عندما سيطرت فصائل “الجيش السوري الحرّ” المتحالفة مع تركيا، على قرية كلجبرين في ريف حلب الشمالي، وطردت تنظيم “داعش” منها، ضمن عمليّة “درع الفرات” التي أطلقتها تركيا في نهاية عام 2016 والأشهر الأولى من 2017، كان الأهالي مرحّبين بهذه العمليّة التي أدّت إلى هزيمة التنظيم وابتعاده عن قريتهم.
ولكنّ الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى عائلة عبد الله شيخو، حيث قرّرت قوّات تركية بعد الدخول إلى القرية، إقامة قاعدة عسكرية في أراضيه الزراعية، فقضى إنشاء القاعدة على نحو ألف شجرة فستق حلبي ولوزيات كان قد زرعها على مدار سنين طويلة، دون تعويض.
في كلجبرين تناوبت كل أطراف النزاع السوري على السيطرة عليها (النظام السوري ثم تمّ تحريرها من قِبل “الجيش السوري الحر”، ثم تنظيم “داعش”، ثم استعادتها فصائل المعارضة ضمن عمليّة “درع الفرات” التي أصبحت فيما بعد “الجيش الوطني السوري”).
يقول فرج شيخو ابن عبد الله شيخو: “أخبرهم والدي أن الأرض زراعية وغير مستوية ولا تصلح لأن تكون نقطة عسكرية، ولكن رغم ذلك قرّروا التمركز فيها، وبحجّة عدم استواء الأرض قاموا بتجريفها”.

أرض فرج وضرار شيخو على الخريطة – سراج
في بداية الأمر، تلقّى والد فرج وعوداً بأن القوّات التركية لن تقتلع أشجاراً خلال التجريف، ولكن عندما بدأت عمليّات التجريف بدأوا بقطع الأشجار.
عندما اعترضت عائلة شيخو على هذا الإجراء، تلقّوا ردّاً من الأتراك بأنهم سوف يقطعون عدداً محدوداً منها فقط. يقول فرج: “عندما حاولنا منعهم وجّهوا الأسلحة علينا واستمرّت عمليّات التجريف حتّى تمّ تجريف نحو 80٪ من الأرض، وذلك رغم أن النقطة العسكرية تمّت إقامتها على جزء صغير من الأرض، ولكنّهم قاموا بقطع الأشجار من حول النقطة العسكرية لكشف محيطها”.
تمتدّ مساحة الأرض المتضرّرة من قاعدة كلجبرين العسكرية التركية على مساحة ستّة هكتارات، بينها ثلاثة هكتارات لعائلة شيخو، علماً أن مساحة كامل القاعدة هي فقط هكتار واحد، أمّا الهكتاران الباقيان فقد تمّ اقتلاع أشجارهما وزُرعت فيهما ألغام “لمنع الوحدات الكردية من التسلّل إلى المنطقة”، بحسب ما يقول ضرار شيخو شقيق فرج، لافتاً إلى أنّه فكّك بنفسه عدّة ألغام ورماها في خندق حفره الجنود الأتراك حول القاعدة.
أظهر البحث عن أرض شيخو أنها حتى شهر كانون الأول/ ديسمبر 2016 كانت مزروعة بالأشجار، ولكن في مطلع عام 2017 بدأ تشكيل القاعدة واستمرّ بناؤها لبضعة أشهر.


أرض شيخو بين أواخر العام 2017 وشهر أيّار/ مايو 2017
لم تكن أرض شيخو هي الوحيدة التي أُقيمت عليها قاعدة عسكرية تركية، حيث وثّق هذا التحقيق، إقامة القوّات التركية 37 قاعدة عسكرية ونقطة مراقبة في أرياف أربع محافظات سورية، هي: حلب وإدلب وحماة واللاذقية.
شُيّدت هذه القواعد ونقاط المراقبة، إمّا على قواعد عسكرية قديمة، وإمّا على أراضٍ زراعية، وإمّا فوق منازل مدنيين أو مدارس وفي بعض الأحيان فوق أراضٍ تابعة للدولة، وفي حالاتٍ كثيرة، لم يتلقَّ أصحاب الملكيات الخاصة أيّة تعويضات، رغم أنهم وُعدوا بذلك.
من بين هؤلاء، عبد الله شيخو والد فرج وضرار، الذي “مات قهراً على أرضه ومصدر رزقه الوحيد”، على ما يشرح ابنه فرج قائلاً: “لقد أفنى والدي 40 عاماً من عمره لجعل الأرض كما كانت عليه”.
يقدّر فرج عدد الأشجار التي تمّ قطعها واقتلاعها بنحو 960 شجرة، بينها 860 شجرة فستق حلبي معمّرة، عمر الواحدة منها أكثر من 40 عاماً، و100 شجرة من اللوزيات.

أرض فرج وضرار شيخو بعد تجريفها – سراج
وبسبب القاعدة العسكرية نفسها، تضرّر سبعة أشخاص في المنطقة، لكنّ معظمهم كانت أراضيهم غير مستصلحة وغير قابلة للزراعة (بور).
رفع شيخو كتباً إلى وزارات الزراعة والخارجية والدفاع في سوريا يشرح مشكلته ويطلب التعويض، ولكن دون جدوى.
يقول القاضي والباحث السوري رياض العلي: “إن مسار التقاضي وارد من الناحية القانونية ولكن غير ممكن عملياً، ويقترح في تفسير قانوني مطوّل لـفريق التحقيق، بأن تتواصل السلطات السورية مع الجانب التركي، في حضور خبراء لتقييم الضرر والتعويض.
فيما تشير “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” في ردّها على ما ورد في التحقيق، إلى أنها تتعامل مع ما يرد إليها من إفادات وشكاوى وطلبات من المتضرّرين وفق الآليّات المعتمدة لديها، وتعمل على توثيق الوقائع والتحقّق منها.



كتب ومذكّرات رفعها شيخو لوزارات الخارجية والدفاع والزراعة طلباً للتعويض – سراج
وعلى الرغم من أن بعض نقاط المراقبة التركية تمّ إخلاؤها من قِبل الجيش التركي، سواء قبل سقوط النظام أو بعده، ظلّ التعويض غائباً، على ما يكشف هذا التحقيق.
مسح جغرافي: عشرات القواعد ونقاط المراقبة
أجرى معدّو التحقيق مسحاً جغرافياً شاملاً لسوريا، لرصد القواعد العسكرية التركية ونقاط المراقبة، وحدّدنا مواقع عشرات المنشآت، وأعددنا خريطة توثّق انتشارها الجغرافي، كما حدّد هذا التحقيق مواقع المنشآت باستخدام مصادر مفتوحة وتقنيات OSINT، وقاطعنا المعلومات المتاحة لتثبيت مواقعها بدقّة.
استخدمنا صور الأقمار الصناعية متعدّدة التواريخ لمقارنة المواقع قبل إنشاء المنشآت وبعدها، وتحديد التغييرات التي طرأت على الأرض، بما فيها إزالة الأشجار، وتدمير مبانٍ أو إزالتها، واقتطاع أجزاء من الأراضي الزراعية أو استخدامها لأغراض عسكرية.
ولم نكتفِ بتحليل الصور الجوّية، بل أجرينا مقابلات مع متضرّرين فقد بعضهم منازلهم أو أجزاء من أراضيهم، أو أُزيلت أشجار معمّرة من ممتلكاتهم. كما وثّقنا حالات قال أصحابها إنهم وقّعوا عقود إيجار ولم يحصلوا على المبالغ المنصوص عليها في العقود.
وشمل التحقق الممتلكات الخاصة والعامّة وأراضي الدولة والمنشآت العامّة، بما فيها المدارس، لتحديد طبيعة الممتلكات التي أُقيمت عليها المنشآت العسكرية.
وأخضعنا الحالات التي وثّقناها لمراجعة خبراء قانونيين لتقييم حقوق الملكية، والعقود، والتعويضات، والوضع القانوني لاستخدام الأراضي.
وقاطعنا الأدلّة الجغرافية وصور الأقمار الصناعية وشهادات المتضرّرين والوثائق والتحليل القانوني، للوصول إلى الحالات التي أمكن إثباتها بأكثر من نوع من الأدلّة.

مزارع جُرّفت ومنازل هُدمت
يُظهر التحليل بصور الأقمار الصناعية الذي قمنا به، مخلّفات هذه القواعد ونقاط المراقبة، عدد كبير من الأراضي الزراعية تمّ قطع أشجارها لبناء القاعدة، وتجريف محيطها الزراعي، في حين تمّ تجريف وهدم منازل مدنيين وإعادة بنائها لتتماشى مع متطلّبات البنى التحتية الخاصّة بالوجود العسكري.
على سبيل المثال، أظهرت صور الأقمار الصناعية في نقطة المراقبة التركية الثالثة “جبل الشيخ عقيل” في ريف مدينة الباب في محافظة حلب، كيف هُدم عدد كبير من منازل المدنيين، ثم أُعيد بناؤها لتأسيس نقطة المراقبة التركية الثالثة في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.


جبل الشيخ عقيل قبل إنشاء نقطة المراقبة التركية الثالثة وبعدها – غوغل إيرث
يتربّع جبل الشيخ عقيل على قمّة بارتفاع 479 متراً على الطريق الدولي الرابط بين حلب والحدود التركية، وعقب طرد تنظيم “داعش” من منطقة الباب في عام 2017، لم يتمكّن الأهالي من العودة إلى منازلهم، وتحول الجبل الذي يضمّ أكثر من 500 منزل ونحو 3000 نسمة، إلى موقع استراتيجي كنقطة المراقبة التركية الثالثة.
سيطر تنظيم “داعش” على جبل الشيخ عقيل في العام 2014، مستخدماً مستشفاه الحكومي لعلاج عناصره الجرحى، وفي أواخر 2016، سيطرت فصائل المعارضة عليه.
في شباط/ فبراير 2017، تمّ إنشاء القاعدة العسكرية التركية بعد أيّام من سيطرة القوّات التركية والفصائل على مدينة الباب ضمن عمليّة “درع الفرات”، وقد حُوِّل موقع المستشفى الحكومي في جبل عقيل إلى نواة نقطة المراقبة التي نتج عن استحداثها تجريفاً واسعاً طال نحو 400 منزل في محيط الجبل، وتحوّلت المنطقة بكاملها إلى منطقة عسكرية مغلقة.
وحتى اليوم وبعد سقوط نظام الأسد، لم تتخلَّ القوّات التركية عن نقطة المراقبة في الجبل، ولا يزال عبدالله حسن ينتظر عودته إلى منزله، وهو يرسل إلينا صورة من خرائط الأقمار الصناعية وبسهم أحمر يشير لنا “هذا منزلي“، الذي لا يزال “نقطة عسكرية تركية”، في حين أن نقطة المراقبة محاطة بخندق.

منزل عبد الله حسن في جبل الشيخ عقيل – غوغل مابس
يرفض عبد الله حسن التخلّي عن أرض أجداده الذي يعدّهم لنا: “من الشيخ حسين إلى خليفة، فحمود، فمصطفى، فموسى، فمحمّد (القلاش)، فحسّون، فأحمد، فحسن”، انتهاءً به هو (عبدالله الحسن)، كلهم سكنوا في جبل عقيل منذ أكثر من 350 عاماً.
فقد عبدالله كل شيء، منزله تعرّض للتجريف الكامل، ومعه ضاعت “سندات الملكية” الرسمية التي كانت داخل البيت. ورغم فقدان السندات الأصلية، ما زال يحتفظ بوثائق بديلة تثبت حقّه، مثل إعلانات الاعتراض على قوائم أصحاب الحقوق في جبل عقيل، وعقود بيع وتوكيلات رسمية مسجلّة في شعبة أوقاف الباب والسجلّ العقاري السوري، التي تثبت ملكية عائلته للعقارات في تلك المنطقة.
فيما ضاع جزء كبير من وثائق عبدالله، نجح السيّد صالح عقيل في الاحتفاظ بأوراق تثبت ملكيته في جبل عقيل، وشارك معنا أوراقاً تثبت عمليّة نقل ملكية عقار (جبل عقيل – منطقة أولى – محضر 127 – مقسم 16) وشرائه من الأوقاف بشكل قانوني وشرعي ودفع ثمنه بالكامل للدولة في عام 2000.

وتتمّ هذه العمليّة في القانون السوري تحت مسمّى “الاستبدال النقدي”، وهي الصيغة القانونية الشرعية التي تبيع بها الأوقاف عقاراً قديماً أو غير منتج لتحصيل ثمنه نقداً (لشراء عقار آخر مكانه)، وهو ما يعتبر عملياً “عمليّة شراء” من وجهة نظر المواطن.
كان محافظ حلب المهندس عزام غريب قد التقى في 18 حزيران/ يونيو الماضي، وفداً من أهالي جبل الشيخ عقيل في حضور ممثّل وزارة الدفاع العميد أحمد سعيد عيسى.
وأكّد غريب حينها، متابعة الملفّ مع الجهات المختصّة، وطالب الأهالي حينها الوفد بإعادتهم إلى منازلهم، أو إيجاد حلول تحفظ حقوقهم في حال تعذّر ذلك.
يوضّح القاضي والباحث السوري رياض العلي، أنه “يحقّ لكلّ متضرّر اللجوء إلى القضاء والمطالبة بالتعويض وذلك من الناحية النظرية، ولا سيّما أن تركيا هي دولة طرف في اتفاقيات جنيف الأربعة، وبالتالي فإنها ملزمة قانوناً بالوفاء بالتزاماتها، كما أن القوانين التركية الداخلية تجرّم الاستيلاء على ممتلكات الآخرين ونهبها”.
لكن من الناحية العملية، يرى العلي أن مسار التقاضي قد يواجه الكثير من التحدّيات، منها عدم معرفة أسماء ورتب الأشخاص الذين شاركوا في ارتكاب تلك الانتهاكات، وبالتالي لا يمكن أن تقام الدعوى ضد شخص غير معلوم، وكذلك تخوّف المدّعين من ردّة فعل القوّات التركية كتهديدهم أو اعتقالهم أو ما شابه من الأفعال الانتقامية، في حال لجأوا إلى طرق أبواب القضاء.
وخارج تهديم المنازل في جبل الشيخ عقيل، أدّى تشييد القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التركية إلى تضرّر الأراضي الزراعية في مناطق أخرى، كما حصل في كفر جنّة في عفرين، حيث أدّى تشييد القاعدة العسكرية هناك، إلى قطع كثير من الأشجار، بحسب ما أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية.


قاعدة كفر جنّة العسكرية قبل تشييدها وبعده – غوغل إيرث
وتكرّرت عمليّات قطع الأشجار وتجريف الأراضي الزراعية في عدد من المناطق لإنشاء القواعد العسكرية التركية من بينها قاعدة مريمين في عفرين، التي شُيّدت على أراضٍ زراعية.


قاعدة مريمين قبل إنشائها وبعده – غوغل إيرث
وكشف مسح الأقمار الصناعية أيضاً أن بعض القواعد شُيّدت فوق مدارس، مثل نقطة المراقبة التركية العاشرة في قرية “شير مغار” في جبل الزاوية، التي شُيّدت فوق مدرسة القرية الواقعة في ريف حماة الشمالي، وأظهرت الصور عمليّات دشم وتجريف في محيط المدرسة لتكون مناسبة للأغراض العسكرية.
وفي أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2020 أخلت القوّات التركية هذه القاعدة.


نقطة المراقبة التركية العاشرة في شير مغار قبل تشييدها وبعده – غوغل إيرث
كما جُرّفت أراضٍ زراعية وممتلكات سكنية بعد تشييد قاعدة المشفى الوطني في مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي، حسبما أظهرت صور الأقمار الصناعية.


قاعدة المشفى الوطني في أعزاز قبل تشييدها وبعده – غوغل إيرث
يقول القاضي والباحث السوري رياض العلي: “إن ما قامت به القوّات التركية أو الفصائل السابقة المتحالفة معها، تخالف اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، والقانون الإنساني الدولي العرفي، كما أنها تشكّل جرائم حرب وفقاً لنظام روما للمحكمة الجنائية الدولية”.
ويرى العلي أن التعارض أيضاً مع الدستور السوري لعام 2012 (الذي كان نافذاً حينها) ومع الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي نصّ على أن الملكية الخاصّة مصانة ولا تنزع إلا للمنفعة العامّة ومقابل تعويض عادل، كما تشكّل مخالفة للقانون المدني السوري، وتشكّل أيضاً جريمة غصب عقار المعاقب عليها وفقاً لأحكام قانون العقوبات السوري.
نقاط مراقبة متملّصة من الالتزامات المالية
لم يتوقّف الأمر عند الأراضي التي بُنيت عليها القواعد العسكرية، بل امتدَّ إلى نقاط المراقبة التركية، التي تمّ إنشا}ها في سوريا لمرقبة اتفاق “خفض التصعيد”.
ماهو اتفاق خفض التصعيد؟
في الرابع من أيّار/ مايو 2017، توصّلت روسيا وتركيا وإيران إلى اتفاق يقضي بـ “خفض التصعيد” في سوريا بين قوّات النظام والمعارضة، وذلك بعد محادثات مطوّلة في أستانا عاصمة كازاخستان، وبموجب هذا الاتفاق، نشرت تركيا وروسيا “نقاط مراقبة” غرضها مراقبة الاتفاق وتوثيق الخروقات.
بموجب هذا الاتفاق، نشرت تركيا 12 نقطة مراقبة في شمال سوريا، وكانت “مورك” نقطة المراقبة التاسعة.
وأسهمت هذه النقاط في عدد من المناسبات، في منع تقدّم قوّات النظام السوري، ومنع وقوع مزيد من المآسي وعمليّات القتل الجماعي والنزوح، ولكنّ مصطفى صاحب الأرض التي شُيّدت عليها النقطة كان ضحيّة.
من بين هذه الأراضي، أرض مصطفى فوّاز المصطفى في مدينة مورك في ريف حماة، التي استأجرتها القوّات التركية منه بموجب عقد رسمي بين الطرفين، لاستخدامها كنقطة مراقبة، ولكنّ مصطفى لم يتلقّى دولاراً واحداً ممّا نصّ عليه العقد طيلة سنوات مكوث نقطة المراقبة.
تُعرف نقطة المراقبة في مورك على أنها نقطة المراقبة التاسعة التركية، وتمّ إنشاؤها في السابع من نيسان/ أبريل 2018، لمراقبة خفض التصعيد، كون تركيا إحدى الدول الضامنة لهذا الاتفاق، وبالتالي فإنّها معنيّة بمراقبته، وكانت هذه النقطة هي واحدة من 12 نقطة تركية تمّ إنشاؤها بموجب هذا الاتفاق.
في السابع من نيسان/ أبريل 2018 دخل رتل عسكري تركي إلى مورك وتمركز فيها، قرّر الرتل إقامة نقطة المراقبة على أراضٍ في مدينة مورك، من بينها أرض مصطفى فوّاز المصطفى، وتقع أرضه ذات الملكية الأميرية بمساحة 30 دونماً (ما يعادل 28,688 متراً مربعاً وفق المحضر رقم 1289)، وكانت مصدر دخله الوحيد وتضمّ بئر ماء وأشجار فستق حلبي معمّرة، اضطرّ بعد فقدانها لرحلة لجوء طويلة وشاقّة في المخيّمات.
أبرم المصطفى عقد إيجار رسمياً بصفته وكيلاً عن 15 شخصاً من شركائه في الملكية والورثة، وكان الطرف الأول في العقد، في حين كان الطرف الثاني هو “الحكومة التركية – نقطة المراقبة رقم 9″، ممثّلاً بالوكيل “فيلق الشام”، وذُيّل العقد بختم رئيس المكتب القضائي في “فيلق الشام” وتوقيعه.
جاء في العقد مواصفات الأرض، وهي أرض زراعية تحمل المحضر رقم 1289 في منطقة مورك العقارية، بمساحة ثلاثين دونماً، وتضمّ بئر ماء ارتوازياً يحقّ للمستأجر استعماله.

عقد إيجار بين مصطفى المصطفى والحكومة التركية لاستئجار نقطة المراقبة في مورك – سراج
ونصَّ العقد على أن يُستعمل العقار كـ “نقطة عسكرية للمراقبة”، مقابل بدل إيجار سنوي قدره 700 دولار أميركي للدونم الواحد، لمدّة سنة قابلة للتجديد، وبدأ سريان العقد بتاريخ 1 أيّار/ مايو 2018، ولكنّ النتيجة أن مصطفى لم يحصل على الأموال المتّفق عليها.
وقال: “إن حبر العقد جفّ دون أن يتلقّى دولاراً واحداً طوال عامين ونصف العام من تمركز القوّات التركية في أرضه، وتحوّلت حقوقه المالية المشروعة إلى مجرّد “وعود متكرّرة” تتنقّل بين الضبّاط الأتراك على الأرض.
باءت كل محاولات المصطفى لتحصيل ما يقارب 20 ألف دولار أميركي (قيمة الإيجار السنوي الإجمالية للأرض) بالفشل، وكانت تصطدم بردّ تركي دائم: “تمّ رفع طلبك إلى القيادة”، ليبقى العقد الموثّق حبراً على ورق، عاجزاً عن إلزام “الضامن” بدفع مستحقّات الأهالي.
ومع تقدّم قوّات النظام صيف 2019، حوصرت النقطة بالكامل، وقطعت إمداداتها البرّية، ما دفع تركيا إلى سحب قوّاتها وتفكيكها في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 بعد نحو 30 شهراً.
ولكنّ خسارة المصطفى لم تقتصر على الجانب المالي العالق، فقد تركت القوّات المنسحبة دماراً واسعاً في أرضه، حيث أظهر مقطع فيديو صوّره المصطفى بنفسه وشاركه مع فريق التحقيق، كيف تحوّلت أرضه إلى أكوام من الأسمنت والركام الذي يمنع إقامة أيّ نشاط زراعي مجدّداً.
فيديو لأرض مصطفى فوّاز المصطفى، يوثّق حجم الدمار الذي خلّفته القوّات التركية بعد انسحابها من نقطة المراقبة العسكرية في عام 2020، وما لحق بالأرض الزراعية من أضرار وركام أعاق إعادة استثمارها زراعياً – سراج
ويخالف هذا الدمار صراحة البند الخامس من العقد، الذي يُلزم المستأجر التركي بـ”إعادة العقار المؤجَّر للمؤجِّر وفق الحالة التي كان عليها عند التعاقد، وخاصّة إزالة السواتر تحت طائلة تعويض الضرر”، وبدلاً من الالتزام بهذا البند، يوضح المصطفى أن القوّات التركية قبيل انسحابها قامت بعمليّات تجريف واسعة، أدّت إلى اقتلاع الكثير من الأشجار المعمّرة، فضلاً عن تدمير محيط بئر المياه وخسارة المعدّات الزراعية التي كانت في الأرض.

بعد سقوط نظام الأسد، قام المصطفى برفع طلب إلى وزارة الدفاع منذ أربعة أشهر، لتعويض الأضرار التي لحقت بأرضه، دون ردّ حتى لحظة إعداد التقرير.

غياب التعويض
بحسب مقابلات أجريناها، فإن البعض من أصحاب الأملاك الخاصّة، حصلوا على تعويضات من الجانب التركي عبر وسطاء سوريين، غير أن هذه الحال لم تنطبق على الجميع، ولم يحصل من قابلناهم من السكّان على أية تعويضات.
وكانت القوّات التركية بين الحين والآخر توزّع مساعدات عينية على الأهالي، وتساهم في ترميم بعض البُنى التحتية، إلّا أنها لم تلتزم بتعويض جميع ملّاك الأراضي الذين شغلت أملاكهم لإنشاء نقاط المراقبة والقواعد العسكرية.
وبعد سقوط النظام، وفي ظلّ تعاظم الحديث عن العدالة الانتقالية، طرحنا أسئلة على “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، حول مصير التعويض عن الضرّر الذي خلّفه الوجود التركي في سوريا.
وجاء في الردّ، على سؤال حول دور “الهيئة” في التعويض عن الوجود التركي، بأنه “يندرج جبر الضرر ضمن اختصاصات العدالة الانتقالية، لكنّ تحديد ما إذا كانت واقعة أو انتهاك بعينه يدخل ضمن اختصاص الهيئة يتطلّب النظر في طبيعة الواقعة، والفترة الزمنية التي حدثت خلالها، والجهة المسؤولة عنها، والارتباط الذي تقرّره القواعد القانونية الناظمة للعدالة الانتقالية”.
وقالت “الهيئة”: “بالنسبة إلى الأضرار التي لحقت بالملكية العامّة أو الخاصّة، فإن جبر الضرر قد يشمل الأضرار المادّية التي يثبت وقوعها، إلى جانب أشكال أخرى من الجبر، وفق ما سيحدّده الإطار القانوني للعدالة الانتقالية وآليّات تطبيقه”، لكنّ “الهيئة” أشارت إلى أنه “لا يمكن اعتبار كل ضرر أو نزاع على ملكية من اختصاصها بصورة تلقائية، إذ إن ذلك يخضع للتكييف القانوني والتحقّق من الوقائع والمسؤوليات”.
ولفتت “الهيئة” في ردّها إلى أنها تتعامل مع ما يرد إليها من إفادات وشكاوى وطلبات من المتضرّرين وفق الآليّات المعتمدة لديها، وتعمل على توثيق الوقائع والتحقّق منها، ورفضت الخوض في الوقائع والتفاصيل المرتبطة بالقواعد والنقاط التركية أو إفادات فردية قبل استكمال عمليّات التحقّق، حفاظاً على حقوق أصحابها وعلى سلامة أيّ مسار قانوني قد يترتّب عليها، مؤكدة أن الأهمّ هو أن أيّ شخص يرى أن ملكيته أو حقّه قد تعرّض للانتهاك أو الضرر، ينبغي أن تتاح له إمكانية تقديم ما لديه من وثائق وإثباتات، بما يساعد في بناء ملفّ موثّق يمكن التعامل معه وفق القانون.
أمّا عن خطوات التعويض، فاعتبرت “الهيئة” أن الخطوة الأولى تتمثّل في التوثيق والتحقّق، من خلال جمع الإفادات والوثائق والمستندات المتعلّقة بالملكية، وطبيعة الضرر، وتاريخ وقوعه، والجهة المسؤولة عنه، إضافة إلى أيّ أدلّة أخرى يمكن أن تساعد في إثبات الواقعة.
وبحسب طبيعة كل حالة، يمكن أن تنتقل من مرحلة التوثيق والتحقّق إلى تحديد المسؤولية والتكييف القانوني، ثم إلى مسار جبر الضرر أو المسار القضائي أو غيره من آليّات العدالة الانتقالية، وفقاً لما يقررّه القانون.
ولفتت “الهيئة” إلى أن العدالة الانتقالية لا تعني التعويض المالي فقط؛ فجبر الضرر قد يأخذ أشكالاً متعدّدة، ويُبنى على الاعتراف بالضرر، وردّ الحقوق متى كان ذلك ممكناً، والتعويض، وإعادة التأهيل، وضمانات عدم التكرار، وغيرها من التدابير التي تحدّدها طبيعة الانتهاك وحاجات المتضرّرين، وشدّدت على أنها لا تتعامل مع هذه الملفّات بمنطق سياسي أو انتقائي، إنما بمنهج يقوم على الوقائع والأدلّة وتحديد المسؤولية الفردية والمؤسّسية وفق القانون، مع حفظ حقّ المتضرّرين في الوصول إلى العدالة وجبر الضرر.
مسارات تعويض مقترحة
يقترح القاضي والباحث السوري رياض العلي، أنه يتوجّب على الحكومة الانتقالية السورية تطبيق الإعلان الدستوري لعام 2025، ومطالبة الحكومة التركية بإنهاء وجودها في المناطق المذكورة، وردّ العقارات المسلوبة إلى أصحابها وملّاكها الأصليين، وكذلك إلزام المجموعات والفصائل السورية المسلّحة التي نفّذت واشتركت في تلك الانتهاكات بتسليم الممتلكات لأصحابها وتعويض المالكين الأضرار التي لحقت بهم جرّاء حرمانهم من ممتلكاتهم وإنتاجها طوال السنوات السابقة.
وقال العلي: “كما يتوجّب تشكيل لجان قانونية تتولّى مهمّة تلقّي شكاوى المواطنين المتضرّرين من تلك التصرّفات غير الشرعية، مع حفظ حقّهم بشكل دائم باللجوء الى القضاء المختصّ، ومحاسبة الفاعلين”.
أمّا في ما يخصّ آليّة تقدير الأضرار، فيقترح العلي أن تتواصل الخارجية السورية مع الجانب التركي، بوجود خبراء قانونيين وعقاريين ومهندسين واقتصاديين من الطرفين، لتقييم الأضرار، والاتفاق على الطرق المناسبة للتعويض وردّ الممتلكات، هذا بالإضافة الى ضرورة وجود ممثّلين عن الضحايا في تلك الاجتماعات التقنية.
لم تردّ وزارة الدفاع السورية على الطلبات للتعليق حول القواعد التركية في سوريا، وكيف سيتمّ التعامل معها خلال الفترة المقبلة.
في هذه الأثناء، ما تزال غالبية من استُخدمت أراضيهم لتشييد نقاط المراقبة والقواعد العسكرية التركية بلا تعويض، كحال عائلة شيخو، التي تحوّلت أشجار أرضها إلى دشم وسواتر ترابية، بانتظار التعويض.
أحمد حزرومة عضو “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” ومدير إدارة جبر الضرر
هل يندرج تعويض الضرر المادّي في موضوع القواعد التركية ضمن اختصاص “هيئة العدالة الانتقالية”؟
يندرج جبر الضرر ضمن اختصاصات العدالة الانتقالية، لكنّ تحديد ما إذا كانت واقعة أو انتهاك بعينه، يدخل ضمن اختصاص “الهيئة” ويتطلّب النظر في طبيعة الواقعة، والفترة الزمنية التي حدثت خلالها، والجهة المسؤولة عنها، والارتباط الذي تقررّه القواعد القانونية الناظمة للعدالة الانتقالية.
وبالنسبة إلى الأضرار التي لحقت بالملكية العامّة أو الخاصّة، فإن جبر الضرر قد يشمل الأضرار المادّية التي يثبت وقوعها، إلى جانب أشكال أخرى من الجبر، وفق ما سيحدّده الإطار القانوني للعدالة الانتقالية وآليّات تطبيقه.
ولا يمكن، في المقابل، اعتبار كلّ ضرر أو نزاع على ملكية من اختصاص “الهيئة” بصورة تلقائية؛ إذ إن ذلك يخضع للتكييف القانوني والتحقّق من الوقائع والمسؤوليات.
هل تلقّت “الهيئة” أية شكاوى من أصحاب الأراضي والملكيات المنتهكة؟
تتعامل “الهيئة” مع ما يرد إليها من إفادات وشكاوى وطلبات من المتضرّرين وفق الآليّات المعتمدة لديها، وتعمل على توثيق الوقائع والتحقّق منها.
وفي ما يتعلّق تحديداً بالوقائع المرتبطة بالقواعد والنقاط العسكرية التركية، لا نريد الخوض في تفاصيل أية ملفّات أو إفادات فردية قبل استكمال عمليّات التحقّق، حفاظاً على حقوق أصحابها وعلى سلامة أيّ مسار قانوني قد يترتّب عليها.
والأهمّ بالنسبة لنا هو أن أيّ شخص يرى أن ملكيته أو حقّه قد تعرّض للانتهاك أو الضرر ينبغي أن تتاح له إمكانية تقديم ما لديه من وثائق وإثباتات، بما يساعد في بناء ملفّ موثّق يمكن التعامل معه وفق القانون.
إذا قامت “الهيئة” بأية خطوات في طريق تحقيق العدالة للمتضرّرين، ما هي هذه الخطوات؟
تتمثّل الخطوة الأولى في التوثيق والتحقّق؛ من خلال جمع الإفادات والوثائق والمستندات المتعلّقة بالملكية، وطبيعة الضرر، وتاريخ وقوعه، والجهة المسؤولة عنه، إضافة إلى أية أدلّة أخرى يمكن أن تساعد في إثبات الواقعة.
وبحسب طبيعة كل حالة، يمكن أن تنتقل من مرحلة التوثيق والتحقّق إلى تحديد المسؤولية والتكييف القانوني، ثم إلى مسار جبر الضرر أو المسار القضائي أو غيره من آليّات العدالة الانتقالية، وفقاً لما يقررّه القانون.
وفي هذا السياق، أؤكّد أن العدالة الانتقالية لا تعني التعويض المالي فقط؛ فجبر الضرر قد يأخذ أشكالاً متعدّدة، ويُبنى على الاعتراف بالضرر، وردّ الحقوق متى كان ذلك ممكناً، والتعويض، وإعادة التأهيل، وضمانات عدم التكرار، وغيرها من التدابير التي تحدّدها طبيعة الانتهاك وحاجات المتضرّرين.
كما أن “الهيئة” لا تتعامل مع هذه الملفّات بمنطق سياسي أو انتقائي، إنما بمنهج يقوم على الوقائع والأدلّة وتحديد المسؤولية الفردية والمؤسّسية وفق القانون، مع حفظ حقّ المتضرّرين في الوصول إلى العدالة وجبر الضرر.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد
- تم نشر نسخة من هذا التحقيق على موقع درج