وسط الزحام ودخان عوادم السيارات وأصوات الباعة الجوالين التي لا تتوقّف في شوارع العاصمة دمشق، يبرز مشهد أقلّ صخباً بعدما أصبح جزءاً يومياً من الحياة المعتادة هنا، حتى لم يعد مثيراً لاستغراب سكان المدينة، مشهد عشرات الأطفال في الطرقات والأنفاق، وأمام إشارات المرور بثيابهم الرثة، يتسوّلون ما تجود به أيادي المارة.
دمشق المنهكة بعد أكثر من 14 عاماً من اندلاع الثورة، تعج بأطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم الست سنوات، وعوضاً عن جلوسهم على مقاعد الدراسة يجلسون على الطرقات ليلاً ونهاراً من دون حماية من المخاطر التي تحيط بهم. دافعهم لذلك الفقر المدقع والاضطرار لمساعدة الأهل، بحسب ما يقول الطفل ثائر* مبتسماً خلال حديثه معنا. ويضيف: “في عملنا هذا نجني قرابة الـ8000 ليرة سورية جديدة في يومين (ما يعادل 60 دولاراً أميركياً)”، مؤكّداً أنّ والديه أقنعاه بالعمل كمتسوّل لمساعدة العائلة في تأمين قوتها اليومي.
ثائر ليس الطفل الوحيد الذي يجوب شوارع دمشق بمعرفة الأهل ورضاهم. وعلى عكس طريقة الإقناع التي اتّبعها والداه معه، أجبر أهل الطفلة سارة* (7 سنوات) ابنتهم على العمل في التسوّل. تقف الطفلة على أحد ممرات المشاة في وسط دمشق وتخبرنا: “كنت في المركز وأخرجتني عائلتي. والآن إذا لم أجمع مئة ألف ليرة سورية (تعادل ألف ليرة سورية جديدة أو نحو 7.5 دولار) في نهاية اليوم سأتعرّض للضرب”. قاطعت الحديث أختها الأكبر سناً لكنها لم تغادر الطفولة أيضاً، وسحبتها من يدها نحو الحديقة التي تتّخذها العائلة تجمعاً لها.
“المركز” الذي تشير إليه سارة هو مركز لرعاية الأطفال ضحايا التسول وإعادة تأهيلهم. وهو جزء من حملة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تحت شعار “مستقبل أفضل” لهؤلاء الأطفال. إلّا أنّ المشاهد في دمشق وريفها توضح أنّ مئات الأطفال لا يزالون ضحية التشرد في شوارع دمشق بعلم الأهل أو ضغط منهم.
في هذا التحقيق، تفتح الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج ملف تسوّل الأطفال، وترصد الحملة الوزارية التي شملت معظم المحافظات، التي تبين أنها تحوي أخطاء بنيوية في التنفيذ وتقديم الرعاية والتعامل القانوني، ما يفضي إلى دائرة مفرغة من سحب الأطفال وعودتهم الى التسول في الشارع في غضون أيام قليلة، في مشهد أقرّت به الوزارة نفسها، مقدّمة أعذاراً عدة.
تعديل القانون: طوق نجاة المستغلّين
في 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2025، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إطلاق حملة ميدانية لمكافحة التسول، بالتعاون مع محافظتي دمشق وريف دمشق، اللتين استهدفتهما الحملة، وعدد من الوزارات المعنية والمنظمات غير الحكومية.
تضمّنت الحملة التي استمرّت على مدى ثلاثة أيام، جهوداً لمكافحة تسول الأطفال وحمايتهم من الاستغلال، عبر فرق تطوعية تقوم بجولات في شوارع دمشق وريفها، تعمل على توعية الأطفال بمخاطر التسول، وتوجيههم إلى ثلاثة مراكز آمنة ومجهّزة لاستقبالهم وإبقائهم “مدة تتراوح بين ستة أشهر وعام”، إضافة إلى العمل على تمكين أهاليهم، وفق ما نشرته وكالة الأنباء السورية “سانا”.
كما شُكِّلت غرفة طوارئ تضمّ مندوبين من مختلف الوزارات، وكُلِّفت مديريات الأمن بتقسيم العمل إلى قطاعات بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى تنفيذ الحملة عبر فريق من المتطوعين التابعين لوزارة الشؤون الاجتماعية تم تدريبهم للتعامل مع الحالات المختلفة، مع وجود اختصاصيين وداعمين نفسيين.
حسب رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد بمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في دمشق، خزامى النجاد، فإنّه من أصل حوالي 1500 طفل موجودين في الشوارع كمتسوّلين، سُحب 253 طفلاً في دمشق وريفها، موضحة أنّ سبب عودة الأطفال إلى التسوّل بعدما كانوا موجودين في المركز هو أنّ الأهل يكتبون على أنفسهم تعهداً بألّا يعيدوا أو يجبروا الطفل على التسول مجدداً، لكنّهم لا يلتزمون به.
وعن محاسبة هؤلاء، أضافت النجاد أنّهم متوقّفون عن محاسبة الأهل بانتظار تعديل النص القانوني، من دون توضيح طبيعة هذا التعديل بشكل تفصيلي، متذرعة بشح المعلومات لديها، ومحيلة إيانا إلى أعضاء اللجنة القانونية في وزارة الشؤون الاجتماعية.
وهنا يشير الخبير القانوني المعتصم الكيلاني في حديث إلى “سراج”، إلى أنّ المشرّع السوري يقر ضمناً بأنّ الطفل في هذه الحالة هو ضحية استغلال، وليس مسؤولاً أصلياً. بالتالي، فإنّ الاقتصار على ضبط الأطفال وإخلاء سبيلهم من دون ملاحقة من يستغلهم يُعد “تطبيقاً مبتوراً للنص القانوني، وإخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون”.

تعهد خطي موقع من والد أحد الأطفال برعايتها ومنعها من التسول – سراج
بدورها، قالت مسؤولة في اللجنة التي اختصّتها الوزارة بتعديل النص القانوني، في حديث مع “سراج” شريطة عدم الكشف عن هويتها كونها غير مخولة التحدّث إلى الإعلام، إنّ اللجنة لا تزال تفكّر في التعديل من دون أيّ إجراء فعلي، أو تحديد النص القانوني المراد تعديله. بينما نفى مسؤول آخر مطّلع على أعمال اللجنة عن قرب، ورفض بدوره ذكر اسمه خشية عقوبة مسلكية، وجود أي تعديل قانوني من الأساس.
كما رفض عدد من مسؤولي الوزارة الإجابة عن تساؤلات ملحّة من مُعدّة التحقيق حول طبيعة التعديل القانوني أو إجراءاته أو آلياته.
القاضي أنور المجني أكّد في حديث لـ”سراج”، أنّ المادة 604 من قانون العقوبات السوري توجب بالحبس من سنة إلى 3 سنوات مع الغرامة من خمسين ألف ليرة سورية إلى مئة ألف ليرة سورية لكل من دفع قاصراً الى التسول، أيّ 500 ليرة سورية جديدة إلى ألف ليرة سورية جديدة (ما يعادل 3.75 إلى 7.5 دولار)، مضيفاً أنّ الجهة المخولة بتحريك الدعوى هي النيابة العامة.
وأشار المجني إلى أنّ النيابة العامة ليست بحاجة إلى شكوى لتحريك الدعوى العامة، لأنّ الجرم واقع بحق طفل وليس بالغ، وبالتالي فإنّ من واجب النيابة العامة التحرّك باتجاه حماية الطفل تلقائياً، مع ضرورة إحالة ضبط الإمساك إليها.
في هذا السياق لا يمكن إغفال مواد الإعلان الدستوري الذي أقرّه الرئيس السوري أحمد الشرع في 13 آذار/ مارس 2025، وعلى رأسها المادة 12 التي تقرّ صراحة بأنّ “جميع الحقوق والحريات والاتفاقيات التي صادقت عليها سوريا جزء لا يتجزأ من الإعلان الدستوري”، وبالتالي هي تشمل جميع الاتفاقيات الدولية التي تخصّ حقوق الأطفال، إضافة إلى المادة 22 التي نصّت على واجب الدولة في “حماية الأطفال من الاستغلال وسوء المعاملة، وتكفل حقهم في التعليم والرعاية الصحية”.
وفي قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 وتعديلاته، هناك مواد قانونية عدة سنت عقوبات قاسية تجاه التسول، أبرزها المادة 599 المعدلة، والتي تنصّ صراحة على الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، لكل “من دفع قاصراً دون الثامنة عشرة من عمره أو عاجزاً إلى التسول جراً لمنفعة شخصية”.
كما أنّ هناك مواد وقوانين يقرّها القانون السوري واتفاقيات دولية أبرزها: المادة 113 من قانون العمل السوري الذي يمنع تشغيل القاصرين دون سن الخامسة عشرة، والمادة 36 من قانون حقوق الطفل لعام 2021 التي توجب الحبس من شهر الى ثلاثة أشهر لـ”استغلال الطفل اقتصادياً”.
وهناك المادة 27 من قانون “أحداث الجانحين لعام 1974″، التي تجيز للمحكمة فرض الرعاية على كل حدث وُجد متشرداً أو متسوّلاً، والمادة 11 من قانون “التعليم الإلزامي لعام 2012″، التي تعاقب ولي الطفل الممتنع عن إرساله إلى المدرسة بالغرامة، ثم بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر في حال التكرار.
إضافة إلى المادة 32 من “اتفاقية حقوق الطفل” التي وقّعت عليها سوريا عام 1993، والتي تلزم الدول الأعضاء بحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي.
القاضي أنور المجني، أكّد أنّّ الإشكالية الحاصلة هي “عدم تطبيق الإطار القانوني وليس غيابه على رغم الحاجة الى تطويره في المرحلة المقبلة”، معتقداً أنّ أحد الأسباب الأساسية لعدم قدرة الوزارة على حماية الأطفال هو “عدم توافر سيولة أو أموال”.
أموال تتدفّق وأطفال تتسوّل
رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد، خزامى النجاد، عرضت الاستراتيجية المتبعة في الحملة قائلة، إنّ الوزارة أعدّت خطة كاملة وشاملة بالتنسيق مع وزارات الداخلية والعدل والسياحة، ومحافظتي دمشق وريفها.

صورة لطفل يتسوّل أمام مدخل مركز رعاية المتسولين التابع لمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في باب مصلى بدمشق
ضمن الخطة، بحسب النجاد، كان إعداد ثلاثة مراكز: اثنان في منطقة باب مصلى للإناث بطاقة استيعابية 120 حالة، ومركز في الكسوة بطاقة استيعابية 200 حالة للأطفال من عمر 3 سنوات إلى 18 سنة، مع تخصيص جزء صغير للأمهات مع أطفالهن، وذلك بعد انطلاق الحملة في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
يمول ويدعم الحملة التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية عدد من الجهات الحكومية وغير الحكومية، أبرزها محافظتا دمشق وريفها، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف وفريق ملهم التطوعي، إضافة إلى بعض المنظمات غير الحكومية المحلية التي قدّمت الأغذية والألبسة.
وكشف مدير مكتب فريق ملهم التطوعي بدمشق، أحمد أبو شعر، لـ”سراج” أنّ الفريق قدّم دعماً لمركز باب مصلى بمبلغ قارب الـ150 ألف دولار أميركي (نحو 20 مليون ليرة سورية جديدة)، على أنّ هذا المركز، بحسب أبو شعر، مجهّز لاستقبال 88 شخصاً.
فيما لم تردّ منظمة اليونيسيف عبر مكتبها بدمشق، والتي تموّل رواتب موظفي مركز باب مصلى، على أسئلتنا في الوقت المحدّد، على رغم طلبنا المتكرّر.
جدير بالذكر أنّ الوزارة وقّعت مذكرة تفاهم مع مجموعة الحبتور بقيمة 2.5 مليون دولار أميركي (نحو 333 مليون ليرة سورية جديدة) لدعم مراكز الرعاية والتأهيل في 11 من أيلول/ سبتمبر لعام 2025، ولم تكشف الوزارة عن مصيرها حتى لحظة إعداد هذا التحقيق.
صرّحت النجاد أنّ المراكز استوعبت حتى منتصف شباط / فبراير، قرابة الـ253 طفلاً، من دون أن تحدّد العدد الحقيقي في كل مركز، لكن بعد تسليم عدد كبير من الأطفال لأهاليهم في مركز باب مصلى تبقّى منهم 30 طفلاً.
في فيديو منشور في أيلول / سبتمبر 2025 لافتتاح مركز رعاية الأطفال المتضررين من التسول دعت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات السوريين لعدم إعطاء أيّ أموال للأطفال المتسولين، مضيفة أنّ المركز التابع للوزارة سيعمل على تأهيلهم وتعليمهم.
كما قالت في تصريح لوكالة “سوريا 24” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025: “إن البرنامج ليس حملة ظرفية، بل خطّة بدأ العمل عليها منذ أربعة أشهر”، ووعدت بأنه “لن يكون هناك متسوّلون في الشوارع”.
وتمتلك وزارة الشؤون الاجتماعية مركزين في باب مصلّى بطاقة استيعابية تبلغ 120 حالة، بينما تبلغ الطاقة الاستيعابية للمركز الثالث في منطقة الكسوة 200 حالة، وفي الوقت ذاته رصدنا وجود 10 حالات فقط عند زيارتنا مركز باب مصلّى في أواخر شباط/ فبراير الماضي، رغم جهوزيته لاستيعاب أضعاف ذلك العدد والبيانات المالية والرسمية المتاحة.
موسيقى وحالات هروب وإخلاء سبيل
زارت مُعدّة التحقيق مركز باب مصلّى الذي رمّمه “فريق ملهم”، بين شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس في 2026 بعد محاولات عديدة، وحينها امتنع القائمون على المركز من السماح للمُعدّة بالاطّلاع على كامل المركز باستثناء غرفتين، تضمّ الأولى مدرّسات يعلّمن الأطفال، وأخرى يُقام فيها نشاط غنائي لأربعة أطفال، ولاحظت وجود تسعة أطفال فقط، مع رؤية طفلة في حالة رثّة وتطالب بالعودة إلى أهلها.
بحسب عاملين في مراكز الرعاية تحدّثوا لـ”سراج”، بشرط عدم ذكر أسمائهم خشية الطرد من العمل، فإن أوضاع المركز غير مريحة لاستقبال الأطفال، وهناك فوضى في إدارة شؤونهم. حيث شهد المركز حالات هروب عدّة وخلع أحد الأبواب الخشبية، وأكّدوا صدور أصوات موسيقى عالية ورقص وصراخ من المركز في أوقات متأخّرة من منتصف الليل.
فيما قال موظّف آخر إنهم كانوا غير جاهزين تماماً لاستقبال الأطفال والتعامل معهم ومع حالات الهروب المتكرّرة، معتبراً أن انطلاقة الحملة من البداية كانت بإصرار وضغط من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومن أجل الصدى الإعلامي للحملة.
وقال الكيلاني في حديثه لـ”سراج”: “إن استخدام الأطفال في حملات لا تحقّق مصلحة حقيقية لهم، قد يشكّل انتهاكاً للمادّة 16 من “اتّفاقية حقوق الطفل” التي تحمي الطفل من المساس بكرامته وسمعته، كما يتعارض مع المبادئ التوجيهية الصادرة عن اليونيسف بشأن التغطية الإعلامية للأطفال”.
وأضاف: “إذا ثبت أن الهدف من الحملة كان دعائياً بالدرجة الأولى، فإن ذلك قد يندرج ضمن مفهوم الانحراف بالسلطة في القانون الإداري، حيث تُستخدم الصلاحيات لتحقيق غايات غير مشروعة، وهو ما يفتح الباب نظرياً للمساءلة”.
موظّفة أخرى في المركز، تحدّثت بشرط عدم الكشف عن هويّتها خوفاً من الطرد، قالت: “الحملة لسحب المتسوّلين تنطلق في اليوم الأوّل ليأتي الأهالي في اليوم الثاني أو الثالث أو بعد أسبوع، لتسلّم أطفالهم والعودة مجدّداً إلى أعمال التسوّل رغم توقيعهم تعهّداً خطياً بعدم فعل ذلك”.
وظهرت النجاد في فيديو منشور في 12 كانون الثاني/ يناير 2026، على صفحة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أكّدت فيه هذه الحادثة ووجود حالات هروب إلى الشوارع مجدّداً.
النجاد قالت لـ”سراج”: “إن الأهل يأخذون صورة عن الضبط من قسم الشرطة، ثم يتوجّهون للمحامي العامّ، ولا يُمكن للمركز إبقاء الطفل إذا وافق المحامي العامّ على طلب الأهل بإخراجه”.
لكنّ مديرة مركز “أطفال فاقدي الرعاية” التابع لـ”مؤسّسة حقوق الطفل” في باب مصلّى لمى البابا، قالت لـ”سراج”: “إن أيّ مركز يبلّغ المحامي العامّ بأن الأهل يعيدون أطفالهم لممارسة التسوّل، سيدفع بالنائب العامّ لرفض طلب استلام الطفل من المركز بالضرورة”.
ميساء* وهي أمّ متسوّلة مع اثنين من أطفالها الموجودين جميعاً في المركز، قالت إنها لا تريد البقاء في المركز للمرّة الثانية لأن “المعيشة غالية”.
وأشارت إلى أنها تستأجر منزلاً في ضواحي دمشق، وأن التسوّل مع أطفالها منذ ولادتهم حتى أصبحوا الآن في سنّ السابعة، يُكسبها مالاً أكثر من أيّ عمل آخر، معلّقة الموضوع على الزمن: “هلق يشتغلوا بالشارع وبس يكبروا فرج ورحمة”.
الكيلاني، قال: “إن إخلاء سبيل الطفل المودَع في أحد مراكز الرعاية هو تدبير يُنهي حالة الإيداع المؤقّت التي اتُّخذت بحقّه باعتباره طفلاً في وضع خطر، لا باعتباره فاعلاً جرمياً من الناحية القانونية”.

صورة لإخلاء سبيل كان في حوزة سيّدة تستخدمه لإخراج ابنتها من مركز الرعاية – سراج
ويستند هذا التكييف إلى أحكام قانون الأحداث السوري رقم “18” للعام 1974، الذي يميّز بين التدابير الإصلاحية والتدابير العقابية، ويُجيز للمحكمة اتّخاذ تدابير مثل التسليم لوليّ الأمر أو الإيداع في مؤسّسة رعاية وفقاً لمصلحة الحدث.
إلّا أن هذا الإخلاء اعتبره الكيلاني فاقداً لـ”مشروعيته الموضوعية”، إذا لم يُقرن بضمانات تكفل عدم إعادة الطفل إلى الظروف ذاتها التي أدّت إلى انحرافه، إذ إن المادّة “3” من “اتّفاقية حقوق الطفل” تلزم السلطات بأن تكون “المصلحة الفضلى للطفل” هي الاعتبار الأوّل في جميع الإجراءات، وهو التزام إيجابي يتجاوز مجرّد إنهاء الإيداع إلى ضمان الحماية المستمرّة.
إيجابيات وثغرات
في تعليقه على حملة وزارة الشؤون الاجتماعية، قال الدكتور والباحث في علم الاجتماع طلال مصطفى: “إن التنسيق المتكامل ما بين وزارة الشؤون الاجتماعية وبقيّة الوزارات، خاصّة وزارات الداخلية والسياحة والصحّة كما الدفاع المدني، يحمل جانباً إيجابياً مهمّاً لهذه الحملة. حيث من المفترض أن تساهم في الوقاية والعلاج من ظاهرة تسوّل الأطفال”، مشيداً بوجود “خطّة مسبقة للتعامل مع هذا الملفّ تشمل الذكور والإناث”.
في المقابل، تبدو نقاط ضعف في الإستراتيجية، في “التركيز فقط على سحب الأطفال من الشوارع ووضعهم في المراكز”، بدل وجود خطّة وقائية علاجية، مبنيّة على تصميم برامج اجتماعية من قبل مختصّين، توفّر المسكن الدائم أو المؤقّت لبعض الأطفال وأسرهم.
وبحسب المصطفى فإن “عدم وجود برامج دعم مالي ومساعدات غذائية أو تمكين اقتصادي للأطفال أو لأسرهم”، إضافة إلى غياب الأهل عن هذه الاستراتيجية “يمثّل جانباً سلبياً في الحملة”، مستدركاً بتبرير هذا الأمر “مؤقّتاً” بـ “صعوبة الوصول إلى بعض الأسر، ورفضها المشاركة أحياناً، وغياب الوعي لديها بمخاطر التسوّل، مع وجود خلل في التنسيق بين الوزارة والأسرة والمجتمع المحلّي”.
ورأى أن غياب هذه البرامج عن إعادة تأهيل الأسرة وتأهيل الطفل عبر الدعم الاقتصادي والاجتماعي يجعل هذا التدخّل “مؤقّتاً وغير علاجي” وقد يكون “وقائياً لمدّة أشهر”، ويعكس “قصوراً في السياسات الوقائية والعلاجية من منظور علم الاجتماع”.
أما من المنظور الاستراتيجي، وفق مصطفى، فإن “عدم معالجة هذه الظاهرة يُضعف رأس المال البشري في سوريا، ويزيد من ظاهرة الفقر ومن ظاهرة التصدّع والتهميش”، مشدّداً على “ضرورة معالجة ظواهر الفقر والبطالة عبر خطط مؤقّتة ومتوسّطة وبعيدة المدى، متكاملة تعليمياً ومهنياً وأسرياً وقانونياً”.
فيما تواصل وزارة الشؤون الاجتماعية التذرّع بـ”التعديل القانوني” الغامض لتبرير تعثّر إجراءاتها، تظلّ الطفلة سارة عالقة في تلك الدائرة المفرغة؛ فبينما تقف اليوم عند تقاطع طرق مزدحم وسط دمشق، متمسّكة بملابسها الرثّة خوفاً من عقاب أسرتها إذا لم تحصّل حصّتها المالية اليومية، لا تملك سارة أدنى فكرة عمّا يخبّئه لها غدها المجهول.
- تمّ استعمال أسماء مستعارة للأطفال والأهالي لحماية خصوصياتهم وسلامتهم.
- هذا التحقيق جزء من برنامج الزمالات الصحافية الموجّه للصحافيين السوريين في “وحدة سراج” للعام 2026.
- تم نشر نسخة من هذا التحقيق على موقع درج.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.