نهاية صيف عام 2013، دخل ماهر نحاس إلى محل بيع مشغولات ذهبية في دمشق بقصد بيع ليرات ذهبية اشتراها قبل أشهر. لم يكن في القطع ما يثير الشك: اللون مطابق (لون الذهب)، الوزن دقيق، والختم واضح “عيار 21” قيراطاً. لكن نتيجة الفحص عند الصائغ جاءت مختلفة.
الليرات التي بدت للوهلة الأولى مطابقة للمعايير والمواصفات، تبيّن لاحقاً أنها لا تستوفي هذه المعايير فعلياً. ويكمن الاختلاف في أن عيار الذهب فيها ينقص قليلاً عن 21 قيراطاً.
لم تكن تلك الحادثة فردية ومعزولة. وخلال هذا التحقيق، تكررت روايات مشابهة من صاغة وتجار ومواطنين، جميعها تشير إلى خلل “خفي” في واحدة من أكثر السلع ارتباطًا بالثقة والادخار: “الذهب”.

جولة رقابية للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة على محال بيع الذهب ضمن حملات تهدف إلى فحص العيارات والتأكد من مطابقة المصوغات الذهبية للمواصفات المعتمدة
ينطلق هذا التحقيق من سؤالين أساسيين: كيف يمكن لذهب ممهور رسميًا بختم الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات في دمشق، أن يكون أقل من عياره الحقيقي؟ وكيف أن ما حدث لم يكن مجرد حالات محدودة بل جزء من نمط أوسع داخل السوق، على ما يكشف هذا التحقيق؟
يستند التحقيق إلى منهجية متعددة المصادر، تتضمن 13 مقابلة مع صاغة وعاملين داخل السوق، بينهم أصحاب ورش ذهب وموظفون سابقون في نقابة الصاغة، إضافة إلى تجار ذهب غادروا البلاد، قدموا من خلالها رواية تفصيلية حول انتشار كميات من الذهب غير المطابق للعيارات وتوريدها إلى الأسواق.
ينظم القانون رقم (34) لعام 2023 حالات إدخال الذهب الخام إلى سوريا، والإعفاءات والرسوم المترتبة عليه، ويسمح للسُوري والأجنبي المقيم وغير المقيم بإدخال الذهب الخام، ويُعفى من الحصول على إجازة استيراد، ويسمح بإدخال الذهب الخام بصحبة مسافر، ويمنع استيراد الذهب المشغول.
ويُشار إلى أن هذا الإدخال يُعد إدخالًا مؤقتًا وليس استيرادًا نهائيًا، ما يوجب إخراج كمية مكافئة من الذهب على شكل مصنوعات (ذهب مشغول) بالوزن ذاته، وفقًا للضوابط المعتمدة، لضمان عدم اعتباره استيرادًا فعليًا.
يقول رئيس الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات في دمشق، محمود النمر، إنّ الجمعية الحالية، وبعد سقوط نظام الأسد، اكتشفت قطعًا تصل عياراتها إلى 760 سهماً بدل 875 في عيار 21، وهو فارق كبير يعكس حجم المشكلة.
و”السهم” هو وحدة قياس دقيقة تُستخدم لتجزئة القيراط إلى أجزاء أصغر لتحديد نسبة الذهب الخالص. ويعني ذلك أن العيار الفعلي لتلك الليرات كان أقرب إلى عيار 18 قيراطًا، بدلًا من 21 قيراطًا المعلن على الدمغة. وهو فرق كبير نسبياً في سوق يفترض أن يقوم على دقة شبه مطلقة.
لا تنتج سوريا الذهب بشكل خاص، ويتم تدوير المعروض المحلي الذي يتم تأمين جزء منه بالاستيراد، بين الورش والصاغة والمواطنين أو من خلال الإدخال المؤقت وعمليات التهريب. وبحسب موقع Trading Economics، تقدَّر احتياطيات سوريا من الذهب، والتي يشرف عليها مصرف سوريا المركزي، بنحو 25.8 طن لغاية العام 2024، بقيمة 42 تريليون ليرة سورية.
بداية الحكاية
بعد إندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، انتشرت في دمشق حالات غش في عيارات سبائك ومصوغات ذهبية، إذ باع صاغة الذهب مسكوكات وذهب زينة مخالفة للعيار الحقيقي بالخفاء.
يقول رئيس الجمعية، إن السوق الحالي ورث كميات كبيرة من الذهب غير الدقيق في العيار، ووفق تجار ذهب ومواطنين راقبوا السوق وتحدثوا لـ”سراج” عن تلك المرحلة، تقدر كميات الذهب المغشوش المباعة بعشرات الكيلوغرامات.
ويشير سلفه الأسبق، رئيس الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات السابق، جورج صارجي، الى أن الضغط على السوق ازداد بشكل كبير بعد عام 2011 مع تراجع قيمة الليرة السورية، وارتفاع الطلب على الذهب، قائلاً: “كنا ندمغ (ختم الجمعية) بالشهر نحو 500 كيلو ذهب”.
جولة رقابية للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة على محال بيع الذهب في دمشق
وبحسب روايات الشهود والضحايا الذين اشتروا الذهب المزيف، يشير هذا التزييف الى خلل تقني ورقابي، ويفتح الباب أمام فرضية أكثر تعقيدًا: وجود منظومة سمحت بتمرير الذهب “المضروب، بتعبير أهل الصنعة، الى السوق، مستفيدة من ثغرات في الفحص والدَمغ، في بيئة اقتصادية مضطربة كانت تسيطر عليها الفرقة الرابعة في جيش النظام المخلوع والأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الفرع 251 (فرع المخابرات في دمشق، والمعروف أيضًا بفرع الخطيب).

إيصالات دفع مالي من تجار الذهب لصالح الفرع 251 أو ما يعرف بفرع الخطيب الأمني عبر مصرف سوريا المركزي
في سوق الذهب بدمشق، كما باقي الأسواق في سوريا، تُعتمد الورشات لتصنيع الذهب، ولا تزال السوق بعيدة عن نظام عمل الشركات الكبرى. كما تُعتمد طبقتان من الحماية للتحقق من عيار الذهب الحقيقي في السوق السورية قبل عرضه وبيعه. الأولى: ختم خاص بكل ورشة، يحدد مصدر القطعة. والثانية: ختم الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات، الذي يمنحها الصفة النظامية، ويؤكد مطابقة عيارها للمواصفات. لكن هذا النظام الذي يُفترض أن يشكل آلية حماية ورقابة مزدوجة، لم يكن يعمل دائمًا كما هو مصمم له.
بحسب الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، يوجد في دمشق 250 ورشة لتصنيع الذهب، وفي حلب 225 ورشة، و30 ورشة في إدلب. وقد أنتجت دمشق منذ منتصف العام الماضي لغاية بداية العام الجاري، طنّين من الذهب، فيما أنتجت حلب 4 أطنان، وإدلب طناً واحداً.

جولة رقابية للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة على محال بيع الذهب ضمن حملات تهدف إلى فحص العيارات والتأكد من مطابقة المصوغات الذهبية للمواصفات المعتمدة
ويتم تسعير الذهب وفق سعر صرف الدولار الأميركي في السوق الرسمي، ووفق أسعار البنك المركزي السوري. لكن تدهور سعر الصرف ووجود سوق سوداء (موازية) لسعر الدولار أمام الليرة، خلقا حالة عدم استقرار في تسعير الذهب هبوطاً وصعوداً.

إيصالات دفع مالي من تجار الذهب لصالح الفرع 251 أو ما يعرف بفرع الخطيب الأمني عبر مصرف سوريا المركزي
ما هو “الذهب المضروب”؟
في سوق تقوم على الثقة أكثر من أي شيء آخر، يفترض أن تكون “الدمغة” كافية بحد ذاتها. ودمغ الذهب هو علامة رسمية (ختم) تُنقش على المشغولات الذهبية لضمان عيارها، نقائها، وشرعيتها. وتعتبر شهادة جودة من الجهات الحكومية المختصة، لكن ما كشفته تلك الحالات كان شيئًا آخر: ذهب يحمل عيارًا معلنًا، فيما يحتوي فعليًا على نسبة أقل من الذهب الخالص.
والعيار، أي نسبة الذهب الخالص في قطعة ما، لا يُرى بالعين المجردة، بل يُقاس بأدوات خاصة، مثل أجهزة فحص المعادن، أو عبر اختبارات كيميائية وتقنيات تحليل دقيقة تُستخدم لتحديد نسبة معدن الذهب بدقة. ويمكن لقطعة أن تبدو مثالية تمامًا من حيث اللون والوزن والختم، بينما تحتوي فعليًا على نسبة أقل من الذهب مما تعلنه الدمغة.
وفي حالات كثيرة، يكون الفرق بسيطًا للغاية، فلا يتجاوز الـ10 إلى 15 سهمًا (من أصل ألف)، أي ما يعادل انخفاضًا من عيار 21 النظامي (875 سهمًا).
يسمّي الصاغة هذا النوع من التلاعب “الذهب المضروب”.

إنفوجرافيك يوضح معايير عيارات الذهب المعتمدة عالمياً، ونسب الهامش المسموح بها في الزيادة أو النقصان، والتي لا تتجاوز 0.2%
يشرح أحد أصحاب الورش، ممن عملوا في السوق خلال تلك الفترة، طبيعة هذا الفرق قائلاً: “الفرق ممكن يكون بسيط… بس لما تشتغل على مئات الكيلوغرامات، بيصير ثروة”.
وبحسب خمسة صاغة التقينا بهم في سوق الحريقة، ومنطقة مساكن برزة بدمشق، فإن المشكلة الأكبر أن هذا النوع من التلاعب لا يمكن كشفه بسهولة داخل السوق.
في الممارسة اليومية، يعتمد كثر من الصاغة على الدمغة الرسمية كضمانة أساسية، إلى جانب دمغة صاحب الورشة (أو “الوريش” كما يُعرف في أوساط المهنة)، من دون إخضاع كل قطعة لفحص مخبري أو إعادة صهر.
وحتى في حالات الشك، لم تكن أدوات الفحص الدقيقة، مثل أجهزة التحليل الطيفي، متاحة على نطاق واسع، بخاصة خلال سنوات الثورة، نتيجة ارتفاع تكلفتها والقيود المفروضة على استيرادها.
يرى مصعب الأسود، مدير الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، (وهي هيئة حكومية تأسست حديثاً، تعمل على إعادة تنظيم الملف قانونياً ومؤسساتياً، بعد سنوات من التداخل بين قرارات المالية والاقتصاد والمصرف المركزي ووزارة الصناعة)، أن ما حصل في سوق الذهب لم يكن استثناءً عن بنية الفساد التي حكمت مؤسسات النظام السابق، بل أحد أكثر تجلياتها حساسية وإغراءً.
ويقول: “من الطبيعي أن يكون الفساد في الذهب أكبر، لأنه أكثر إغراءً، والعائد المالي منه أعلى من أي قطاع آخر تقريباً. كما أن كشفه صعب ويحتاج إلى مهنيين متخصصين. لكن المشكلة أن الجهة التي كان يُفترض أن تكشفه، كانت هي نفسها تدير الملف ومتورطة فيه. وعندما ينتشر الفساد بين من يفترض أنهم جهة الرقابة، يصبح اكتشافه أصعب بكثير”.
سوق تحت الضغط
مع تدهور سعر الصرف وتراجع الليرة أمام العملات الأجنبية، تغيرت عادات الادخار وسلوكياته لدى المواطنين السوريين، إذ بدأ المواطنون يبحثون عن ملاذات أكثر أمانًا لحفظ أموالهم. وكان الذهب تاريخيًا الخيار الأكثر شيوعًا. خلال فترة قصيرة، ارتفع الطلب على الليرات والأونصَات الذهبية بشكل كبير، ما أدى إلى ضغط غير مسبوق على السوق.
يقول أحد الصاغة العاملين في سوق الذهب بدمشق، إن هذا التحول خلق “حالة من الجنون” داخل السوق. ويضيف: “الناس كلها بدها تحول مصرياتها إلى ذهب… والكميات التي كانت تدخل للنقابة صارت ضخمة”.
وبحسب رئيس الجمعية الأسبق، جورج صارجي، كان سبك الليرات والأونصَات الذهبية ممنوعاً في سوريا قبل أن يحصل على موافقة من حاكم مصرف سوريا المركزي آنذاك، وذلك للسماح بدمْغها محلياً. في المقابل، أقرّ بأن بعض الورشات كانت تزوّر ختم النقابة وأختام ورش أخرى عبر تصنيع قوالب تضم الدمغة فيها، ما يعني أن جزءاً من الذهب المغشوش كان يدخل السوق من خارج القنوات الرسمية، ومن دون أن يمر فعلياً على الجمعية.
يوضح موظف في الجمعية، عاصر مرحلتي الإدارة قبل الثورة وبعد اندلاعها، وحتى ما بعد سقوط الأسد، حجم هذا الضغط المُلقى على عاتق جمعية الصاغة كجهة وحيدة ورسمية مسؤولة عن التحقق من الذهب ومنحه العيار الصحيح، والصيغة الدقيقة: “في أيام كانت الكميات تفوق المئة كيلو… أحيانًا 200 كيلو باليوم الواحد”.
في الظروف الطبيعية، لا يخضع كل مصاغ ذهبي لِفحص مخبري فردي قبل دَمغه وعرضه في الأسواق، بل يعتمد النظام المعمول به على فحص عينات عشوائية من كل دفعة إنتاج، ليتبع ذلك وضع دمغة “الجمعية” الرسمية التي يفترض أن تشكل ضمانة أساسية للمطابقة، على كل المصوغات.
لكن مع ارتفاع الكميات وتزايد الضغط على “الجمعية”، بات هذا النظام أكثر هشاشة من الناحية العملية، فيما بقي الاعتماد على العينات كآلية أساسية للتحقق.
ويقول موظف في محل صاغة: “هون بلّش الغش يمرّ”، في إشارة إلى تراجع قدرة المنظومة الرقابية على الإمساك بكل الحالات.
الشكوك للمرة الأولى
بدأ ظهور قضية “الذهب المضروب” على شكل أحاديث عن حالات كان يعتقد أنها معزولة، مع خوف من نقلها إلى الجهات الأمنية خشية الانتقام أو الاعتقال. لكنها تحولت لاحقاً إلى حديث واسع في السوق، بلغ الذروة في شباط/ فبراير 2013، مع إقالة رئيس الجمعية الحرفية للذهب والمجوهرات وقتها، جورج صارجي، بعد 13 عاماً في المنصب، (منذ عام 2000 وحتى شباط 2013)، وتكليف غسان جزماتي بدلاً منه.
في مقابلة مع “سراج”، يستعيد الصائغ بسوق الصاغة في دمشق، أبو ماهر، واقعة يعتبرها كثيرون، كما يقول، أول إنذار علني. يقول إن شركة مشهورة طرحت، بين عامي 2013 و2014، ليرات ذهبية كجوائز ضمن مسابقات تجارية، وهي ممارسة كانت شائعة في تلك الفترة.
لكن المفاجأة ظهرت لاحقًا، عندما حاول بعض الفائزين بيع هذه الليرات في السوق. يقول أبو ماهر: “لما إجوا الناس يبيعوها، اكتشفنا إن الأسهم مو دقيقة… كانت حوالي 800 بدل 875 سهماً”.
وبحسب أبو ماهر، لم تبقِ القضية ضمن حدود الشك الفردي. ومع تكرار الحالات، بدأت الشكاوى تتوسع، قبل أن يتم سحب تلك الليرات من السوق، وإجبار الجهة التي سبكتها على دفع فروقات الأسعار للمشترين. لكن هذه المعالجة، وإن أنهت الحادثة ظاهريًا، لم تُنهِ الشكوك، “وقتها قلنا يمكن خطأ… بس بعدين اكتشفنا إنو الموضوع أكبر”، يقول الصائغ.

حكم قضائي صادر بحق عدد من الصاغة في فترة حكم الأسد، يلزمهم بتسديد مبالغ ضخمة للمصرف المركزي بعد خضوعهم للتحقيق في فرع 251
في المقابل، أكد رئيس الجمعية السابق، غسان جزماتي، “أنّ الذهب المتداول في السوق (تلك الفترة) كان نظامياً ومستوفياً للشروط، ما دام يحمل ختم النقابة، نافياً ضمنياً وجود خلل في الدَمغ أو الرقابة.
أما بشأن الاتهامات المتعلقة بالفساد، فاكتفى بوصفها بأنها “تشهير”، قبل أن يتوقف عن الرد على رسائل الصحافيين وأسألتهم.
لكن رواية جزماتي تتعارض مع ما تكشفه وثائق قضائية وشهادات صاغة تحدثت عن شبكة فساد واسعة داخل سوق الذهب خلال تلك الفترة.
فقد أظهرت دعوى استئناف تقدم بها ثمانية صاغة في دمشق، اتهامات مباشرة لرئيس جمعية الصاغة السابق غسان جزماتي بـ”الفساد المنظم”، والتلاعب بعيارات الذهب، والتورط بابتزاز صاغة بالتعاون مع ضباط في فرع الخطيب والأجهزة الأمنية التابعة للنظام البائد.
وبحسب الاستئناف المقدم أمام قاضي الإحالة الأول بدمشق بتاريخ 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025، اتهم المدعون جزماتي باستغلال نفوذه داخل الجمعية، وبوجود “ذهب مغشوش مختوم بختم الجمعية”، إضافة إلى اختفاء سجلات مالية وسجلات معايرة وذهب. كما تحدثت الدعوى عن آليات تلاعب ممنهجة شملت “قص العينات وإعادة التغليف”، معتبرة أن قرار منع محاكمته سابقاً تجاهل “أدلة وقرائن قاطعة”. إلا أن الدعوى خُسرت لاحقاً، بعد صدور قرار بتثبيت منع المحاكمة لعدم كفاية الأدلة، وفق ما اطلع عليه فريق التحقيق.
وتشير شهادات متقاطعة إلى أن جزماتي كان على صلة مباشرة بضباط في فرع الخطيب، بينهم اللواء أحمد ديب، إضافة إلى يسار إبراهيم، المستشار الاقتصادي لبشار الأسد. وتقول الشهادات إن أسماء صاغة دمشق المقتدرين مالياً كانت تُرفع إلى الأجهزة الأمنية، لتبدأ بعدها عمليات استدعاء واعتقال تحت تهم جاهزة، قبل إجبار بعضهم على دفع مبالغ وصلت إلى مئات آلاف الدولارات مقابل الإفراج عنهم.
الورش نقطة الانطلاق
بعد سقوط النظام السوري، بدأ فريق الصحافيين في وحدة “سراج” بجمع المعلومات عن حوادث “الذهب المضروب” من خلال تتبع مسار الذهب داخل السوق، وجمع شهادات عاملين فيه تقاطعت جميعها عند مكان واحد هو: الورش. فهي الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج، والمكان الذي يمكن فيه إدخال التعديل الأساسي على العيار قبل أن تصل القطعة إلى “الجمعية”والدَمغ الرسمي.
في معظم الروايات التي جمعها الفريق، يتكرر اسم رجل أعمال، وتاجر ذهب معروف ج. ز. بوصفه أحد أبرز الأسماء المرتبطة بهذه المرحلة. وبحسب ثلاثة مصادر مطّلعة من داخل قطاع الصياغة، كان الرجل يملك ورشة خاصة، لكنه لم يكن يعمل دائمًا باسمه.
يشرح أحد العاملين في السوق هذه الآلية: “كان يدمغ باسم ورشة تانية، صاحبها متوفى… هيك بتضيع المسؤولية”.
لم يتسنّ الوصول الى التاجر للحصول على ردّه، وعلمنا لاحقاً وبحسب مصادر عدة أنه انتقل قبل سقوط النظام السوري إلى دولة عربية وتوفي هناك لاحقاً. ولم ترد وزارة الداخلية السورية، وكذلك مصرف سوريا المركزي، على طلبات التعليق المرسلة إليهما.
هذا الاستخدام لأسماء ورش أخرى سواء كانت متوقفة أو غير نشطة، خلق طبقة إضافية من الغموض والتشويش على عيار الذهب الحقيقي. فعندما تظهر قطعة مغشوشة، يصبح تتبع مصدرها أكثر تعقيدًا، وتضيع هويات الدامغ الأصلي لأن الاسم المدموغ لا يقود بالضرورة إلى الجهة الفعلية التي أنتجتها، وهو في حالة ج.ز مَشغَل، كان قد توفي صاحبه.
وكان رئيس الجمعية الأسبق، جورج صارجي، قد صرّح بأنه أبلغ الجهات المختصة بوجود عمليات تزوير، وأنه حاول تتبع مصدرها داخل السوق. هذه الروايات المتضاربة تعكس تعقيد الصورة، حيث يصعب أحيانًا الفصل بين المسؤولية المباشرة، والاستفادة من النفوذ، والتقصير الرقابي.
لكن ما يتفق عليه معظم من تحدثوا، هو أن الورش في تلك المرحلة لم تكن مجرد جهة إنتاج، بل نقطة البداية في سلسلة تلاعب تمتد لاحقًا عبر السوق بكامله.
يقول جورج صارجي لفريق التحقيق، أن السوق في عهده كانت أكثر انضباطاً، وأن النقابة كانت تعتمد على جولات رقابية دورية وتكسر أي قطعة مخالفة يتم ضبطها، وأن آلية الفحص لم تقم على اختبار كل قطعة على حدة، بل على سحب عينات عشوائية من كل دفعة قبل الدَمغ، موضحاً: “من كل علبة كنا نأخذ عينة أو عينتين، وهذه العلب قد تضم خواتم أو أساور أو غيرها”.
الأختام من ضمانة إلى ثغرة
إذا كانت الورش تمثل نقطة البداية في إنتاج الذهب، فإن الأختام المعروفة أيضاً باسم “أقلام الدمغ” هي (جواز) عبوره إلى السوق.
بحسب شهادة أحد العاملين السابقين في القطاع، جورج كلاس (اسم مستعار)، فإن نظام الدَمغ قبل عام 2011 كان يعتمد، إلى حد كبير، على الثقة المهنية بين الورش والنقابة. ويوضح أن صاحب الورشة كان يقوم بمعايرة الذهب لدى ورش متخصصة، قبل نقله إلى النقابة حيث تُسحب عينات عشوائية للتأكد من دقة العيار قبل الدَمغ.
معايرة قطع ذهب قديمة خلال جولة رقابية للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة على محال بيع الذهب
وعلى رغم أن هذه الآلية التي تم اعتمادها لفترة طويلة، لم تكن خالية تماماً من التجاوزات، إلا أن حالات الغش التي تحصل قبل عام 2011 كانت محدودة، ولم تتحول إلى ظاهرة واسعة.
فيما بدأ التغير الأبرز خلال السنوات اللاحقة، إذ برزت، بحسب وصفه، ممارسات غير منضبطة داخل السوق، مع تراجع فعالية الرقابة، وظهور تسويات مالية في بعض الحالات المرتبطة بمخالفات العيار، من دون أن يتمكن التحقيق من التحقق بشكل مستقل من جميع تفاصيل هذه الادعاءات.
وتؤكد المقابلات التي أجراها فريق التحقيق، حصول خلل واضح في آليات ضبط “أقلام الدمغ” بعد اندلاع الثورة. إذ تكررت الإشارة إلى أن هذه الأقلام، سواء الخاصة بالورش أو التابعة للنقابة، لم تكن دائمًا خاضعة لضوابط صارمة في الممارسة اليومية.
يقول صاحب ورشة عرّف عن نفسه باسم “نهاد”، إن بعض الموظفين داخل النقابة كانوا يحتفظون بأقلام الدمغ معهم حتى خارج أوقات الدوام، ما يفتح المجال لاستخدامها من دون إشراف مباشر.
“كان في ناس القلم بجيبها طول الوقت… يعني ممكن يدمغ أي شي”.
كما ظهر ما هو أخطر، إذ شاع تزوير الذهب بتقليد “أقلام الدمغ”، والذي لم يكن معقدًا. وبحسب نهاد، شهدت السوق “تداول أقلام مزورة بين بعض الورش، ما سمح بدمغ قطع ذهبية تبدو نظامية في ظاهرها، على رغم أنها لا تطابق العيار الفعلي”.
تورط منظّم
تقدّم شهادة تاجر الذهب والألماس أحمد الخياط، رواية أكثر وضوحًا حول كيفية استغلال قلم “الدَمغ”. في مقابلة مسجّلة ضمن هذا التحقيق، يقول: “شكّل عام 2013 نقطة تحوّل، مع دخول نحو 50 كيلوغرامًا من الذهب (المضروب) إلى السوق السورية، شملت ليرات وأونصات بدت نظامية من حيث الشكل والختم، لكنها كانت أقل من العيار المعلن”.
ويضيف: “تم تغيير قلم الدَمغ في جمعية الصاغة خلال تلك الفترة، بذريعة سرقته، وهذا لم يكن إجراءً تقنيًا عابرًا، بل فتح الباب أمام التلاعب المنهجي بعيارات الذهب وجودة المصوغات”.
شهادة تاجر الذهب والألماس أحمد الخياط
يقول مصعب الأسود، مدير الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة: “تزوير قلم الدمغة ليس أمراً صعباً، وكان يمكن أحياناً أن يحدث بعلم القائمين على الملف مقابل مبالغ معينة لتمرير الأمور”.
ربع ساعة في فرع الخطيب!
في البداية، كان التعامل مع حالات الغش يتم ضمن الإطار التجاري: زبون يكتشف خللًا، يعود إلى الصائغ الذي يحاول بدوره تعويضه أو إعادة القطعة إلى المصدر.
لكن مع تكرار الشكاوى، بدأ المسار يتغير، ولم تعد القضية محصورة داخل السوق، بل وصلت الى مسامع مخابرات نظام الأسد.
يصف أحد الصاغة هذا التحول بأنه “مفاجئ”. يقول: “في البداية كنا نسمع عن قطع مغشوشة… بعد فترة صارت استدعاءات” أمنية. وبحسب شهادات متقاطعة، دخل عناصر من الأمن على الخط وحوّلوها إلى مصدر لابتزاز الصاغة، وبدأوا بملاحقة الصاغة الذين تداولوا الذهب المغشوش، مطالبين إياهم بإعادة القِطع أو دفع فروقاتها.
عدد من الصاغة في دمشق الذين تحدثوا عن تلك الفترة، أشاروا إلى أن بعض الحالات انتهت بالاعتقال من مخابرات النظام السوري المخلوع وبالتحديد “فرع الخطيب”، وكان شراء الذهب المزوّر أو مخالفة التسعيرة، وسيلتين للضغط على الصائغ لدفع أموال بالدولار الأميركي لصالح حساب المخابرات المفتوح في البنك المركزي.

إيصالات دفع مالي من تجار الذهب لصالح الفرع 251 أو ما يعرف بفرع الخطيب الأمني عبر مصرف سوريا المركزي
يَروي أحد الصاغة في سوق مساكن برزة بدمشق تجربة اعتقاله قائلاً: “قالوا لي تعال معنا ربع ساعة… وصارت 4 شهور”. ويضيف أنه نُقل بين أكثر من فرع أمني ولا يعرف هذه الفروع بالتحديد، قبل أن ينتهي به الأمر في فرع الخطيب، حيث خضع لتحقيق قاسٍ، ثم نُقل إلى سجن عدرا. وعلى رغم دفعه كيلوغراماً و300 غرام من الذهب، إلا أنه بقي موقوفًا لأشهر عدة. التهمة الرسمية كانت التلاعب بالأسعار، لكنه يؤكد أنها “ملفقة”.
تتشابه قصة الصائغ حنا بطرس في دمشق، مع قصص صاغة آخرين، اذ لم يتوقع أن تتحول مهنته إلى مصدر خطر. يروي أنه استيقظ على مداهمة أمنية لمنزله العام 2020، قبل أن يتم اقتياده إلى فرع الخطيب، أحد أبرز الأفرع الأمنية التي تولّت التعامل مع ملفات السوق خلال تلك الفترة.
يروي بطرس، أن التهمة التي وُجهت إليه كانت عدم الالتزام بالتسعيرة الرسمية، لكنه يؤكد أنها كانت تهمة “جاهزة”، تُستخدم ضد الصاغة. وبعد احتجازه لمدة 15 يوماً، أُفرج عنه مقابل دفع ما يعادل خمسة كيلوغرامات من الذهب، وفق روايته.
لكن لم تكن تلك محنته الأخيرة. فبعد عام تقريباً وتحديداً في 2021، اعتُقل مجدداً، وهذه المرة لأشهر عدة. يقول إن الإفراج عنه كان مشروطاً بدفع 120 مليون ليرة سورية، ما أدى إلى خسارته معظم رأس ماله، ودفعه ذلك إلى مغادرة البلاد.
لاحقاً، أطلعنا عدد من التجار على إيصالات دفع مُسطرة من “فرع الخطيب” بأسماء صاغة وتجار ذهب، طلبوا منا عدم مشاركتها أو نشرها حرصاً علي سلامتهم، يُطلب منهم التوجه للبنك المركزي لدفع غرامات بالدولار الأميركي تم تحديدها في الايصالات، وذلك ضمن فترة محددة أو مواجهة عقوبة السجن أو ايداع المبالغ المحددة كاش في حساب جهاز المخابرات العامة عبر شركة الفاضل للصرافة.

وثيقة إستلام مبلغ مالي بالدولار من تاجر ذهب عبر شركة الفاضل للصرافة لصالح فرع الخطيب الأمني
لا تشتري ذهباً قديماً بدون معايرة
يقول رئيس جمعية الصاغة الحالي في دمشق، محمود النمر، “اليوم ما في تساهل”، وإن أي قطعة لا تُطابق العيار المحدد يتم كسرها وإعادتها الى الورشة. وأشار إلى إدخال أجهزة حديثة لفحص الذهب، وهي آلات كانت، بحسب قوله، ممنوعة في السابق، وشدد النمر على ضرورة تأكد الزبون من الحصول على فاتورة نظامية مختومة بختم نظامي من محال الصياغة، كي يضمن حقه عند التعرض لأي مشكلة.
لكن هذه الأجهزة ليست متاحة للجميع، بسبب تكلفتها التي قد تصل إلى 20 أو حتى 35 ألف دولار. “مو كل صائغ يقدر يشتريها”، يقول أحد العاملين في السوق، ما يعني أن الفجوة التقنية لا تزال قائمة بين الفاعلين في السوق.
إلى جانب ذلك، تعمل الجمعية على مراقبة الواجهات ومنع عرض أي ذهب قديم من دون إعادة فحصه. لكن، بحسب أحد الموظفين، فإن حجم المشكلة أكبر بكثير: “في بحر من الذهب المغشوش بسوريا”.
على رغم الإجراءات الجديدة، لا تزال آثار المرحلة السابقة حاضرة. كميات الذهب التي دخلت السوق لا يمكن حصرها بدقة، ولا يمكن سحبها بسهولة.
“كل كيلو ممكن يكون ناقص 20 أو 25 غرام”، يقول أحد العاملين في الجمعية، في إشارة إلى حجم الخسارة المتراكمة.
في جولة من فريق منتدب عن الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة على محلات الصاغة بمنطقة قدسيا، شارك فيها فريق التحقيق، يشدّد عضو مجلس إدارة الهيئة، نقولا الزحلاوي، على ضرورة عدم شراء أو عرض الذهب القديم قبل إخضاعه للفحص، مؤكداً أن أي قطعة لا تطابق العيار المعتمد تُكسر مباشرة، بينما يُسمح فقط ببيع القطع التي تثبت مطابقتها.
حالياً، يُعبر عدد من الصاغة عن تفضيلهم تجنّب التعامل مع الذهب القديم نهائياً، والاكتفاء ببيع مصوغات تحمل الدمغة الجديدة للنقابة. أحدهم لخّص هذا التوجّه بعبارة ساخرة: “الذهب القديم… بلاستيك”.
وفي ما يتعلق بالضرر الذي وقع سابقاً على الأهالي جراء شراء ذهب مزيف، يقول مصعب الأسود: “أعدنا الكثير من الحقوق، ويتم ذلك من خلال مراجعة المتضرر لجمعية الصاغة، وذلك من خلال تقديم الفاتورة، وأنه في حال توافرت الفاتورة تُعيد الجمعية الفرق من حساب الصائغ، وإن كان متوافراً نحصل منه (وفي حال كان الصائغ غير موجود لا يمكن تعويض المشتري)، وفي حال أخذ المشتري التعويض من الصائغ، يمكن أن يحصل الأخير على فرق السعر من الورشة التي اشترى منها.. وإذا توافرت هذه السلسلة سيتم في النهاية محاسبة المنتِج”.
- نُشرت نسخة من هذا التحقيق على موقع “درج”
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد