Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

“خرافات قاتلة”… كيف تدفع معتقدات خاطئة إلى انقراض الضبع المخطط في سوريا؟

في سوريا، لا يُقتل الضبع المخطط لأنه يشكل خطرًا مثبتًا على البشر فحسب، بل بسبب صورة صنعتها حوله عقود من الخرافات والخوف. خلال أشهر من التتبع، وثق فريق التحقيق 13 حادثة قتل في مناطق سورية مختلفة، وكشف كيف تتقاطع معتقدات عن خطف الأطفال والسحر والشعوذة مع الصيد والاتجار بأجزاء الحيوان وضعف الحماية القانونية. ومن صيادين يوثقون قتل الضباع باعتباره “إنجازًا”، إلى سوق لجلودها وأعضائها، يتتبع تحقيق «خرافات قاتلة» الأسباب التي تدفع واحدًا من الثدييات المفترسة النادرة في المنطقة نحو مزيد من التراجع، رغم الدور الذي يؤديه في التخلص من الجيف وبقايا الحيوانات والحفاظ على التوازن البيئي. هل الخطر الحقيقي في وجود الضبع… أم في اختفائه؟

لم يعد قتل الضبع المخطط في سوريا حادثة معزولة، بل أصبح نمطاً متكرراً يكشف أزمة بيئية تتفاقم بصمت.ففي أواخر حزيران/يونيو 2026، نشر الصياد أبو مالك البوكمالي ملا، من بادية دير الزور، صوراً لضبع مخطط بعد قتله، مبرراً فعلته بأنها جاءت استجابة لشكاوى مربي ماشية قال إن أغنامهم تعرضت لهجمات متكررة، مؤكداً أن الحيوان قُتل بالقرب من المنازل. 

لم تكن هذه الحادثة سوى أحدث حلقة في سلسلة متواصلة من عمليات قتل هذا النوع النادر، التي غالباً ما تُوثق على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها “إنجازاً” أو عملاً يهدف إلى “حماية المجتمع”. 

وقبلها بأسابيع، وثّق الصياد يوسف ملا حميد حادثة مشابهة، في مؤشر على استمرار استهداف الضبع المخطط في مناطق سورية مختلفة. لكن التحقيق يكشف أن هذه الروايات، مهما اختلفت تفاصيلها، تخفي واقعاً مختلفاً؛ إذ يُقتل أحد أندر الثدييات المفترسة في الشرق الأوسط وسط غياب شبه كامل للرقابة، واستمرار الخرافات والمعتقدات الشعبية، وضعف تطبيق قوانين حماية الحياة البرية، في وقت يحذر فيه خبراء البيئة من أن كل حادثة صيد جديدة قد تمثل خطوة إضافية نحو اختفاء الضبع المخطط من البرية السورية.

في 16 آب/أغسطس 2024، وقف فيصل أبو دهموش العكيدي أمام كاميرا هاتفه المحمول في بادية دير الزور، ممسكاً بجثة ضبع مخطط كان قد قتله قبل ذلك بلحظات. وبينما كان أصدقاؤه يلتفون حوله، قال بفخر: “هذا مصير من يمر بجانب خيمتي. هل رأيتم ماذا فعلت به؟ هذا مصير الضبع وسيكون مصير الذئب مثله”، قبل أن يرمي الجثة على الأرض.

الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي قوبل بترحيب واسع، وسط تعليقات اعتبرت قتل الضبع عملاً يحمي السكان من حيوان يعتقد كثيرون أنه يهاجم البشر ويختطف الأطفال ويهدد النساء والرعاة.

لكن الضحية هذه المرة لم تكن مجرد حيوان بري آخر. فالضبع المخطط السوري، المعروف علمياً باسم Hyaena hyaena syriaca، يُعد أحد أندر الثدييات المفترسة في بلاد الشام. وقد صُنّف منذ عام 2014 على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة باعتباره من “الأنواع المهدّدة بالانقراض“، مع تحذير خبراء بيئيين من تراجع أعداده في سوريا إلى مستويات خطيرة.

صياد في شمال سوريا بعد اصطياد ضبع مخطط، في إحدى الحوادث التي وثقها فريق سراج ضمن تتبعه لعمليات قتل هذا الحيوان في مناطق سورية مختلفة. – سراج

خلال الأشهر الماضية، وثق فريق التحقيق 13 حادثة قتل للضبع المخطط في مناطق سورية مختلفة، شملت دير الزور وريف دمشق وإدلب وشمال حلب، في وقت تتزايد فيه عمليات الصيد والتسميم والاتجار بأجزاء الحيوان، مدفوعة بخليط من الخرافات الشعبية والممارسات المرتبطة بالشعوذة، مترافقة مع ضعف تطبيق القوانين البيئية.

ويكشف هذا التحقيق كيف تحولت الأساطير المتوارثة حول الضبع المخطط من مجرد روايات شعبية إلى عامل يهدد بقاء هذا الحيوان الذي يصفه خبراء البيئة بأنه أحد أهم “عمّال النظافة” في الطبيعة، والمسؤول عن التخلص من الجيف والعظام والحد من انتشار الأمراض في المناطق البرية.

لماذا يقتل السوريون الضباع؟

لم يكن فيصل أبو دهموش العكيدي يبحث عن الضباع عندما خرج إلى البادية شرق سوريا. فالرجل يعمل أساساً في صيد الطيور الجارحة والاتجار بها، ولا يعتبر نفسه صياداً متخصصاً في الضباع. لكن عندما يصادف أحدها، فإنه لا يتردد في قتله.

يقول العكيدي: “قتلت ثلاثة ضباع فقط، لكنني لم أكن أترقبها ولا أسعى لقتلها، لأن مجال عملي في الطيور الجارحة. وجدتها مصادفة. ولو أنني كنت أسعى للبحث عن الضباع وقتلها لكان العدد أكبر من ذلك بكثير”. معللاً تصرفه بالرغبة في “حماية المدنيين الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم”.

ولا يختلف موقف العكيدي كثيراً عن موقف عدد من الصيادين المحترفين والهواة في مناطق سورية مختلفة. إذ ينظر كثير من هؤلاء إلى الضبع المخطط بوصفه حيواناً خطيراً يجب التخلص منه قبل أن يهاجم البشر أو الماشية. وهي قناعة متجذرة في الوعي الشعبي المحلي رغم غياب الأدلة العلمية التي تدعمها.

فالشاب أحمد التركي من الصيادين الهواة من ريف دير الزور يعتقد أن الضبع خطر، ويقول: “نقتل الضبع في مناطقنا بشكل أساسي لمنعه من الاقتراب من النساء والأطفال وأن يسبّب لهم الذعر”. مشيراً إلى أن شبّاناً هواة في منطقته قتلوا أربعة ضباع حتّى الآن. 

ورغم إقراره أن الضبع “لا يأتي عادة للبيوت بل يبقى في مناطق البادية”، إلا التركي يؤكد “مجدداً أنه إذا كان الشخص في البادية بدون سلاح فحتماً سوف يهاجمه الضبع. فهو يهاجم الناس اذا جاؤوا إلى البادية، وإذا رأى إنسانا من دون سلاح ولا يستطيع الدفاع عن نفسه فإنه يقتله”.

لكن الخوف من الضبع ليس الدافع الوحيد وراء استهدافه.

إذ يشكل الجانب الاقتصادي حافزاً لصيده، إذ توجد سوق غير قانونية لجلود الضباع وبعض أعضائها. 

يقول سالم (46 عاماً) الذي يمارس صيد الضباع قرب الحدود التركية منذ خمس سنوات، إن الهدف الأساسي من عمليات الصيد التي يقوم بها هو بيع فراء الضبع. ويقرّ في الوقت نفسه بأن أعداد الضباع في المنطقة بدأت تتراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

أهم من ذلك، الدور المحوري الذي تلعبه الخرافات المرتبطة بالسحر والشعوذة، بحسب الخبير البيئي السوري زاهر هاشم، في عمليات الصيد المقصودة وليس المدفوعة بالخوف. 

ضحية الخرافات

على امتداد مناطق واسعة من سوريا، يتوارث السكان قصصاً متشابهة عن الضبع المخطط. بعضها يتحدث عن حيوان يخطف الأطفال ويهاجم النساء في البراري، فيما تذهب روايات أخرى إلى اعتباره لصاً للقبور أو كائناً مرتبطاً بالسحر والشعوذة.

 ومع مرور الوقت، تحولت هذه القصص إلى قناعات راسخة دفعت كثيرين إلى اعتبار قتل الضبع عملاً وقائياً مشروعاً.

تم إدراج الضبع المخطط (Hyaena hyaena) في القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) في عام 2014. تم إدراج  الضبع المخطط على أنه مهدد بالانقراض

يقول المهندس بلال الحايك، مدير التنوع الحيوي والبيئي في وزارة الإدارة المحلية والبيئة في سوريا، إن “الاتجار غير المشروع بأجزاء الضبع من التهديدات الرئيسية لهذا النوع. حيث يتم استهدافه بالقتل للحصول على الجلد والعظام والأسنان التي تُستخدم، بحسب المعتقدات الشائعة، في الطب الشعبي وأعمال السحر والشعوذة”.

ويضيف الحايك أن “العديد من المعتقدات الشعبية تربط الضبع المخطط بالسحر والشعوذة أو جلب الحظ والمال والعلاج الشعبي، رغم عدم وجود أي أساس علمي لهذه الادعاءات”، معتبراً أن هذه التصورات الموروثة تسهم بشكل مباشر في استمرار ملاحقة الحيوان وقتله في البرية.

ويؤكد خبراء البيئة ومربي الحيوانات المفترسة الذين قابلناهم أن معظم هذه الروايات لا تستند إلى حقائق علمية أو حوادث موثقة.

منذ سنوات طويلة، يربي حسن شويكاني عدداً من الحيوانات المفترسة في مزرعة قرب العاصمة دمشق، من بينها ضباع مخططة جرى ترويضها والاعتناء بها. 

ويصف شويكاني الضبع المخطط بأنه “حيوان مظلوم اجتماعياً”. موضحاً أن السمعة التي التصقت به لا تعكس طبيعته الحقيقية.

ويقول: “يتداول الناس قصصاً غير صحيحة عنه، مثل أنّه يأكل البشر ويهاجمهم في مساكنهم، أو أن أعضاءه تستخدم للسحر. ولكن كل هذه الأساطير غير صحيحة”.

وبحسب شويكاني، فإن الضبع لا يهاجم الإنسان بطبيعته، بل يميل إلى تجنب الاحتكاك بالبشر والهروب منهم متى استطاع ذلك. 

ويضيف: “الضبع لا يهاجم البشر إطلاقاً إلا إذا تمت محاصرته في زاوية ضيقة ولم يعد أمامه أي مخرج للدفاع عن نفسه”.

مربي الحيوانات المفترسة حسن شويكاني يحمل ضبعاً في مزرعته بريف دمشق- سراج

ويشرح أن اقتراب الضباع أحياناً من التجمعات البشرية لا يرتبط بالرغبة في مهاجمة الناس، بل بالبحث عن مصادر غذاء سهلة في أوقات شح الطعام، خصوصاً في محيط مكبات النفايات أو الأماكن التي تنتشر فيها بقايا الحيوانات النافقة. وحتى في هذه الحالات، يبقى الحيوان متحفزاً للفرار أكثر من المواجهة.

ويتفق الخبير زاهر هاشم مع هذا التقييم، مؤكداً أن الخرافات المرتبطة بالضباع لعبت دوراً أساسياً في تأجيج عمليات الصيد خلال السنوات الماضية. 

ويرى أن الاعتقاد بقدرة أجزاء من جسد الضبع على جلب الحظ أو فك السحر أو استخدامها في أعمال الشعوذة ما يزال منتشراً في بعض المناطق، ما يخلق طلباً مستمراً على اصطياد الحيوان والاتجار بأجزائه.

وبينما يواصل كثيرون التعامل مع الضبع بوصفه تهديداً يجب التخلص منه، يؤكد الخبراء أن الخطر الحقيقي قد لا يكون في وجود الضباع، بل في اختفائها. فاستمرار قتل هذا الحيوان على نطاق واسع لا يهدد نوعاً نادراً فحسب، بل يهدد أيضاً التوازن البيئي الذي يعتمد عليه النظام الطبيعي في المناطق البرية السورية.

“آلة تنظيف” تعمل في البرية

يطلق على الضبع المخطط الاسم العلمي Hyaena hyaena. وتتواجد سلالة خاصة في سوريا تُدعى Hyaena hyaena syriaca، تنتشر وصولاً إلى لبنان وفلسطين وجنوب تركيا. 

وبعيداً عن الصورة المخيفة التي ترسمها الخرافات الشعبية للضبع المخطط، يقدم الخبراء وصفاً مختلفاً تماماً لهذا الحيوان. فبدلاً من اعتباره تهديداً للإنسان، ينظر علماء البيئة إليه باعتباره أحد أهم عناصر التوازن الطبيعي في المناطق البرية.

يتواجد الضبع المخطط في سوريا ضمن مناطق البادية والوديان والجبال. ويقضي معظم وقته بعيداً عن التجمعات البشرية. وعلى الرغم من أن كثيرين يعتقدون أنهم يسمعون صوته أو يشاهدونه قرب القرى، إلا أن ظهوره المباشر أمام البشر يبقى محدوداً نسبياً مقارنة بكثير من الحيوانات البرية الأخرى.

ويؤكد الخبير البيئي هاشم أن أهمية الضبع لا تكمن فقط في كونه جزءاً من التنوع الحيوي، بل في الدور البيئي الذي يؤديه داخل السلسلة الغذائية. إذ تساهم الضباع، كما يوضح، في الحفاظ على التوازن البيئي من خلال التخلص من الجيف وبقايا الحيوانات النافقة التي قد تتحول إلى بؤر لنقل الأمراض وانتشار البكتيريا والطفيليات.

ويقول هاشم: “تلعب الضباع دوراً كبيراً في تنظيف البيئة من الجثث والجيف التي تتركها الحيوانات المفترسة الأخرى، بفضل فكها القوية القادرة على تكسير العظام. هذا يسهم في منع انتشار الأمراض وتحسين النظم البيئية في المناطق التي تتواجد فيها الضباع”.

وتُعد قدرة الضبع على هضم العظام من الخصائص النادرة بين الحيوانات البرية، إذ يستطيع الاستفادة من بقايا لا تتمكن معظم الكائنات الأخرى من استهلاكها، ما يجعله المرحلة الأخيرة في عملية التخلص من الجيف داخل النظام البيئي.

في السياق ذاته، يشدد مربي الحيوانات المفترسة حسن شويكاني على أن اختفاء الضبع قد يترك آثاراً بيئية خطيرة في المناطق الريفية والبدوية.

ويقول: “لولا الضبع في البادية، ستكون هناك كوارث بيئية. في المناطق التي تتجول فيها الأغنام والماعز والأبقار، يموت بعض أفراد القطيع وتُترك جثثها في البرية لتخلّف الكثير من الأمراض والمشكلات البيئية، فيأتي الضبع ليأكلها وينظف البيئة منها”.

ثم يضيف في وصف لافت: “إنه بحد ذاته آلة تنظيف أفضل من عشر بلديات تعمل معاً، وخصوصاً أنه يصل إلى المناطق غير الحضرية أو التي لا توجد فيها خدمات تنظيف”.

ورغم هذا الدور الحيوي، ما تزال الضباع تُعامل في كثير من المناطق باعتبارها آفة يجب التخلص منها، وهو ما يضعها في مواجهة مستمرة مع الإنسان، ليس بسبب ما تفعله فعلياً، بل بسبب الصورة التي رُسمت لها عبر عقود من الأساطير والمعتقدات الشعبية.

عندما يتحول قتل الضبع إلى استعراض

لم تعد عمليات قتل الضباع المخططة تقتصر على الصيد التقليدي في البراري والجبال، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مادة متداولة على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُوثق عمليات القتل بالصوت والصورة، وتُنشر باعتبارها إنجازات تستحق التفاخر والتباهي.

فالفيديو الذي ظهر فيه فيصل أبو دهموش العكيدي وهو يحمل جثة ضبع قتله في بادية دير الزور لم يكن حالة استثنائية. وخلال فترة إعداد هذا التحقيق، رصد الفريق عشرات المقاطع المصورة التي وثقت قتل ضباع في مناطق سورية مختلفة، غالباً ما يظهر فيها الصيادون إلى جانب الحيوانات المقتولة، بينما تترافق المقاطع مع عبارات تمجد الصيد أو تصف الضبع بأنه خطر تم التخلص منه.

وفي كثير من الأحيان، لا يقتصر الأمر على عرض الحيوان المقتول، بل يتحول إلى مشهد استعراضي كامل؛ إذ يجري تصوير المطاردة أو إطلاق النار أو استعراض الجثة أمام الكاميرا، قبل مشاركة المقاطع على نطاق واسع عبر “فيسبوك” و”تيك توك” وتطبيقات المراسلة.

ويرى ناشطون بيئيون أن هذا النوع من المحتوى أسهم في تطبيع قتل الحيوانات البرية، وتحويله من سلوك فردي إلى فعل يحظى بالتشجيع الاجتماعي. فكلما حصد مقطع جديد آلاف المشاهدات والتعليقات والإعجابات، ازدادت الرغبة لدى آخرين في تكرار التجربة سعياً وراء الشهرة أو القبول الاجتماعي.

ولا يقتصر أثر هذه المقاطع على تشجيع الصيد فحسب، بل يساهم أيضاً في ترسيخ الصورة النمطية السلبية للضبع المخطط. إذ غالباً ما تُعرض هذه الحيوانات باعتبارها مفترسات خطيرة أو كائنات مؤذية يجب القضاء عليها، من دون أي إشارة إلى دورها البيئي أو وضعها المهدد بالانقراض.

وبينما تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة تمنح الصيادين شهرة فورية، يرى خبراء البيئة أن هذه المقاطع تخلق أثراً مضاعفاً على المدى الطويل، لأنها لا تكتفي بتوثيق الصيد، بل تساهم في إنتاج رواية شعبية جديدة تجعل قتل الضبع أمراً مقبولاً بل ومحبذاً لدى شرائح من المجتمع.

خريطة تظهر انتشار الضبع المخطط في العالم. المصدر القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض، الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)

على حافة الانقراض

لا توجد حتى اليوم إحصاءات دقيقة توضح العدد الحقيقي للضباع المخططة المتبقية في سوريا. لكن المؤشرات الميدانية التي جمعها فريق التحقيق، إلى جانب شهادات خبراء وصيادين، ترسم صورة مقلقة عن مستقبل هذا الحيوان في البلاد.

يقول الدكتور عبد الحي اليوسف، مدير الصحة والإنتاج الحيواني في وزارة الزراعة السورية في مقابلة مع فريق التحقيق: “التقديرات العالمية تتحدث عن نحو 5,000 إلى أقل من 10,000 حيوان بالغ فقط في البرية، مع وجود تجمعات صغيرة ومتفرقة ومعزولة في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط”.

أما في سوريا، فلا تتوفر بيانات حديثة بسبب الحرب وضعف برامج الرصد البيئي. 

ويصنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) الضبع المخطط ضمن الأنواع “القريبة من خطر الإنقراض” على قائمته الحمراء. وهو تصنيف يعكس تراجع أعداده في أجزاء واسعة من نطاق انتشاره الطبيعي. أما في سوريا، فيرى خبراء البيئة أن وضعه قد يكون أكثر هشاشة مما تعكسه التصنيفات العالمية.

وتؤكد وزارة الزراعة السورية أن الضبع المخطط ما يزال ينتشر في عدد من البيئات السورية، رغم التراجع المستمر في أعداده. ويقول الحايك، إن الضبع المخطط “يتواجد في معظم البيئات السورية، خاصة في البادية السورية والمناطق شبه الجافة والجبال الساحلية ومحيط تدمر ودير الزور، إضافة إلى المناطق الشرقية والشمالية الشرقية”.

لكنه يحذر من أن المناطق الرعوية والريفية تُعد الأكثر خطورة على بقاء هذا الحيوان، لأن “الضبع يُقتل بسبب الاعتقاد الخاطئ بأنه يهاجم المواشي”. كذلك  “تزداد المخاطر في المناطق الحدودية والصحراوية حيث ينتشر الصيد غير المشروع وتضعف الرقابة على طول الحدود، ولاسيما في المناطق الشرقية”.

قوانين لا تحمي الضباع

في عام 2023، أصدرت الحكومة السورية القانون رقم 14 الناظم للصيد البري، والذي يحدد إجراءات منح رخص الصيد وأنواع الحيوانات والطيور المسموح أو الممنوع صيدها. لكن خبراء بيئيين يرون أن القانون يركز بصورة أساسية على تنظيم عملية الصيد وإجراءات الترخيص، أكثر من تركيزه على حماية الأنواع المهددة بالانقراض.

كما أن العقوبات المنصوص عليها في القانون تبقى محدودة مقارنة بحجم الضرر البيئي الناتج عن الصيد غير المشروع. إذ تتراوح العقوبات بين الحبس لمدة شهر إلى ثلاثة أشهر أو غرامات مالية تتراوح بين 250 ألفاً و500 ألف ليرة سورية، وهي مبالغ لا تتجاوز قيمتها الفعلية عشرات الدولارات.

ويعتبر الخبير البيئي هاشم أن هذه العقوبات غير كافية لردع المخالفين، خصوصاً في ظل وجود مكاسب مالية محتملة من بيع جلود الضباع أو بعض أجزائها، إضافة إلى غياب الرقابة الفعلية في كثير من المناطق الريفية والبادية الشاسعة.

ولا تقتصر المشكلة على ضعف العقوبات فقط، بل تمتد إلى محدودية الوعي البيئي لدى شرائح واسعة من المجتمع. فالكثير من عمليات قتل الضباع لا تتم بدافع الربح أو الصيد التجاري، وإنما نتيجة اعتقادات متوارثة تعتبر وجود الضبع بحد ذاته تهديداً يجب التخلص منه، حتى في غياب أي خطر فعلي.

وبينما تتواصل عمليات الصيد والتسميم وقتل الضباع بدوافع الخوف والخرافة والربح، يحذر خبراء البيئة من أن هذا الحيوان قد يكون يدفع ثمن صورة ذهنية لا تعكس حقيقته. ويختصر الخبير البيئي زاهر هاشم حجم الخطر بقوله: “قد تكون الضباع المخططة في سوريا قد انقرضت بالفعل، حيث تراجعت أعدادها بشكل كبير في مناطق تواجدها مثل الأناضول وبلاد الشام.”

ورغم الانتقادات التي يوجهها خبراء البيئة لضعف الحماية الفعلية للضبع المخطط، تؤكد وزارة الإدارة المحلية والبيئة أن هناك إجراءات اتُخذت خلال السنوات الأخيرة للحفاظ على هذا النوع. ويقول الحايك، إن سوريا منعت صيد الضبع المخطط بموجب قانون الصيد رقم 14 لعام 2023. كما شددت الرقابة على الاتجار به وأدرجته ضمن إجراءات الحماية المنصوص عليها في اتفاقية “سايتس” الخاصة بتنظيم التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض.

ويضيف الحايك أن الوزارة تعمل على تشجيع إنشاء المحميات الطبيعية، ومراقبة الإعلانات الإلكترونية المتعلقة ببيع الحيوانات البرية، إلى جانب دعم برامج الإكثار المنظم للضبع المخطط في الأسر ضمن مزارع مرخصة، بهدف المساهمة في الحفاظ على هذا النوع المهدد.

جيش الأسد البائد في مواجهة الضباع

لا تقتصر عمليات قتل الضباع على الصيادين أو سكان المناطق الريفية. ففي ريف دمشق، وثّق فريق التحقيق حادثة قتل اثنين من الضباع المخططة في منطقة المكاسر (دير البلاط) قرب بلدة رأس المعرة بالقلمون نهاية العام 2023، بعد إطلاق النار عليهما من بنادق حربية، وفق صور ومقاطع جرى تداولها على صفحات محلية.

وبحسب الرواية المتداولة، نفذ عناصر من الجيش السوري العملية ليلاً بعد اتهام الضبعين بمهاجمة قطيع من الأغنام في المنطقة.

إلا أن الحادثة أثارت انتقادات واسعة بين المعلقين على الصور والمنشورات المتداولة، حيث اعتبر كثيرون أن قتل الحيوانات البرية بهذه الطريقة لا يمثل حلاً للمشكلة.

وكتب أحد المعلقين: “الغزلان في جبال القلمون لم يعد لها وجود بسبب الصيد الجائر، وقس على ذلك باقي الحيوانات البرية. هناك طرق أفضل للتعامل مع هجمات الضباع والذئاب على الأغنام، كما يفعل حماة البيئة باستخدام المصائد أو وسائل الحماية الأخرى، وليس بقتلها أو تسميمها”.

عناصر من الجيش الأسد البائد يقفون إلى جانب ضبعين مخططين بعد قتلهما في منطقة المكاسر (دير البلاط) قرب بلدة رأس المعرة في القلمون بريف دمشق، أواخر عام 2023 – سراج 

وفي حزيران/يونيو 2024 احتفل شبّان في شريط فيديو مصور في بلدة الشعفة شرق دير الزور باصطياد ضبع مخطط يُعرف محلياً باسم “الضبع الأبيض”. لكن الحيوان الذي ظهر في الصور بوصفه غنيمة صيد نادرة، يُعد في الواقع من أكثر الأنواع المهددة في المنطقة، في ظل تراجع مستمر لأعداده بفعل الصيد والخرافات الشعبية وفقدان موائله الطبيعية.

وبينما تتواصل عمليات القتل في مناطق سورية مختلفة، يرى مختصون أن المشكلة لا تتعلق فقط بأعداد الضباع الحالية، بل بطبيعة تجمعاتها الصغيرة والمعزولة.

ويحذر الدكتور عبد الحي اليوسف من أن “التجمعات الصغيرة والمعزولة تكون أكثر عرضة للانهيار المحلي إذا تعرض عدد قليل من أفرادها للقتل”، وهو ما يجعل كل حادثة صيد جديدة أكثر خطورة مما تبدو عليه للوهلة الأولى و خطوة إضافية نحو اختفائه من البرية السورية.



اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات