Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

من اللائحة السوداء إلى ملفات المراقبة… كيف رُصد صحفيون سوريون وأجانب في وثائق المخابرات السورية؟

هذا التحقيق يكشف، للمرة الأولى، كيف بنت أجهزة المخابرات السورية منظومة متكاملة لتعقّب الصحفيين، من “اللائحة السوداء” إلى ملفات المراقبة، وصولًا إلى الاعتقال أو التصفية.

صباح الرابع من كانون الأول/ديسمبر 2024، وبينما كانت قوات النظام السوري المخلوع تنهار في ريف حماة، حلّقت طائرة حربية من نوع “سوخوي 22” فوق بلدة مورك، أقلعت من مطار الشعيرات، وأطلقت صاروخاً أنهى حياة مصور صحفي أمضى عقداً كاملاً من حياته وهو يوثّق بعدسته الحرب السورية.

في تلك اللحظة، وعندما كانت قوات المعارضة السورية تتقدم من الشمال ضمن معركة “ردع العدوان”، والتي أنهت حكم عائلة الأسد بعد أكثر من خمسين عاماً، قُتل الصحافي أنس الخربوطلي، وهو من أواخر من بقي من جيل الصحفيين الذين رافقوا الثورة السورية منذ انطلاقتها العام 2011.

لكن مقتله لم يكن مجرد صدفة في ساحة قتال، بل جاء وفق رواية مصدر من عائلته بعد عملية تعقّب استمرت لسنوات، حيث أكدت العائلة أن الخربوطلي أبلغهم شخصياً بتلقيه تهديدات متكررة من جهات مجهولة، وردت عبر هاتفه المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي

 بحسب المصوّر الصحفي كرم الخطيب، الذي كان رفقة الخربوطلي لحظة القصف، حلّقت الطائرة فوق الموقع قبل أن تطلق صاروخاً أصابه مباشرة، ليفارق الحياة بعد دقائق داخل سيارة الإسعاف.

 

 

مقاطع فيديو حصلت عليها سراج، وجرى سابقاً تحليلها والتحقيق فيها من قبل شريكنا “مراسلون بلا حدود” (RSF) في إطار توثيقه لواقعة مقتل أنس الخربوطلي.

كان الخربوطلي، يوثّق الهجمات الجوية والبرية التي تتعرض لها بلدات ريف حماة الشمالي، من قبل قوات النظام السوري والطيران الروسي. 

أنس، البالغ من العمر 32 عاماً، والمنحدر من بلدة كفربطنا في الغوطة الشرقية لدمشق، لم يكن مجرد صحفي ميداني يحمل الكاميرا وسط النار، بل كان من الأسماء المعروفة في الأرشيفات الأمنية للنظام السوري.

بعد تهجيره قسرياً من مسكنه عام 2018، التحق بعمله مراسلاً لإحدى وكالات الأنباء العالمية، واستمر في تغطية الأحداث والمعارك وأحوال السكان والمهجّرين في محافظتي إدلب وحماة.

في عام 2020، نال جائزة “المراسل الشاب” في مهرجان Bayeux Calvados-Normandy الفرنسي، عن سلسلة صور وثّقت استهداف المستشفيات والأسواق من قبل قوات نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين. لكن هذا النجاح المهني جعله على “قائمة سوداء” أعدّتها الأجهزة الأمنية السورية، ضمت عشرات الصحفيين والنشطاء الذين وثقوا جرائم الحرب.

يقول الصحفي كرم الخطيب، عن مشاهداته في ذلك اليوم، إنه رأى طائرة تحلق فوق المكان في سماء بلدة مورك حيث كانا بانتظار زملاء آخرين. ويضيف: “سمعنا صوتاً قويًا جدًا عندما كنا نركض. ركضت مسافة سبعة أمتار ورماني ضغط القصف إلى الأمام”.

وأضاف: “وجدت أنس ملقى على الأرض [يتلفظ بالشهادتين] وينزف بغزارة لأن إصابته كانت بالطرف السفلي. استشهد داخل سيارة الإسعاف قبل الوصول إلى المشفى”.

التقط أنس آخر صورة له قبل ثوانٍ من موته، صورة لطائرة حربية من طراز “سوخوي 22″، انطلقت الساعة 9:07 بتوقيت سوريا من مطار الشعيرات العسكري نحو الشمال السوري، يقودها الطيار العقيد في جيش النظام المخلوع، باسل غرير، بحسب تسجيل صوتي لجانب من مكالمة الطيار الحربي مع القاعدة الجوية قبيل استهدافه الصحفي خربوطلي، حصل عليه فريق التحقيق من الصحفي كرم الخطيب.

حاول الصحفيون التحقق من صحة المكالمة (38 ثانية) ومن مصدر الصوت بعد مقاطعة المعلومات التي تم الحصول عليها من مرصد الطيران الحربي “ابو امين” والمعروف حينها كأحد أبرز مصادر رصد الطيران الحربي وعمليات القصف في سوريا. بحسب المرصد تم تحديد الطائرة في الأجواء ورصدها في قبل أن تنفذ العملية في الأجواء”، وبحسب ما نسمعه بالمكالمة كان هناك على ما يبدو طيران آخر بالأجواء، وطلب من الطيار الاقتراب منه لتنفيذ الهدف (القصف) لكنهما كانا على مستوى طيران متساوي، وأن القاعدة ستبلغ الطيار بتغيير ارتفاعه، ربما منعا للتصادم.

تحقّق الصحفيون من الفيديو الذي صُور لحظة القصف ومقتل الصحفي، إذ تدلل البيانات الوصفية للصور الملتقطة بتاريخ الرابع من كانون الأول/ ديسمبر 2024، علي توقيت القصف ولحظة التصوير الضحايا والتي تمت الساعة 9:27 دقيقة، بفارق عشرين دقيقة بين اقلاع الطيار وتنفيذ الغارة.

تسجيل صوتي من مراصد الطيران العسكرية، خاص لفريق التحقيق زودنا به الصحفي كرم الخطيب، يوثق جانباً من مكالمة الطيار الحربي مع القاعدة الجوية قبيل استهدافه الصحفي أنس الخربوطلي. وزملائه.

الصحفي كرم الخطيب يتحدث عن ظروف استهداف ومقتل الإعلامي أنس الخربوطلي – سراج.

عمليات تعقب وتتبع  الصحفيين من قبل الأجهزة الأمنية في نظام الأسد، ليست وليدة سنوات الثورة فقط منذ العام 2011، بل امتداد لمنظومة ضبط وتتبع قديمة تشمل مراقبة الصحفيين المحليين.

وتشمل أيضاً عملية تعقب الصحفيين الأجانب خارج الحدود من خلال البعثات الدبلوماسية السورية التي كانت بمثابة أوكار “تجسّس” على ما يكتبونه عن النظام السوري، على ما يكشفه هذا التحقيق الاستقصائي للوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج بالتشارك مع منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF).

اطّلع فريق التحقيق على نسخٍ من وثائق أمنية من أرشيف فرع المخابرات الجوية والفرع 291 في دمشق التابع للمخابرات العسكرية، تعود إلى الأعوام ما بين 2011 و 2024، تستعرض أسماء صحفيين وضعوا على اللائحة السوداء أعدتها المخابرات السورية، وقوائم صحفيين واعلاميين سوريين عممت اسماؤهم على فروع الأمن وأصبحوا مطلوبين بعد تغطيتهم أحداث الثورة السورية. 

تُظهر الوثائق أن النظام المخلوع طوّر منظومة مراقبة شاملة للصحفيين المحليين، تبدأ بالتعقب ومعرفة نشاط الصحفي وتخصصه، ورصد تحركاته بقدر عال من الدقة، وذلك حسب ما يوفره المخبرون والجواسيس، ثم ترسل إلى الفرع الأمني المعني، من أجل أرشفتها والتحرك لاتخاذ إجراء ما.

غالباً ما ينتهي الأمر بالاعتقال او أحيانًا بالقصف أو القتل كما حصل مع الصحفي الخربوطلي. أما خارج الحدود، فيتم ووضع الصحفيين الأجانب على “قوائم سوداء”. وقد أوجد النظام لأجل ذلك آلية للتعامل معهم، ضمن إطار إدارة الدولة “البوليسية” لعلاقتها مع الصحافة الأجنبية أسوة بالاتحاد السوفييتي وكوريا الشمالية وغيرها من الدول، التي كان النظام السوري يستنسخ تجاربها لتعزيز سطوته الأمنية. 

عرضنا ما لدينا من وثائق على خبيرين حقوقيين مختصين في القانون الدولي، أكدا أن هذه اللائحة هي آلية ممنهجة لتعقّب الإعلاميين، تبدأ من الرصد الإلكتروني لنشاطهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مروراً بتحديد مواقع عملهم، وصولاً إلى استهدافهم تُنفَّذ تحت ذريعة الارتباط (بجهات أجنبية).

لكن كيف كان النظام السوري وأجهزته الأمنية يصنعون “اللائحة السوداء”، وكيف يتمكنون من إحصاء وتتبع أسماء من يكتب عن النظام وعن حزب البعث وعن حافظ وبشار الأسد من بعده، في عصر لمن تكن فيه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات بهذا المستوى من التقدم كما هي عليه الآن؟ 

بحسب من قابلناهم في هذا التحقيق، وهم عاملون سابقون في حقل الإعلام في حكم حافظ وبشار الأسد، كان هناك آلية رقابية مؤسسية تبدأ قبل دخول الصحفي إلى الأراضي السورية، عبر رصدٍ منهجي وتوثيقٍ مسبق لكل ما يكتبه أو يقوله عن سوريا في الصحافة الأجنبية والعربية، وتستند إلى أرشفة دقيقة وتقييم سياسي وأمني متواصل. 

يقول طالب قاضي أمين، الذي شغل منصب معاون وزير الإعلام (2003 – 2008)، ومدير إدارة الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام (2003 – 2009): “إنّ أي صحفي أجنبي كان يدخل سوريا لم يكن يتعامل مع وزارة إعلام بالمعنى المهني، بل مع منظومة رقابة كاملة تبدأ من الحدود”.

إذ لعبت الوزارة، بحسب قاضي أمين، دوراً كبيراً في الرقابة عبر مديرية الإعلام الخارجي، وكانت الوزارة الجهة الوحيدة المخوَّلة بمنح سمات الدخول للصحفيين، وهو ما منحها دورًا حاسمًا في فرز المراسلين وتقييمهم مسبقًا: “من اللحظة الأولى كنا نعرف من هو الصحفي، ماذا كتب سابقًا، وكيف ينظر إليه النظام”.

“عندما قدمت للوزارة وجدت أن النظام (نظام التعقب والتتبع، وصنع اللائحة السوداء) جاهزاً، لقد أوجَدوه منذ تولي البعث السلطة.. إنه نظام سوفييتي”، يضيف في مقابلة مع فريق التحقيق. 

من الرقابة الداخلية إلى التصفية: وثيقة جورين 

“كل مراسل يظهر في وسائل إعلام غربية يُعتبر عميلاً محتملاً”، بهذه العبارة لخّص ضابط استخبارات سوري، عمل ضمن أجهزة نظام الأسد المخلوع المنطق الذي حوّل الصحافة في سوريا إلى هدف عسكري مشروع.

خلال سنوات الثورة، تعاون صحفيون محليون وناشطون ميدانيون مع وسيلة إعلام دولية لتغطية الاحداث في سوريا في ظل الحجب والمنع الذي نفذه النظام وفرضه على تدفق المعلومات من سوريا للعالم، وهذا ما جعلهم هدفاً مشروعاً. 

في شهادة حصل عليها فريق التحقيق، قال ضابط الاستخبارات الذي طلب عدم الكشف عن هويته خشية الظروف الأمنية القائمة في سوريا إن أسماء الصحفيين والمراسلين الذين يظهرون على قنوات دولية كانت تُجمع في قوائم دورية، ثم تُرسل إلى وحدات المخابرات الجوية، لتنفيذ “عمليات دقيقة” ضدهم من اعتقال واستهداف.

لم تكن سياسة النظام تجاه الصحفيين محصورة في القصف والاستهداف فقط، بل امتدت إلى رصد مصائر الإعلاميين حتى بعد الضربة.

مصدر خاص أدّى خدمته وعمله ضمن جهاز أمني في منطقة المربع الأمني شديدة الحراسة في منطقة كفرسوسة في العاصمة دمشق، وصف هذه الآلية بدقة: “كانت هناك وحدات متخصصة تجمع المعلومات الرقمية وتربطها بالميدان. الاسم ينتقل من تقرير أمني إلى توصية عملياتية”.

لم يكن أنس الخربوطلي الوحيد الذي لاقي مصيره بسبب القصف بسبب عمله الصحفي، في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2023، توفي الإعلامي محمد عثمان، متأثراً بإصابته قبل يومين أثناء تغطيته لقصف نفّذته قوات نظام الأسد على مدينة إدلب. ورغم عدم وجود ما يؤكّد إدراج اسم عثمان ضمن قوائم الرصد والاستهداف، إلا أن وثيقة اطّلعت عليها “سراج” عقب سقوط النظام، كشفت عن متابعة أمنية واضحة لمصيره. 

في معسكر جورين الواقع في سهل الغاب غرب محافظة حماة، والذي اتخذته الفرقة السادسة في جيش النظام مقراً رئيسياً لعملياتها، وكان يُعدّ وفق شهادة الضابط المنشق يوسف الهاني، قاعدة متقدّمة لقوات النظام في أرياف إدلب وحماة، عثر فريق التحقيق على وثيقة صادرة عن فرع الأمن السياسي في اللاذقية.

 

حَولت قوات النظام المخلوع مبنى الثانوية الزراعية في جورين إلى معسكر منذ بدايات الثورة السورية في العام 2011 – Maxar Images.

رُفعت الوثيقة إلى رئيس اللجنة الأمنية والعسكرية في المنطقة الساحلية، وجرى تعميمها على عدة أقسام وفروع عمليات، أبرزها القوات الروسية و”مركز مسلم” الذي كان يخضع لإدارة إيرانية في سهل الغاب.

وتشير الوثيقة، المؤرخة في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى أنّ الطائرات الحربية الروسية استهدفت مقراً تابعاً للمجموعات المصنّفة “إرهابية”، كان يتواجد فيه الإعلامي محمد عثمان.

وتضيف الوثيقة أنّ “المصدر أكّد أن المذكور ما يزال على قيد الحياة، وأن المعلومات الواردة عن مقتله غير دقيقة”. علماً أن عثمان كان يبلغ من العمر 22 عامًا عند مقتله.

وثيقة موجهة لرئيس اللجنة الامنية والعسكرية في اللاذقية حول مصير مصير الإعلامي محمد عثمان، حصري / سراج.

ووفقاً لبيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، شهدت سوريا في الفترة الممتدة بين آذار/مارس 2011 وحتى كانون الأول/ديسمبر 2024 واحدة من أكثر الحملات دموية ضد العاملين في الإعلام في التاريخ المعاصر.

فقد تم توثيق مقتل 725 من الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي، بينهم 6 سيدات، بالإضافة إلى 9 صحفيين أجانب. وتشير الأرقام إلى أن 559 منهم قُتلوا على يد قوات نظام الأسد مباشرة. كما لا يزال ما لا يقل عن 486 إعلامياً رهن الاختفاء القسري، من بينهم 9 سيدات و17 صحفياً أجنبياً، وتشير البيانات إلى أن 392 حالة على الأقل تتحمّل مسؤوليتها قوات النظام السابق.

لم يكن استهداف النظام السوري للصحفيين وتصفيتهم بسبب عملهم وتغطيتهم الصحفية مجرد تكتيك آني تفرضه مقتضيات المعركة، بل كانت منهجاً اعتمده منذ الأيام الأولى للثورة السورية، لكن شكل سقوط النظام فرصة للاطلاع على هذه المنهجيات وأهمها الرصد والتعقب ومنهجية اللائحة السوداء.  

في الوثيقة أدناه، وهي قائمة أسماء صحفيين يجري مراقبتهم وتتبعهم، نجد إسم الصحفي الزميل براء البوشي. براء (الصحفي المواطن) قُتل في قصف نفذه جيش النظام على مدينة التل، في ريف دمشق، في 11 آب/أغسطس 2012، متأثراً بجراحه بعد تعرضه لإصابة بالغة. البوشي كان صحفياً ميدانياً، وناطقاً إعلاميا على العديد من الفضائيات، بعد أن انشق عن قوات الجيش النظامي.

 وثيقة بأسماء صحفيين وتخصصاتهم والمناطق التي يتواجدون بها من إحدى قوائم تتبع الصحفيين من قبل المخابرات السورية – حصري / سراج.

من التتبع إلى الاعتقال بواسطة “الراشدة”! 

عملية إدراج الصحفيين على قوائم التتبع والمراقبة لم تكن إجراءً بيروقراطيًا فقط، وإنما مسار طويل من الرصد والتحليل والتعقب بهدف منع عمل الصحفيين.

اعتمدت الأجهزة الأمنية على مزيج من الأدوات التقليدية والتقنيات الحديثة. فإلى جانب شبكات المخبرين والمراقبة الميدانية، توسّع الاعتماد على الرصد الرقمي، حيث جرى تتبع نشاط صحفيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل اتصالاتهم، وربط تحركاتهم الجغرافية بموادهم المنشورة، كما تكشف قصة الصحفية حنين عمران، والتي خرجت من السجن يوم سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

إذ لم تُعتقل عمران على حاجزٍ أمني ولا خلال مداهمة ليلية في أطراف المدينة. بل اعتُقلت في وضح النهار، من قلب دمشق، داخل مركز تعليمي في شارع بغداد بعد أشهر من محاولات فاشلة من قبلها للخروج من العاصمة.

تروي عمران أنّ الأسابيع الأخيرة قبل الاعتقال كانت مشبعة بإحساس مطاردتها، ومحاولاتها للنجاة: “كنت أحاول الخروج من دمشق بأي طريقة… إلى الشمال، إلى السويداء، حتى فكرت بجرمانا ثم تهريباً باتجاه السويداء”. لكن في يوم اعتقالها، جلست في مركزتعليمي تعمل  قبل أن تبدأ العملية التي بدت كأنها مدبّرة مسبقًا.

في 23 حزيران/يونيو 2024، خرجت الصحفية الشابة، كما تستذكر، دقائق لشحن “رصيد وحدات” لهاتفها الجوال ثم عادت، لتلاحظ شخصًا يدخل المكان للمرة الأولى: “شاب قصير القامة… يحمل حقيبة تشبه حقيبة اللابتوب”. في دخوله الثاني طلب هويتها. وحين رفضت قبل أن تعرف صفته، أدركت أنه يحاول التأكد من الهدف: “قلت له: لا يمكنني إعْطاؤكَ هويتي إن لم أعرف من أنت… عندها عرفت أنه تأكّد”.

ثم قال لها بوضوح: “اجمعي أغراضك وامش معنا، ولا كلمة واحدة”.

تصف الصحفية المشهد الذي تقول إنه ما زال يطارد ذاكرتها: المركز ممتلئ بعناصر الأمن، ولا وجود لأي مدنيين تقريبًا. “كان صاحب المركز والسكرتيرة واقفين ورأسيهما مطأطئين… لن أنسى هذا المشهد أبداً”. لم يكن الاعتقال لحظة عابرة؛ كان عملية ضبطٍ كاملة في مكان عام، لكن بصمتٍ مدروس كي لا تتحول إلى فضيحة في وسط المدينة.

نُقلت عمران بسيارتين، وأُجبرت على خفض رأسها، ووُضعت القيود البلاستيكية في يديها. تقول: “كنت أحاول أن أرفع رأسي لأعرف إلى أين نحن ذاهبون، فكان [عنصر الأمن] يضربني”. الطريق كان طويلًا لدرجة أنها ظنت أنهم يأخذونها إلى مكان بعيد، قبل أن تكتشف الحقيقة. إذ “تبيّن أننا في مطار المزة”.

لم يتعامل المحققون معها كصحفية فقط، بل كأرشيفٍ متنقل. 

داخل الفرع الأمني، في “قسم الأمانات”، التقطوا لها صوراً، ثم طلبوا كلمات السر الخاصة بجهاز اللابتوب الشخصي وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأت مرحلة مصادرة البيانات وقراءتها كسلاح.

تقول: “كنت أريد حذف [تطبيق] تلغرام فقط، لأن عليه صور مواقع عسكرية وإحداثيات وتسجيلات صوتية”. لكنها عندما حذفته، انهال عليها عنصر الأمن بالضرب: “ضربني وقال: ماذا حذفتِ؟… ثم استعادوا تلغرام واستعادوا كل الملفات القديمة”.

بالنسبة لها، كان هذا لحظة إدراك قاتلة: الجهاز الذي تحمله ليس هاتفًا، بل ملف أمني كامل، قابل للاسترجاع والتحليل واستخدامه ضدها وضد من تواصلت معهم.

في سجن المزة، التابع للمخابرات الجوية، وُضعت حنين في زنزانة انفرادية حملت الرقم (3)، ووُضع رقم على يدها بدل اسمها. “قال لي أحدهم: هذا اسمك… وإذا قلتِ اسمك الحقيقي فحسابي معك عسير”.

لكن أكثر ما يربط قصتها بموضوع التحقيق هو انتقال الاستجواب من “اعترافات” إلى “بيانات”: فتح الحسابات، استخراج المحادثات المنسية، واستخدامها كأدلة. تقول: “نبشوا محادثات كنت قد نسيتها… كل هذه المحادثات أُخرجت كأدلة ضدي بالكامل”.

خلال أحد التحقيقات داخل السجن، تقول إن الملقب بـ”أبو علي جوية”، كما عرف عن نفسه إبان التحقيق معها، واجهها بخيار مباشر بين “التعاون” أو الفناء: “أمامك خياران: إما أن تعملي معنا كطُعم وتجيبي [تستدرجي] البقية… أو تقضي حياتك في السجن. وحتى لو خرجتِ، فأينما كنتِ، لكِ رصاصة”. 

عقب سقوط النظام، عرفت عمران من أحد عناصر الفرع، والذي تواصل معها عبر “انستغرام” للاطمئنان عليها، كما تروي، وكان يتمتع بالإنسانية حتى إبان الاعتقال، أن الاسم الحقيقي لـ”أبو علي جوية” هو العقيد زياد اسماعيل الذي لا يعرف مكانه الآن. 

وبحسب العنصر، فقد كان مصير عمران في حال استمرار نظام الأسد تمضية بقية حياتها في السجن. فبعد “انقضاء حكمك”، كما قال، كان “سيتم تحويلك إلى [سجن] صيدنايا أو الجوية (الاستخبارات)”.  

كذلك، تقدّم عُمران رواية مهمّة لأنها تربط الاعتقال بآلية تتبّع ميدانية لا تظهر عادة في الشهادات.

تقول إن مراقبتها سبقت الاعتقال، وتجلّت بإشارات صغيرة: طلبات صداقة مكثفة من “عسكريين” على “فيسبوك”، ثم شعورها بأن صوت المكالمات تغيّر وكأن هناك من يتنصت.

لاحقًا فهمت، بحسب قولها، أن التتبع تم عبر الهاتف والـ“راشدة”، وهي “سيارة فيها جهاز تتبع… تلاحقك حتى تثبت في مكان، ثم تأتي الدورية لاعتقالك”.

وتضيف تفاصيل دقيقة تربط بين أكثر من جهة أمنية: “أمر التتبع من الفرع 215. التنفيذ عبر الراشدة، أما الاتصالات فكانت من الفرع 300”.

اعتقال حنين باستخدام تقنيات التجسس ليس استثناءًا بل هو جزء من نظام شامل كان يستعمله النظام المخلوع لمراقبة السوريين وفي مقدمتهم الصحفيين، بحسب شهادة ضابط احتياط سابق ومُتعاقد مدني في الفرع 225 التابع للاستخبارات العسكرية والذي كان مسؤولاً عن مراقبة الاتصالات في البلاد. الضابط الذي اعُتقل على خلفية مشاركته في الثورة السورية، قضى سنوات في سجن صيدنايا إلى أن تم الإفراج عنه في العام 2016.

ويقول الضابط في مقابلة مع “سراج”، إنّ الفرع كان يفرض رقابة محكمة على الاتصالات السورية وجميع الأرقام الأجنبية التي تعمل على الشبكة السورية، ويتم إدراج أهداف التجسس في قائمة “الخط الساخن”، مؤكداً أن معظم من يوضعون على هذه القائمة ينتهي بهم الأمر إما مقتولين أو معتقلين.

ويضيف “لم تكن المهمة مجرد مراقبة بل كانت تشمل تفريغ المكالمات حرفياً، وتحويل الملفات الصوتية لمختلف فروع الأمن وتحديد الإحداثيات الجغرافية للمتصل”. 

وعن الاستهداف المتعمد للصحفيين والناشطين، كشف الضابط أن “الخط الساخن” كان يتجسس على الناشطة رزان زيتونة بشكل مستمر، موضحاً أن قيادة الفرع الأمني لم تكن تشارك الأسماء مع العناصر بل تزودهم بأرقام فقط.

بحسب شهادة الضابط، فإن الفرع 225 كان مسؤولاً بشكل مباشر عن اعتقال مراسل إحدى وكالات الأنباء العالمية في سوريا، ويقول “شهدت عملية تتبع الصحفي حيةً أمام عيني وسمعتها عبر مكبرات الصوت داخل الفرع. بدأت الملاحقة الحثيثة بعد مكالمة رصد فيها تحركات الدبابات في درعا. استمر التتبع التقني حتى اللحظة التي حددوا فيها موقعه بدقة في منطقة باب توما بدمشق .. داهمته القوات الأمنية واعتقلته”. 

وزارة الإعلام: بوابة الدخول لسوريا المراقبَة 

داخل البنية البيروقراطية التي أحاطت بعمل الصحفيين الأجانب في سوريا، لم تكن وزارة الإعلام مجرد مؤسسة تنظيمية، بل شكّلت عمليًا إحدى حلقات منظومة الضبط الأمني.

ومثل هذا التقييم ليس انطباعيًا، بل مبني على أرشيف ضخم من القصاصات والتقارير المترجمة، حيث احتفظت الوزارة بملفات ورقية لكل صحفي تعامل مع سوريا أو شؤونها، سواء زارها أم لم يزرها، كما يوضح أمين: “لكل صحفي ملف ورقي كامل. كنا نؤرشف كل ما يكتبه، مترجمًا ومصنَّفًا. وعند طلبه التأشيرة يُفتح الملف قبل اتخاذ القرار”.

الرقابة لم تكن حدثًا طارئًا مرتبطًا بالحرب فقط، بل ممارسة مؤسسية راسخة سبقت الثورة بسنوات. فوزارة الإعلام، بحسب قاضي أمين، لم تكن تكتفي بتوثيق ما ينشره الصحفيون، بل كانت تحدد أيضًا نطاق حركتهم داخل البلاد: “الصحفي الأجنبي لم يكن يتحرك بحرية. كان يرافقه موظف أو مترجم من الوزارة بشكل دائم، وتُنسَّق لقاءاته مسبقًا مع الجهات الرسمية”.

غير أن الحدود الفاصلة بين الدور الإداري للوزارة والدور الأمني للأجهزة لم تكن واضحة دائمًا. 

إذ يؤكد المسؤول السابق أن “الأجهزة الأمنية كانت تحصل على نسخ من تقاريرنا وأرشيفنا. وكانت تبنى عليها قرارات المنع أو المراجعة أو السماح بالدخول”.

ومع تصاعد الصراع بعد عام 2011، يشير قاضي أمين إلى تحوّل جوهري في ميزان السيطرة:
“بعد عام 2011، تراجع دور وزارة الإعلام بشكل كبير، وانتقلت السيطرة الفعلية على الإعلام والصحفيين إلى الأجهزة الأمنية”.

في هذا السياق، لم تعد الوزارة بوابة التنظيم، بل واجهة شكلية لمنظومة أكثر صرامة تُخضع الصحفيين المحليين والأجانب لاعتبارات أمنية مباشرة، ويقول: “الصحفي الذي يأتي إلى سوريا بعد الثورة كان يجب أن يكون ‘مع النظام’ بالكامل. لم يعد هناك هامش حقيقي للعمل الصحفي”.

وتنسجم هذه الشهادة مع ما تكشفه الوثائق التي تركتها أجهزة النظام السابق خلفها، حيث لا يبدو تصنيف الصحفيين أو مراقبتهم إجراءً استثنائيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمنظومة أرشفة ومتابعة عمرها عقود.

وفي حالات المنع أو الاشتباه، لم يكن القرار دائمًا نهائيًا، بل يخضع لمعادلة سياسية وأمنية متغيرة:
“كانت هناك قوائم منع دخول أو قوائم متابعة. إذا رُفضت تأشيرة الصحفي فهذا قرار إداري، لكن إذا دخل رغم ذلك فقد يُطلب منه مراجعة الأجهزة الأمنية”، يقول امين.

تهديد الصحفيين خارج سوريا واعتقال أهاليهم! 

لم تتوقف سياسة الأجهزة الأمنية عند استهداف الصحفيين بشكل مباشر وتصفيتهم، بل امتدّت لتشمل تهديد الصحفيين الذين يعيشون خارج سوريا، باحتجاز عائلاتهم وأقاربهم كوسيلة ضغط غير معلنة من أجل إيقاف عملهم من المنفى.

شهادة الصحفي والناشط الإعلامي، مهند الزعبي، الذي ينحدر مدينة طفس في درعا، تُظهر كيف تحولت معاقبة الصحفي إلى سياسة تمتد إلى أقرب الناس إليه.

يَروي الزعبي، المقيم في ألمانيا، أنّ الاستهداف لم يبدأ باعتقال مباشر، بل بدأ باستهداف عائلته تحديداً في سياق سلسلة من عمليات الاقتحام والحرق الممنهج للمنازل في بلدته. لاحقًا، ومع تعذر الوصول إليه، انتقل الضغط إلى عائلته. 

في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، قُتل والده بعد اقتياده من المنزل خلال حملة عسكرية، قبل أن تُحرق منازل العائلة. 

بعد أحد الاقتحامات، توجّه الزعبي إلى المستشفى ليواجه مشهدًا صادمًا: “عدد كبير من الشهداء… الجثث كانت مشوهة بفعل القصف. لم يكن الهدف عسكريًا فقط، بل كسر قلوب الأهالي.” ويضيف أن كثافة القصف بلغت حد دفن عدة ضحايا في القبر نفسه، بينما كانت المقبرة نفسها تتعرض للقصف.

 و في نيسان/أبريل 2016، اعتُقلت والدته أثناء توجهها للعلاج في مدينة درعا. لم يكن الاعتقال مرتبطًا بأي نشاط لها، بل لمحاولة “ضغط مباشرة عليه”  وفق روايته. 

يقول الزعبي: “عندما لا يستطيعون الوصول إلى الناشط، يعاقبون أهله — أبوه أو بحرق داره”.

خلال فترة الاحتجاز، سعت العائلة للإفراج عنها عبر وسطاء ودفع مبالغ مالية إلا أن الوسيط كرر للزعبي عدة مرات أن الأمن العسكري يشترط منه “تسليم نفسه مقابل الإفراج عنها”.

ويشير الزعبي، إلى أن الاستجواب لم يركّز على أفعال جنائية، بل على أسئلة نمطية: “كانوا مقتنعين أن كل نشاط إعلامي تقف وراءه دول وتمويل خارجي… لم يعترفوا يومًا بفكرة حراك شعبي”.

لاحقاً، تم الإفراج عن والدته بعد دفع مبالغ مالية كبيرة من العائلة لأحد الضباط في المخابرات السورية.

صورة عن قرار إطلاق سراح والدة الصحفي مهند الزعبي من فرع الأمن العسكري في درعا بعد اعتقالها لاكثر من شهرين – حصري/ سراج.

تتبع فريق “سراج” خارج سوريا 

في تحقيق دولي سابق لوحدة “سراج” نُشر بعد سقوط النظام، تبيّن أن إدارة المخابرات العامة كانت تراقب مؤسسات إعلامية مستقلة، من بينها وحدة “سراج”، وتتهمها زيفًا بأنها “واجهة للتجسس”.

بحسب الوثائق التي اكتُشفت داخل مقر المخابرات في دمشق بعد فرار ضباطها في كانون الأول/ديسمبر 2024، أصدر اللواء حسام لوقا، الملقّب بـ“العنكبوت”، أوامر مباشرة بمراقبة الصحفيين المرتبطين بـ”سراج” داخل سوريا وخارجها.

تكشف هذه الوثائق أن ما وصفه النظام بـ”العمل الاستخباراتي” لم يكن سوى نشاط صحفي اعتيادي: مقابلات، تحليل وثائق، وتعاون مع منظمات صحفية دولية مثل مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) والشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية (GIJN).

لكنها كانت كافية لإدراج أسماء الصحفيين على “قوائم المتابعة”، وهو ما قد يفسر مصير بعضهم، مثل أنس الخربوطلي، الذي كان في الميدان يوثّق جرائم النظام وقت مقتله.

وتكشف هذه الوثائق أن النظام لم يكتفِ بالملاحقة الميدانية للصحفيين داخل سوريا، بل بنى شبكة مراقبة عابرة للحدود. إذ بحسب مذكرات داخلية من إدارة المخابرات الفرع ٣٠٠، جرى تكليف محطات سورية في الخارج “بمتابعة نشاط الصحفيين المشبوهين المقيمين في أوروبا”.

هل يُحاسب قتلة الصحفيين؟

لم تكن “اللائحة السوداء” مجرد وثائق بيروقراطية محفوظة في أدراج الأجهزة الأمنية، بل كانت جزءًا من منظومة متكاملة صُممت لرصد الصحفيين وتعقبهم وتحويل عملهم المهني إلى تهمة قد تنتهي بالاعتقال أو التصفية.

و تُعدّ ممارسات تعقّب الصحفيين واعتقالهم إلى تصفيتهم واستهداف عائلاتهم، انتهاكات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني، وخصوصاً المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، والتي تنص صراحةً على وجوب حماية الصحفيين العاملين في مناطق النزاع المسلح، وعدم اعتبارهم أهدافاً عسكرية تحت أي ظرف.

كما يُشكّل القتل أو الاختفاء القسري للصحفيين انتهاكًا واضحًا للمادتين (7) و(8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تُصنّف هذه الأفعال ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

وعليه، تكشف الشهادات والوثائق التي اطّلع عليها فريق التحقيق، عن أن استهداف الصحفيين في سوريا لم يكن نتيجة فوضى الحرب أو أخطاء ميدانية، بل سياسة ممنهجة اعتمدت على جمع البيانات وتحليلها، وربط النشاط الإعلامي بالمتابعة الأمنية والعمليات العسكرية. من مراقبة ما يُكتب ويُنشر، إلى تتبع الاتصالات والتحركات، وصولًا إلى الاعتقال أو الاستهداف المباشر، تشكّلت سلسلة متكاملة هدفها إسكات الشهود على ما جرى في البلاد.


  • شارك في جمع المعلومات: وائل قرصيفي، مودّة كلاس. 

  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.

  • لأغراض هذا التحقيق، تم تأمين الأدلة عبر شبكة SafeBox.


اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات