاناً، يزعم أن مركزه في الإمارات، وأنه يعمل لـ”مساعدة الجيش السوري”، بحسب الوثيقة. ثم تتحوّل الصيغة إلى الجمع، في إشارة إلى انتشار برامج دعتها بالمشبوهة، و”تديرها فتيات يطلبن من العساكر تصوير مناطق ومساحات وقرى”.

رُبطت المنصّات، في الوثيقة التي اطّلع عليها الصحافيون ، بفتيات  على صلة بـ”شركة في الإمارات”، وتدّعي الوثيقة أنهن يدّعين مساعدة جنود الجيش السوري. بعدها فنّد التعميم الخطورة بالقول إن “هذا النوع من البرامج يشكّل بشكل أو بآخر خطراً”، ويقصد بذلك الحصول على معلومات عن الجيش العربي السوري ومواقعه و”القوّات الصديقة” ، بوصفه أحد أشكال “الجاسوسية الإلكترونية”، وما يؤدّي إليه من “مخاطر أمنية تستدعي أخذ الحيطة والحذر وعدم الاشتراك نهائياً”.

تظهر جدّية الموضوع في  إلزام ضبّاط أمن الفرق خطياً، بوصفهم المسؤولين عن الجانب الأمني الرقابي داخل فرق الجيش وتشكيلاته، وأشار التعميم إلى ضرورة تطبيق المنع “على العناصر العسكرية بشكل كامل”.

بالإضافة إلى ذلك، ينشر التعميم تحذيراً مبدئياً من انتشار تطبيقات التواصل والبثّ المباشر بين عناصر الجيش، الذين بدأوا يستخدمونها بكثرة. هذه التطبيقات، التي خرجت من الأطر التقليدية للتعارف والبثّ مثل تطبيقي “فيسبوك” و”إنستغرام”، لم تصل إلى عين الرقابة العسكرية داخل الثكنات إلا بعد أن أصبحت جزءاً من تحوّل أوسع في استعمال برامج التواصل الاجتماعي. 

تعميم آخر صادر أيضاً عن “هيئة العمليّات” بتاريخ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، ذو صيغة أدقّ وأكثر صراحة، ويسمّي البرامج الممنوعة بدقّة وهي: LIKEE وBEGO وMEGO وSTAR وBARTE وLEGO، مؤكّداً أن “كل مخالفة تستوجب المسؤولية”، اللافت أن هذه البرامج ليست تلك الرائجة، مثل “تيك توك” أو “سناب تشات” أو حتى تطبيقات ميتا، بل طيف من التطبيقات المشبوهة التي لطالما ارتبطت بالإباحية الرقيقة وظاهرة “البثّ المباشر” مقابل المكآفات، التي كانت عادة ما تحوّل إلى حسابات بنكية خارج سوريا، وتصل إلى سوريا عبر وسطاء، وهذا ما أشرنا إليه في تحقيق منشور سابقاً في “درج”.

“فرع التنسيق الكهرطيسي” يتدخّل!

اللافت أن النظام احتاج، بعد التعميمين الأوّلين الصادرين عن هيئة العمليّات وإدارة العمليّات، إلى إدخال جهة أكثر اختصاصاً في الملفّ. ففي -26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023  انتقلت المسألة إلى فرع التنسيق الكهرطيسي، بما يعني أن القيادة لم تعد ترى في هذه البرامج مخالفة انضباطية أو تواصلاً عابراً فقط، إنما بدأت تقرأها كمسألة تقنية تتّصل بالهاتف كجهاز إرسال واستقبال، وبالكاميرا والميكروفون والإنترنت المفتوح والمصادر والصلات وتحديد الموقع.

ثم جاء تعميم آخر صادر عن فرع التنسيق الكهرطيسي في 20 كانون الأوّل/ ديسمبر 2023  ليذهب أبعد من ذلك. لم يبق الخطر محصوراً في أسماء البرامج أو في علاقات محتملة داخل منصّات البثّ، بل توسّع ليشمل الهاتف الخلوي المدني الذكي نفسه. صارت القيادة تلاحق الجهاز الذي يحمل هذه البرامج، ويستخدم عبره العسكري الإنترنت والكاميرا والميكروفون، ويخزّن البيانات والإحداثيات، ويحدّد المكان. لذلك صدر التعميم بمنع الهواتف عن المجنّدين، بعدما صار في نظر المؤسّسة مصدر إلهاء يؤثّر على الجاهزية القتالية، لا أداة تواصل فقط.

يكشف التعميم الصادر عن فرع التنسيق الكهرطيسي انتقالاً واضحاً في تصوّر الخطر، بعد شهر من تعميم هيئة العمليّات داخل القيادة العسكرية. في التعاميم الأولى كان الخطر محصوراً في تطبيقات بعينها، واتّصالات محتملة لعناصر من الجيش ببرامج تواصل، تقدّم المنصّات بوصفها مشبوهة وتستدرج العسكريين إلى البثّ والتواصل وتصوير المواقع. أما في هذا التعميم، فتتوسّع دائرة الخطر لتشمل الهاتف الخلوي المدني الذكي نفسه، أي ما يصل العسكري بالعالم وبمحيطه وأهله، خاصّة أن العسكري في سوريا كان تحت خطر دائم، بما يجعله في خطر وعزلة في آن معاً. 

تبدأ الوثيقة من الإقرار بأن تعاميم سابقة صدرت لمنع استخدام الهواتف الخلوية المدنية في الوحدات والتشكيلات العسكرية، لكنّها تشير إلى أن الاستخدام ازداد رغم ذلك بين العسكريين والعاملين المدنيين. أي أن القطع العسكرية لم تنضبط ضمن التعاميم السابقة.  

التعميم إذاً لم ينجح في تطبيق المنع، خصوصاً أن الهاتف صار أوسع من قدرة الأمر العسكري على ضبطه، وأن أيّ هيمنة عسكرية داخل الثكنات كانت تفشل أمام هذا الاستخدام اليومي. لم يعد الجهاز مخالفة فردية، صار “تهديداً” داخل الثكنة  وفي الحاجز، وفي الاستراحة، وبين المجنّدين والعاملين المدنيين.

تنتقل الوثيقة بعد ذلك إلى بناء الخطر على مستويين:

الأوّل استخباراتي تقني، إذ تربط الهواتف الذكية بالشركات الأجنبية وبالدول المعادية بشكل بسيط، وتفترض أن هذه الجهات قادرة على التجسّس على البيانات الموجودة داخل الأجهزة، والوصول إلى سمّاعة الهاتف والكاميرا من دون علم حامل الجهاز. طريقة التعبير عن الخطر تدلّ على بدائية ولغة يومية. في هذا التصوّر، يصبح الهاتف عيناً وأذناً داخل القطعة العسكرية، قادراً على نقل الاجتماعات والأحاديث، وتصوير الأهداف العسكرية، وتحديد مواقع العسكريين، وكشف معلومات تعتبرها القيادة حسّاسة.

أما المستوى الثاني فهو نفسي وانضباطي، متعلّق باليوميات العسكرية. تضيف الوثيقة إلى الخوف من التجسّس وحماية البلاد والأمن، “خوفاً آخر من أن الهاتف يفتح تطبيقات وبرامج وألعاباً ومحادثات ترفيهية تؤثّر على العسكريين في فترات استراحتهم”، وتنعكس على حالتهم البدنية والذهنية، وتمنعهم من أداء المهام المطلوبة، خصوصاً أثناء إجراءات الحراسة. يتحوّل الهاتف من جهاز تجسّس محتمل إلى جهاز إلهاء وتفكيك للانضباط.

معسكر جورين غرب حماة – سراج  25\12\2024

كابشن: معسكر جورين غرب حماة – سراج  25\12\2024

الخطر لم يعد تسريب موقع عسكري فقط، صار تبدّل مزاج العسكري، وتركيزه، ووقته، وعلاقته بالأمر العسكري وبالقسوة اليومية التي تقوم عليها الخدمة العسكرية.

الانتقال من التطبيق إلى الهاتف تُظهر عملياً طبيعة العقل الأمني داخل المؤسّسة. حين عجزت القيادة عن ضبط المنصّات واحدة واحدة، وسّعت تعريف التهديد إلى الهاتف كله. التطبيق يفتح علاقة خارج الثكنة، والهاتف هو البوّابة التي تجعل كل هذه العلاقات ممكنة ومتاحة. لذلك صار منع الهاتف محاولة لمنع الخطر كله دفعة واحدة منع التصوير، منع كشف الموقع، منع البثّ المباشر، منع التسجيل، منع الدردشة، ثم منع التسلية واللعب والمشاركة والقول، ومنع الوقت الشخصي اليومي الذي لا تمرّ إدارته عبر السلسلة العسكرية المُسيطرة.

“تطبيقات البثّ المباشر”: نموذج اقتصادي للتسلية المشبوهة!

ظهرت التعاميم الأمنية ضمن سياق لا يقتصر على الجيش، إذ لم يكن يواجه تطبيقاً محدّداً يمكن التعامل مع مستخدميه بسهولة، أو معرفة ما يُشتغل فيه، أو مراقبته واختراقه كما في الأطر التقليدية، إنما كان يواجه سلوكاً اجتماعياً تواصلياً عامّاً بدأ ينتشر بكثافة قبل أن ينتبه إليه عسكرياً وأمنياً. العالم الرقمي سبق المؤسّسة وقدراتها، وطبيعة هذه المنصّات لا تقوم على نصّ مكتوب يسهل تتبّعه وأرشفته، إنما على تفاعل وصور وبثّ مباشر ومقاطع قابلة للتبادل والاختفاء خارج مسار رقابي أمني واضح.

دخل هذا العالم إلى حياة السوريين كتعويض عن الفقر والعزلة والبطالة. ومنذ العام 2022 انتشرت شبكات جذب للعمل والبثّ بين فتيان وفتيات سوريين، ثم دخل إلى حياة العساكر بوصفه هامشاً صغيراً للربح والكلام وتمضية الوقت. في سوريا، برزت هذه التطبيقات كنوع من العمل الهامشي القائم على الكاميرا والميكروفون وساعات البثّ، وصارت زمناً يومياً طويلاً، ومكاناً للكلام والعمل والظهور والتفاعل.

لم يعد المطلوب أن يمتلك الشخص مهنة واضحة أو محتوى متماسكاً كي يظهر. يكفي أن يفتح الكاميرا، أن يبقى موجوداً، أن يحافظ على التفاعل، وأن ينتظر دعماً أو مشاهدة أو ربطاً عبر وكلاء خارج البلاد. كنّا نلتقي بعضهم عند الحواجز، يضعون هواتفهم أمامهم، يشاهدون الفيديوهات، أو يحاولون إبقاء البثّ والمشاركة مفتوحين أطول وقت ممكن لتحصيل ما يمكن تحصيله من المال. ومع دخول باقات الإنترنت بوصفها مساعدة للعساكر لتخفيف أعباء اتّصالاتهم، استُخدمت هذه الباقات على نحو واسع في منصّات الفيديو المفتوحة والمجموعات التي تعوّض مالياً مقابل الشراء والوقت وما إلى ذلك.

لم تدخل تطبيقات مثل “بيغو” و”لايكي” و”تيك توك” إلى حياة العساكر أوّلاً من باب الخطر الأمني، فقبل أن تراها القيادة العسكرية كمنصّات مشبوهة، كانت قد صارت جزءاً من اقتصاد يومي صغير، يقوم على البثّ المفتوح. العسكري على الحاجز، أو داخل الثكنة، أو في ساعات الاستراحة، كان يجد في الهاتف مساحة للتسلية قبل أيّ شيء آخر. لم يكن يدخل المنصّة بوصفه خبيراً رقمياً ولا صانعاً لمحتوى ما، بل كجسد متعب يبحث عن وقت آخر خارج الحراسة والأوامر والملل، وبحاجة اجتماعية تواصلية. لذلك صارت المنصّة تعويضاً صغيراً لشخصه خارج الثكنة، وجه يظهر أمام غرباء، ومبلغ زهيد قد يأتي من مشاهدة طويلة أو هدية رقمية أو ربط مع وكيل.

في هذا السياق، التقينا ليندا، وهي امرأة سورية في السابعة والثلاثين من العمر، مقيمة في دبي، وتعمل على منصّة “بيغو” منذ العام 2021. تقول ليندا إن وجود العساكر السوريين على المنصّة لم يكن قليلاً، خصوصاً عبر المجموعات والسهرات الليلية، حيث كان يدخل عناصر من الجيش إلى غرف البثّ، يتحدّثون، يتابعون، ويشاركون لساعات طويلة. بعضهم، بحسب شهادتها، صنع مجموعات خاصّة، وبعضهم حاول الانضمام إلى وكلاء للحصول على مبالغ بسيطة مقابل البثّ والنشاط والتفاعل.

تروي ليندا أن عسكرياً سورياً كان يبثّ لفترات طويلة من كولبة صغيرة للقهوة والشاي من مدينة جبلة على الساحل، واستطاع أن يجمع أرقاماً عالية من المشاهدات. لم يكن يفعل شيئاً استثنائياً بالمعنى المهني، كان فقط حاضراً على الشاشة، يتكلّم، يبيع القهوة والشاي، يفتح يومه العادي أمام المتابعين وقد يتلقّى دعماً. هذا التفصيل يشرح كثيراً من معنى المنصّة: الحياة اليومية نفسها تتحوّل إلى مادّة للعرض، والانتظار العسكري يتحوّل إلى بثّ، والملل يصير قابلاً للمشاهدة.

وتشير ليندا إلى أن عساكر آخرين كانوا يبثّون ويتحدّثون ضمن مجموعات حمل بعضها أسماء عسكرية أو قريبة من الذاكرة العسكرية وغيرها، مثل “الفرقة الرابعة”، “أبطال الأسد”، “العشائر”. هذه الأسماء لا تعني بالضرورة تنظيماً عسكرياً داخل المنصّة، لكنّها تكشف كيف حمل العناصر عالمهم معهم إلى التطبيق.

لم يدخل العسكري إلى “بيغو” كفرد أعزل عن موقعه، بل دخل وهو يحمل لغة الجيش، أسماءه، رموزه، نكاته، ومراتب القرب بين العناصر.

من هذه الزاوية، لم تكن منصّات البثّ جانباً ترفيهياً دخل إلى الجيش. كانت مساحة اختلاط بين الفقر والهروب من الملل والرغبة في الظهور والبحث عن دخل جانبي. الجيش قرأ هذا كله كلغة خطر، خاصّة موضوع التحويلات المالية الذي كان مراقباً بشدّة، ثم الظنّ بتصوير مواقع، أو أحاديث سياسية غير مضبوطة، كاميرا مفتوحة، اتّصال مع الخارج، احتمال تجسّس. أما داخل الاستخدام اليومي، فكان العسكري يرى غالباً شيئاً آخر: وقتاً يمضي، شاشة بثّ، وجمهوراً صغيراً يسمعه.

تتقاطع شهادة ليندا مع شهادة رولا، وهي سورية في التاسعة والعشرين من العمر، كانت تقيم في سوريا قبل سقوط النظام، وتقيم اليوم في العراق وتعمل مع وكيل في أربيل. تقول رولا إن العساكر السوريين كانوا من الأساسيين في البثّ والنشر على هذه المنصّات، ولم يكن وجودهم هامشياً أو نادراً. بعض صلاتها بهم خرجت من إطار العمل داخل التطبيق إلى علاقات مباشرة، بما يكشف أن المنصّة لم تكن مجرّد غرفة بثّ، بل مساحة اختلاط اجتماعي ومالي وشخصي بين سوريين في الداخل والخارج، وبين عساكر ومستخدمين ووكلاء وصبايا يعملن على البثّ. المجتمعات داخل المنصّات ليست سلبية بالمطلق، فهناك مساحات أمان تخلق عبر العلاقة.

وتضيف رولا أن بعض الضباط الأمنيين كانوا بدورهم يبثّون ويتابعون ويتعاملون مع صبايا من سوريا، سواء لدعم بثوثهن أو لإنشاء علاقات خارج منصّات التواصل. هذا التفصيل يفتح زاوية أخرى في قراءة الوثائق. في تواصل مع ثلاثة عسكريين سوريين من الخدمة الإلزامية، أشاروا لنا إلى أن مشاهدة البثوث عبر المنصّات كانت أمراً عادياً داخل الثكنة، وأن ضباط الأمن يعرفون هذا. فالمؤسّسة التي كانت تحذّر من التطبيقات لم تكن خارجها. بعض العاملين داخل البنية الأمنية كانوا جزءاً من هذا العالم نفسه.

لكنّ رولا تشير أيضاً إلى وجود مراقبة داخل هذا العالم. بحسب شهادتها، اعتُقل بعض الشبّان بسبب مشاركاتهم عندما دخل الحديث في السياسة، كما سمعت أن بعض العساكر خضعوا للتحقيق بسبب ما كان يسمّى العمل عبر الإنترنت، من دون أن تعرف تفاصيل تلك التحقيقات أو مساراتها. هذه العبارة، العمل عبر الإنترنت، تكشف كيف كانت المؤسّسة تحاول تسمية ظاهرة لا تملك تصنيفاً واضحاً لها: بثّ، تسلية، دخل صغير، علاقة اجتماعية، وربما في عين الأمن مساحة للمراقبة، ومدخل إلى كلام سياسي أو شعور عامّ، أو تسريب أو اتّصال غير مضبوط.

وتدفع مقابلة مع مصدر عسكري سابق، خدم في موقع ارتباط بين مركز البحوث العلمية وجهات حليفة، إلى توسيع زاوية النظر. يقول المصدر إن الاختراقات التي طاولت الجيش السوري، أو جرى الحديث عنها داخل دوائر مغلقة، لم تكن تمرّ غالباً عبر منصّات التواصل والبثّ المباشر، كما حاولت الوثائق أن توحي. بحسب روايته، كانت هناك مستويات أكثر تعقيداً من العمل الأمني والتقني، منها وجود كتيبة إيرانية منذ العام 2015 داخل مركز البحوث لمكافحة التجسّس، ومراكز روسية مغلقة لا تتيح للنظام السوري نفسه معرفة واسعة بحجم الاختراقات أو طبيعتها أو مسارات التحقيق فيها.

يرى المصدر أن ما أثارته منصّات التواصل داخل الجيش كان في جانب كبير منه إلهاء أمنياً وانضباطياً، وليس مدخلاً رئيسياً للاختراق. فهي كشفت عساكر يتحدّثون كثيراً، يفتحون الكاميرا في أماكن غير مناسبة، أو يحصلون على أموال صغيرة من البثّ المباشر، لكنّها لم تكن، بحسب تقديره، الطريق الأساسي لفهم هشاشة الجيش أو اختراقه. “كان هناك عساكر احترفوا البثّ”، يقول المصدر، “وكان بعضهم يحصل على مبالغ من المشاهدات والهدايا، لكنّ هذا شيء، والاختراق الأمني الحقيقي شيء آخر”. تكشف الوثائق خوف المؤسّسة من الهاتف والعسكري العادي أكثر ممّا تكشف خريطة الاختراق الفعلي داخل الجيش.

حياة العسكري الطويلة: التمرّد السياقي

تحتاج حياة العسكري داخل الجيش السوري إلى قراءة منفصلة عن لغة الوثائق الآمرة والناهية. فالوثائق ترى الهاتف كخطر يقدّره الضباط العسكريون والجهات الأمنية العليا المنفصلة عن العساكر الأكثر ضعفاً وبؤساً. أمّا وجهة نظر العسكري فتبدأ من مكان آخر: راتب يتراوح، بحسب شهادات كثيرة، بين 12 و18 دولاراً، خدمة طويلة، انتظار وعزلة في الثكنات أو على الجبهات والحواجز، طعام سيّئ، نقل صعب، تكاليف عيش قاسية، وإحساس دائم بأن المؤسّسة لا تعطيه شيئاً سوى الأمر والعقوبة والتهديد.

من معسكر جورين غرب حماة -سراج  25\12-2024

كان الجيش في سنواته الأخيرة مؤسّسة منهكة من الداخل، تحاول تنظيم نفسها على حساب قوى إقليمية أكثر تنظيماً وقيادة. المجنّدون لا يدخلونها دائماً بوصفها خدمة وطنية، فكثيرون جرى سوقهم إليها عبر الاعتقال من الشوارع وحملات الشرطة العسكرية والحواجز الأمنية المفاجئة. لم يكن العسكري يذهب إلى الثكنة كعامل يملك عقداً واضحاً، أو كمواطن داخل مؤسّسة تحترم الحدّ الأدنى من شروط حياته، كان يدخل إلى فضاء قسري، عنيف ومسيطر. داخل هذا الفضاء، صار الراتب غير كافٍ للطعام أو المواصلات أو مساعدة العائلة، وصارت الحياة العسكرية شكلاً من الانتظار المفتوح، ولا يخلو هذا الانتظار من توقّع موت بلا معنى.

تظهر قسوة الجيش من التفاصيل الصغيرة، لا من صورة القرارات والتعاميم وتوقّع الاستجابة لها. الخدمة اليومية تكشف كيف تخلّت المؤسّسة عن عناصرها ومطالبهم. في الأعلى، بقي الضبّاط الكبار داخل اقتصاد آخر: امتيازات، سيّارات، علاقات، سيطرة، شبكات نفوذ، تهريب، وسلطات صغيرة وكبيرة على المعابر والحواجز والجنود. في الأسفل، كان العسكري العادي يفتّش عن باقة إنترنت، علبة دخان، سيجارة، ماء بارد، وجبة أفضل، تحويلة من أهله، أو مبلغ صغير، ناهيك بتجارة التعفيش، التي كانت مضبوطة والعناصر جزءاً صغيراً منها كونها منظّمة ولكل حصّته. هذا التفاوت يكسر معنى المؤسّسة العسكرية نفسها. الجيش يبدو واحداً في الخطاب، لكنّه اجتماعياً طبقات: ضابط يربح من النظام، وجندي يدفع كلفة النظام بجسده ووقته.

ثم إن التعميم الأخير في 20-12-2023، بما يخصّ استخدام الهاتف، يسمح للهاتف بأن يكون في أيدي الضباط، دوناً عن العساكر والعاملين المدنيين. صار المنع نفسه جزءاً من التفاوت داخل المؤسّسة. الضابط يملك الهاتف بوصفه أداة عمل وسيطرة واتّصال، أمّا العسكري فيُمنع منه لأن جسده ووقته يجب أن يبقيا تحت الأمر. هكذا لم تعد المسألة تقنية فقط، بل صارت طبقية داخل الجيش نفسه: من يحقّ له الاتّصال، ومن ينبغي له أن يبقى معزولاً.

أصبح الهاتف أكثر من جهاز وظيفي. هو تعويض نفسي واقتصادي عن مؤسّسة لا تمنح العسكري أيّ اعتراف، أو دخلاً جيّداً، أو وقتاً حرّاً. هو شعور بنجاة ما، في ظلّ ملل قاتل وحياة مهينة وموت محتمل. العسكري لا يتمرّد في السياسة، ولا يعلن أيّ عصيان، لكنّه يصرّ على استعادة جزء من حياته وخياراته داخل السياق القسري والآمر للجيش. يريد اللعب، والبثّ، والكلام، ويمدّ وقت المشاهدة بقدر ما يستطيع، كي يعيش حياة صغيرة دون البطولة والعنف والسلاح.

هذه ليست بطولة مضادّة، وليست إمكانية للخيانة كما قد تقرأها الوثيقة. إنها تمرّد يأتي في السياق بشكل منخفض، يولد من داخل مؤسّسة لا تترك للفرد إلا طرقاً صغيرة للانفلات منها أو التحرّر من غلوائها. العسكري لا يستطيع ترك الحاجز، لكنّه يستطيع أن يخرج بصوته. لا يستطيع مغادرة الثكنة، لكنّه يستطيع أن يفتح بثّاً ويشارك آخرين غرباء أو أقرباء خارج ستار الجماعة والطائفة والمؤسّسة والوطن، أن يصنع زمناً جانبياً لا تديره السلسلة العسكرية بالكامل.

التحليل الأمني النهائي

تكشف الوثائق في مسارها المتدرّج، أن المؤسّسة العسكرية لم تكن تواجه خطراً واحداً واضحاً، بل كانت توسّع تعريف الخطر مع تعاقب التعميمات. في البداية ظهرت المشكلة كمنصّات مشبوهة، ثم صارت أسماء برامج محدّدة، وصولاً إلى الهاتف نفسه.

ما تفعله الوثائق هو تحويل الحياة اليومية للعسكري إلى “موضوع أمني”. هذا الانتقال من التطبيق إلى الهاتف يشرح طريقة عمل العقل الأمني في الجيش. حين لم تستطع القيادة ضبط المنصّات واحدة واحدة، ولا إلزام الجنود بهيمنة اجتماعية أو أمنية، وسّعت مجال التهديد إلى الجهاز كله. التطبيق صار خطراً لأن الهاتف يحمله، والهاتف صار خطراً لأنه يفتح الجندي على خارج لا تمرّ علاقته عبر السلسلة العسكرية.

كانت المؤسّسة تريد عسكرياً مقروءاً اسمه، رقمه، قطعته، موقعه، مهمّته، نوبته، رفاقه. الهاتف أدخل عالماً أقلّ قابلية للقراءة، فيه أسماء مستعارة، غرف بثّ وانكشاف، علاقات جانبية، وكلاء، وصلات ممتدّة إلى خارج البلاد، وقد تكون علاقات يُعمل عليها كاختراق أو اكتشاف لنيّة الجيش.

تكشف الوثائق فجوة السرعة بين مؤسّسة عسكرية بطيئة وعالم كامل يتغيّر من حولها. التطبيق ينتشر قبل أن يصدر التعميم، والعسكري يدخل البثّ ويلتفّ على قيادته ولا يستجيب لها قبل أن تفهم القيادة طبيعة المنصّة، والهاتف يصبح جزءاً من الحياة اليومية قبل أن يكتشفه الأمن كخطر. لذلك تبدو التعاميم متأخّرة دائماً، كأنها تطارد استعمالاً صار واقعاً داخل الجيش، لا احتمالاً يمكن منعه قبل حدوثه.

التحليل الأمني يبقى ناقصاً، لأنه يرى النتيجة ولا يرى الشرط الذي صنعها وجعل العساكر في عالم غير انضباطي. فالجاهزية لا تسقط من الهاتف وحده. تسقط من سوء الطعام والحياة، وضعف الراتب، وغياب النقل، وطول الخدمة، والإذلال، والسوق القسري إلى الجيش، وفساد الضبّاط، وانعدام المعنى. الهاتف يظهر في الوثيقة كسبب مباشر، والوثيقة تشي بعقوبات وتحقيق أمني جرّاء استخدامه، لكنّه في العمق نتيجة لحياة عسكرية لم تعد المؤسّسة قادرة على ضبطها إلا بالمنع.

يخشى نظام الأسد من وصول العسكري عبر تلك البرامج لمعرفة ما يحصل على الأرض ميدانياً من خارج مصادر الجيش والتوجيه العسكري الذي يعمل كل يوم على بثّ أفكار ودعايات تخدم وجود نظام الأسد وتحاول بناء جدار منيع بنظرها أمام كل معلومة وكلمة مخالفة لرؤيتها وتحرص على عزل العسكري وأدلجته وفق مفاهيمها. 

يقود التحليل الأمني النهائي إلى خلاصة أن الجيش السوري السابق لم يكن يحمي نفسه من تطبيقات فقط، بل من فقدان احتكاره الكلام والزمن والموقع داخل الثكنة. كان يخاف من أن يصير العسكري مرئياً ومسموعاً وموصولاً بخارج لا تُسيطر عليه القيادة. لذلك انتقلت الوثائق من محاولة ضبط الأمن بمنع الجنود عن المنصّة إلى ضبط الهاتف، ومن الخوف من برنامج إلى الخوف من الحياة الرقمية كلها. لا تقول هذه الأوراق إن الجيش كان منظّماً وقادراً على ضبط عناصره، بل تقول إن مؤسّسة منهكة حاولت أن تطارد عالماً أسرع منها، دخل إليها من خلال جنودها وهي تحاول إدارة أمنها.


  • تم نشر نسخة من هذا التحقيق على موقع درج.
  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.


اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات