قبل بضعة أشهر فقط من إطاحة نظام بشار الأسد، عقد مسؤولون روس اجتماعاً رفيع المستوى لِحثّ الحكومة السورية على سداد فاتورة بقيمة 37 مليون دولار أميركي لروسيا، مقابل توفير الحماية لمنشآت النفط السورية.
ترتبت هذه الديون على سوريا لقاء رواتب وخدمات جنود روس وعمال سوريين في الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لغاية أيار/ مايو 2024، بمعدل 4.5 مليون دولار أميركي شهرياً، مضافاً إليها نحو 1.1 مليون دولار، لقاء تجهيز نقاط استناد للقوات الروسية.

علما روسيا وسوريا قبل سقوط النظام على جدار قاعدة عسكرية لنظام الأسد في اللاذقية – سراج. تصوير: أحمد حاج بكري
يُظهر محضر الاجتماع السرّي بتاريخ 29 أيار/ مايو 2024، مدى الضغوط التي تعرض لها نظام الأسد المخلوع في أيامه الأخيرة، من روسيا، أحد أقرب حلفاء الأسد. وخلال المحادثات، هدد الجنرال يونس- بيك ييفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي، بقطع التمويل عن الخدمات الروسية لدعم العمليات النفطية في سوريا، إذا لم تسدّد حكومة الأسد ديونها.
وقال ييفكوروف: “لا نريد أن يتوقف استخراج النفط وإنتاجه، لأن هذا سيكون ضربة قوية للاقتصاد السوري”، وفقاً لمحضر الاجتماع الذي حصلت عليه الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، الشريك المحلي لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد في سوريا (OCCRP).
ولم يرد ييفكوروف على طلب فريق التحقيق للتعليق على الاجتماع مع السوريين، والذي انعقد في قصر الشعب.

الجنرال يونس- بيك ييفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي، مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين
استمرت المفاوضات بشأن الديون الأكبر، والمستحقة لروسيا في عهد الرئيس أحمد الشرع، وبحسب وكالة رويترز، سعى الكرملين إلى الإبقاء على القواعد العسكرية التي أنشأها في عهد الأسد، في حين طلبت دمشق تخفيف عبء الديون وتنازلات أخرى.
هذا الوضع جعل سوريا في موقف حرج، فيما تسعى الحكومة الجديدة إلى إعادة إعمار البلاد، وإلى إصلاح علاقاتها مع المجتمع الدولي – بما في ذلك الدول التي تناهض روسيا بسبب غزوها أوكرانيا.
كما أن سوريا بحاجة إلى الدعم من أي جهة قادرة على تقديمه. فقد دمرت الحرب البلاد على مدى 13 عاماً، ولا تملك الحكومة سوى خيارات محدودة لتمويل عملية إعادة الإعمار، التي تقدر تكلفتها بنحو 216 مليار دولار، وفقاً للبنك الدولي.

إعلان توظيف جنود ومقاتلين بصفة تعاقد في صفوف قوات النظام المخلوع في اللاذقية – سراج. تصوير: أحمد حاج بكري
وما يزيد الطين بلة، أن سوريا تعاني ديوناً إجمالية تبلغ نحو 27 مليار دولار، وفقاً للبنك المركزي السوري. ويبلغ حجم الديون الخارجية منها ما يصل إلى 22.3 مليار دولار، منها ما لا يقل عن 1.2 مليار دولار مستحقة لروسيا، وفقاً لتقييم البنك الدولي للاقتصاد السوري في عام 2025، مستنداً إلى البيانات الرسمية.
نفوذ عسكري
تمتلك روسيا إمكانية عالية للتأثير على الجيش السوري، ما يمنح الكرملين نفوذاً أكبر في المفاوضات. فقد بنت عائلة الأسد، التي حكمت سوريا لمدة نصف قرن، جيشها بالاعتماد بشكل أساسي على الأسلحة الروسية. هذا يجعل الحكومة الجديدة معتمدة على الأسلحة الروسية للحفاظ على القوة التي تحتاجها لفرض الأمن.
قال الدكتور أسامة القاضي، أول مستشار السياسة الاقتصادية بوزارة الاقتصاد والصناعة السورية: “خلال خمسين عامًا كل الإمكانات العسكرية السورية هي أصلها روسي. تحتاج إلى قطع تبديل، تحتاج الى سلاح جديد، من أجل تجديد السلاح الروسي القديم”.

عربة مدرعة ضمن نقطة عسكرية وحواجز لقوات النظام المخلوع في ريف اللاذقية – سراج. تصوير: أحمد حاج بكري
لم يشارك القاضي في المحادثات مع روسيا، لكنه قال إنه، بالإضافة إلى مشتريات الأسلحة في المستقبل، يعتقد أن الجانبين ناقشا استمرار روسيا في استخدام قاعدتها البحرية بالقرب من مدينة طرطوس الساحلية. وقد يُسمح لروسيا أيضًا بالاحتفاظ بقاعدة حميميم الجوية بالقرب من مدينة اللاذقية الساحلية “بشرط وجود الإدارة السورية لكي لا تكون ملاذًا للفلول، وفي الوقت ذاته تكون منسجمة مع توجهات وزارة الدفاع السورية”.
وأضاف القاضي في حديثه لـ “سراج”، إنه “في المقابل، سيكون هناك غض نظر عن أي دين أو أي عقد وقّعه النظام مع الروس”. مضيفاً، أنه يعتقد أن المفاوضات حول مثل هذا الاتفاق شكلت “جزءًا كبيرًا من المحادثات المشتركة السورية – الروسية في زيارة الرئيس الشرع إلى روسيا” في كانون الثاني/ يناير 2026.
بدوره، قال جوزيف ضاهر، الأكاديمي والباحث السوري، “إن لدى الطرفين (سوريا وروسيا) نقاط قوة، والحكومة السورية تعرف ذلك، يريد الروس أن يبقوا عسكرياً في سوريا ضمن المعسكرين على البحر المتوسط (قاعدة حميميم وميناء طرطوس)، وهذا مفيد جداً بالنسبة الى روسيا، بخاصة للعمليات العسكرية في أفريقيا”. وأضاف أنه “يمكن أن يتفق الطرفان على تأجيل الديون أو تخفيضها، أو يمكن أن ينجزوا اتفاقيات تجارية واقتصادية، بدل أن تدفع سوريا الديون لروسيا”.
عندما تولى الشرع الرئاسة في كانون الثاني/ يناير 2025، كان من أول ما فعله هو المطالبة بإلغاء القروض الروسية التي حصل عليها نظام الأسد، وفقاً لما أوردته وكالة رويترز. وبحلول تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، صرح بأن حكومته ستلتزم بالاتفاقات التي أبرمها نظام الأسد مع روسيا.
ولم ترد وزارتا الخارجية والمالية السوريتان على الأسئلة المتعلقة بمفاوضات الديون مع موسكو، في حين أفادت وزارة الطاقة بأن الأمر لا يقع ضمن اختصاصها.
وأشار تقرير صدر أخيراً عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، وهو مركز أبحاث بريطاني، إلى أن “روسيا تحافظ على نفوذها (في سوريا) من خلال الديون، والقواعد العسكرية، والوساطة في الشؤون الأمنية”.
الباحث والمستشار السياسي، باسل الحاج جاسم، أكد في حديثه لـ”سراج”، أن الواضح حتى الآن في موضوع الديون الروسية، هو تأجيل الحسم في هذا الملف، وهذا سبب ما يبدو كـ “صمت”، مشيراً إلى أن الأرقام التي تتحدث عن الدين الروسي على سوريا “ليست سريّة بالكامل، لكن اختلاط الدين بالصفقات السياسية، يعقّد تحديد قيمتها الحقيقية، فديون كثيرة هي في الحقيقة عقود أو امتيازات، واتفاقيات غير شفافة أو غير منشورة، بالإضافة الى خلاف حول شرعية الدين نفسه… هل هو دين دولة؟ أم دين نظام خلال حرب؟”.
محادثات صارمة
يُظهر محضر الاجتماع المسرب، الذي حصلت عليه الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج” بالتعاون مع الشريك “زمان الوصل”، أنّ المسؤول الروسي استخدم نفوذاً مماثلاً في محادثاته مع مسؤول نظام الأسد.
وقد حضر الاجتماع الذي عُقد في أيار/ مايو 2024 في القصر الرئاسي بدمشق، وفد برئاسة ييفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي، الذي التقى بمنصور عزام، وزير شؤون الرئاسة السوري آنذاك.
وقال ييفكوروف آنذاك: “نحن ندفع تكاليف العسكريين الروس والعمال السوريين”، بتكلفة شهرية تبلغ 4.5 مليون دولار أميركي. كما طالب نظام الأسد بدفع مبلغ إضافي قدره 1.16 مليون دولار شهريًا لـ”إعادة تجهيز نقاط استناد القوات الروسية” التي ستحمي المواقع.
ثم قال ييفكوروف “إن روسيا ستتوقف عن دفع تلك التكاليف اعتباراً من حزيران/ يونيو 2024″، مطالباً سوريا بتحمّلها.
وفي إشارة إلى أنّ سوريا تمتنع عن سداد المدفوعات، حذّر ييفكوروف قائلاً: “لا يعجبني أن يغشني أحد ما. وهذا ليس من طبعي. وأنا مُجبر على إخباركم بهذا كله. الحوار مع وزير النفط سيكون بأسلوب آخر”.
ولفت ييفكوروف الى “أنّ إجمالي الديون المتعلقة بالخدمات المحددة قيد المناقشة – والتي لم تكن سوى جزء من فاتورة أكبر بكثير مستحقة لروسيا – بلغت 37.16 مليون دولار”.
وأضاف، أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لم يكن على علم بتلك الديون البالغة 37 مليون دولار، ما وضعه في “مأزق”. وتابع: “أن وزير الدفاع الروسي الجديد سيطرح موضوع هذا الدَين… أو سيبلغ الرئيس بوتين عنه”، مضيفاً، “بالتأكيد عندئذ سيسأل الرئيس كيف حصل هذا… لا يمكنني أن أقول للرئيس إنني أنا قصرت، وأنا لا أعرف كيف سأبرر عندئذ، كيف حصل هذا الدين لروسيا على الجانب السوري؟”.
وأردف: “أعرف أنا في مأزق ولا أعرف ماذا أقول، ما رأيكم في ما لو قلت (لبوتين) إن وزير النفط قصر في الموضوع، إذا وضعت الحق على وزير النفط ستظهر مشكلة ثانية (ضاحكاً) وسيقول لي: معليش احضر لي وزير النفط أرسله في مهمة قتالية إلى الجبهة مع أوكرانيا”.
كان الوزير في نظام الأسد، منصور عزام، متودداً في محاولته تهدئة المخاوف الروسية، إذ قال: “أعتقد أننا سنتمكن في مدى قصير جدًا من حل كل هذه المشكلات”، مشيراً إلى أنه لا يعرف شيئاً عن هذا الدَين، وأنه “عملية تقنية بين وزارات النفط والمالية والدفاع والبنك المركزي”.
لم يتمكن مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) من التواصل مع عزام مباشرة. ولم ترد القنصلية السورية في موسكو، حيث يعتقد أن عزام موجود حالياً، على طلب للتعليق.
منصور فضل الله عزام، وزير شؤون رئاسة الجمهورية في عهد نظام الأسد، وهو من مواليد 1960 في محافظة السويداء. شغل منصب مسؤول الشؤون الثقافية وشؤون الكونغرس الأميركي، ما بين عامي 1995 و2000 في السفارة السورية في واشنطن، ثم عمل مستشاراً في وزارة الخارجية ونائباً لمدير إدارة المراسم في الوزارة ما بين عامي 2000 و2002، ثم نائباً لمدير المراسم في رئاسة الجمهورية ما بين عامي 2003 و2008، قبل تعيينه أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، ثم وزيراً لشؤون الرئاسة في العام 2009.
النفط مقابل الحماية
قبل تسع سنوات من محادثة عزام وييفكوروف في دمشق، تدخلت روسيا في الحرب السورية لصالح نظام الأسد، ما منح النظام المخلوع تفوقاً كان في أمسّ الحاجة إليه.
في ذلك الوقت، كان النظام يعاني من استنزاف مالي، وكان عاجزاً عن تأمين بنيته التحتية للطاقة بنفسه. وبمقابل الدعم العسكري، أفادت التقارير بأنّ دمشق بدأت بتقديم “كل الحوافز الممكنة” للشركات الروسية لإعادة بناء قطاع الطاقة.
وفقًا لقائمة العقوبات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي، فإن الشركة الروسية “إيفرو بوليس” كانت قد “وقعت عددًا من العقود مع النظام السوري، من خلال الشركة العامة للبترول، المملوكة للدولة”.
وحصلت الشركة على حصة قدرها 25 في المئة “من إنتاج النفط والغاز في الحقول التي استولت عليها مجموعة فاغنر”، وهي قوة شبه عسكرية روسية قاتلت إلى جانب الأسد.
ووصف الاتحاد الأوروبي الشركة بأنها “واجهة لمجموعة فاغنر”، التي كان يديرها الراحل يفغيني بريغوجين.
انقلب بريغوجين على بوتين في عام 2023، وقاد مجموعة من مقاتلي “فاغنر” من الجبهة الأوكرانية نحو موسكو، في تمرّد لم يدم طويلاً. أوقف بريغوجين الانتفاضة، لكنه لقي حتفه في حادث تحطم طائرة غامض بعد شهرين، في آب/ أغسطس 2023.
يشير محضر الاجتماع الذي عُقد في دمشق إلى أن روسيا كانت تعتزم، بحلول موعد انعقاده، نقل عقود النفط بعيداً عن شركة “إيفرو بوليس”.
يظهر في محضر الاجتماع، أن الجنرال الروسي ييفكوروف، سئل عن سبب استمرار الشركة في تلقّي مبالغ من منشآت الغاز والنفط السورية، وهي: إيبلا وحيان في وسط سوريا.
وقال ييفكوروف: “بحسب معلوماتنا، لا تزال شركتا إيبلا وحيان تدفعان مبالغ مالية لشركة إيفرو بوليس، ونرجو أن تتحققوا من ذلك. وطرح عليّ الحضور تساولاً: لماذا تدفعان لإيفرو بوليس؟”.
كما يشير محضر الاجتماع، إلى أن الجنرال الروسي، طالب وزارة النفط والثروة المعدنية السورية بتوقيع عقد مع شركة أخرى، هي “إيربوست-إم”، التي أفادت التقارير بأنها افتتحت فرعاً رسمياً لها في دمشق عام 2024، وذلك لتقديم خدمات أمنية للمنشآت، بما في ذلك حقول النفط.
وبحلول نهاية ذلك العام، كان نظام الأسد قد سقط، لتتخذ العلاقات السورية-الروسية منعطفاً دراماتيكياً.
ووفقاً للمحللين، أصبحت مفاوضات سوريا مع روسيا منذ ذلك الحين محكومة باعتبارات جيوسياسية. إذ تركز حكومة الشرع على منع كل من التمرد الداخلي والتوغلات الإسرائيلية عبر الحدود. كما تحتاج الحكومة الجديدة إلى تحقيق التوازن في علاقتها مع روسيا مقابل دبلوماسيتها مع دول أوروبا والولايات المتحدة.
قال الدكتور حايد حايد، زميل أول غير مقيم في مبادرة الإصلاح العربي: “لقد كانت أميركا واضحة برغبتها في تقليل نفوذ روسيا بسوريا وتعامل الأخيرة معها، لكن لا يوجد وضوح حول حجم قدرتها على دفع سوريا الى الالتزام بهذا الموضوع.
وأضاف، أن تعاطي سوريا مع روسيا خلال الفترة الماضية، يشير الى رغبة سوريا في الوصول الى تفاهمات مع روسيا على الرغم من كل هذه الضغوط.
وقال جهاد يازجي، الخبير في الشؤون السورية، والباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “من المؤكد أن السوريين يأخذون في الحسبان حقيقة أن الروس هم – من بين الدول الكبرى – الوحيدون الذين قد يكونون على استعداد لإرسال قوات إلى جنوب سوريا لحمايتهم من إسرائيل”.
فيما أوضح سقراط العلو، الباحث في الاقتصاد السياسي السوري، بمبادرة الإصلاح العربي، وهي مؤسسة بحثية مقرها باريس، أنّ روسيا قد تختار أيضًا دعم خصوم الحكومة الجديدة. وقال إن الكرملين قد “يثير أو يكبح الاضطرابات على طول الساحل من خلال شبكات مرتبطة بالمناطق العلوية وبقايا الجيش التابع للنظام السابق”. لكن تلبية رغبة روسيا في الحفاظ على وجود عسكري في سوريا قد تؤدي إلى إبعاد الدول التي ترغب دمشق في إقامة علاقات جيدة معها.
وختم حديثه قائلاً: “على النقيض من ذلك، تبدو الأطراف الأوروبية أكثر حساسية تجاه ترسيخ النفوذ الروسي”.