Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

“القذيفة أصابت الهدف”.. أدلّة جديدة تُثبت تعمّد نظام الأسد قتل الصحافيَّين ماري كولفين وريمي أوشليك في حمص

بينما نفى بشار الأسد تعمّد قواته قتل الصحفية الأمريكية ماري كولفين والصحفي الفرنسي ريمي أوشليك في حي بابا عمرو في حمص عام 2012، يُظهر هذا التحقيق الاستقصائي أدلّةً جديدةً وشهادات تُنشر للمرّة الأولى، تؤكّد تعمّد قواته قصف المكتب الإعلامي داخل الحي، كما يكشف التحقيق أن قوات الأسد حاولت الإجهاز على الصحافيين المصابين ومنعهم من مغادرة الحي المُحاصر.

بعد أكثر من 13 عامًا على الهجوم الذي استهدف المركز الإعلامي في حي بابا عمرو في مدينة حمص السورية، والذي أسفر عن مقتل وإصابة صحفيين دوليين، تظهر أدلة جديدة تؤكد أن الهجوم لم يكن قصفًا عشوائيًا من قبل قوات نظام بشار الأسد، بل كان عملية متعمّدة استهدفت قتل الصحافيين داخل المركز الإعلامي.

وقد أدّى الهجوم إلى مقتل الصحفية الأميركية ماري كولفين، والمصوّر الصحفي الفرنسي ريمي أوشليك، وإصابة الصحفية الفرنسية إيديت بوفييه، والمصوّر البريطاني بول كونروي، إضافة إلى إصابات تعرّض لها عدد من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي السوري، من بينهم المترجم السوري وائل العمر، والناشط باسل فؤاد، وعبّاد الصوفي، وعدة آخرين.

ماري كولفين، المراسلة الحربية المولودة في كانون الثاني/يناير 1956 في نيويورك، عملت لسنوات طويلة مع الصحيفة البريطانية “ذي صنداي تايمز”، وغطّت بعضًا من أخطر مناطق النزاع في العالم. وكانت معروفة على نطاق واسع بشجاعتها وقدرتها على اختراق خطوط الجبهة التي عجز آخرون عن الوصول إليها.

وتدعم الأدلة الجديدة، التي تُنشر للمرة الأولى في هذا التحقيق الاستقصائي، الادعاءات المستمرة منذ سنوات بأن النظام السوري استهدف المركز الإعلامي عمدًا بعد تحديد هوية الصحفيين الموجودين داخله.

وتدحض هذه الأدلة مزاعم بشار الأسد، الذي نفى في مقابلة سابقة مع محطة NBC News الأميركية تعمّد قواته قتل كولفين قائلًا: “لم تكن القوات المسلحة تعلم بوجود ماري كولفين في مكان ما. لا أحد يعلم ما إذا كانت قد قُتلت بصاروخ أو أي صاروخ، أو من أين أتى الصاروخ أو كيف”.

إذ تُظهر الأدلة الجديدة التي نكشف عنها، أن ضباط النظام السوري كانوا على معرفة مسبقة بوجود الصحفيين داخل المركز في لحظة استهدافه، وأنّهم وضعوا قبل الضربة خططًا عسكرية دقيقة هدفت إلى ضمان نجاح الهجوم بغرض قتل جميع من كانوا في الداخل، بمن فيهم الصحفيون السوريون والأجانب.

ويمثّل القصف المدفعي للمركز الإعلامي في حي بابا عمرو “جريمة حرب”، استنادًا إلى الأعمال التحضيرية الموثّقة التي نفّذها ضباط الأسد في المنطقة. و بالاعتماد على عدد كبير من إفادات الشهود الموثوقين وتحليلات الخبراء، يُحدّد التحقيق نوع قذيفة المدفعية المستخدمة، ومكان إطلاقها، ومسارها.

كما تتبّع التحقيق سلسلة القيادة وصولًا إلى أعلى المستويات في الهرم الإداري والعسكري داخل جيش النظام.

وتتضمّن الأدلة أيضًا معلومات وشهادات تشير إلى وجود آليات مراقبة ورصد استهدفت المركز الإعلامي، بالإضافة إلى مراقبة الظروف المحيطة بعملية إجلاء الصحفية الجريحة إيديت بوفييه، من المنطقة المحاصَرة، بعدما نُصحت بعدم المغادرة عبر الممرات الإنسانية التي كان يسيطر عليها نظام الأسد.

وجُمعت هذه الأدلة في إطار دعوى قضائية قادتها “رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار” ومجموعة من المحامين الفرنسيين أمام محكمة جرائم الحرب في العاصمة الفرنسية باريس. وقد اطّلع فريق التحقيق على وثائق وملفات القضية التي أسهمت في إعداد هذا التحقيق.

وأكد سامر الضيعي، مدير “رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار”، أن الإجراءات الجارية أمام القضاء الفرنسي تمثل عملية مختلفة جوهريًا: “نحن نتعامل مع تحقيق جنائي في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى أدلة أثبتت النية المتعمدة والتخطيط المسبق، وربطت الاستهداف بهجوم أوسع ومنهجي على مركز إعلامي معروف يضم صحفيين مدنيين أجانب”.

وتخلص النتائج، إلى أن الهجوم على المركز الإعلامي “لم يكن عشوائيًا، بل كان مخططًا له مسبقًا ونُفّذ بهدف القضاء على وجود الصحفيين في حمص لمنع تغطية هجمات النظام السوري الدموية وقتها، وبثّ الخوف في صفوف الصحفيين لردعهم عن دخول سوريا لتغطية النزاع من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة”، وفق بيان أرسله لنا “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”.

التتبّع قبل الضربة

في عام 2001، فقدت كولفين عينها اليسرى أثناء تغطيتها للحرب الأهلية في سريلانكا، بعدما أُصيبت بشظية قذيفة. لكن الإصابة لم تضع حدًا لمسيرتها المهنية؛ بل أصبح غطاء العين الأسود الذي كانت ترتديه رمزًا لإصرارها على مواصلة العمل الصحفي.

مع بداية الثورة السورية، وجّهت كولفين أنظارها إلى سوريا. وقد رفضت سلطات نظام الأسد منحها تصريح دخول رسمي، لكنها كانت مصمّمة على دخول البلاد وكشف ما يجري على الأرض، فنسّقت لعبور الحدود من لبنان، متجهة إلى حمص التي كانت مركزًا رئيسيًا للاحتجاجات ضد الأسد.

وصلت كولفين إلى حي بابا عمرو المحاصَر، حيث لجأت، مع صحفيين وناشطين آخرين، إلى مبنى جرى تحويله إلى مركز إعلامي مؤقت. وهناك، أمضت أيامًا تراقب عن كثب معاناة المدنيين: الجوع، والبرد، والخوف الدائم من القصف الذي لم يتوقف. وقد تحوّلت هذه المشاهد التي وثّقتها الصحفية الأميركية في تقاريرها الأخيرة إلى شهادة وضعتها في قلب الخطر، لتغدو لاحقًا الفصل الأخير في حياتها المهنية والشخصية على حدّ سواء.

في 21 شباط/فبراير 2012، أي قبل يوم واحد من قصف المركز الإعلامي، زارت كولفين وزملاؤها مناطق مدنية كانت قد تعرضت لقصف من قبل النظام، ما أسفر عن مقتل العديد من المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

وفي خضم الصدمة التي عاشتها عند رؤيتها طفلًا يحتضر، ظهرت على الهواء مباشرة من داخل المركز الإعلامي في بابا عمرو على إحدى محطات التلفزة، ووصفت سقوط الضحايا المدنيين، وحالة الرعب التي كانت تسيطر على سكان الحي، والأوضاع الكارثية في المستشفيات المحلية.

وبشجاعة، بثّت كولفين تقاريرها مباشرة باستخدام تقنية البث عبر الأقمار الصناعية في بيئة كانت تعجّ بطائرات التجسس التابعة للنظام، والتشويش على الاتصالات، وشبكات المخبرين. وقد تمكن النظام من تحديد موقع إشارة البث عبر الستالايت. ولم تكن تعلم أن هذا البث سيكون الأخير في حياتها.

في تلك الليلة، وصلت الصحفية الفرنسية إيديت بوفييه إلى بابا عمرو، دون أن تعلم أن المركز الإعلامي سيُستهدف في صباح اليوم التالي، وأنها ستكون على مقربة شديدة من الموت وتشهد على مقتل كولفين والمصوّر الصحفي الفرنسي ريمي أوشليك.

قاد ياسر شالتي، وهو محقق متخصص في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أعمال التحقيق وجمع الأدلة في القضية المتعلقة باستهداف المركز الإعلامي في حي بابا عمرو. وقد رُفعت القضية ضد النظام السوري أمام محكمة جرائم الحرب في باريس، ما أدّى إلى إصدار مذكرات توقيف.

وفي 1 أيلول/سبتمبر 2025، أصدرت السلطة القضائية الفرنسية قرار اتهام يأمر بإصدار سبع مذكرات توقيف بحق مسؤولين سوريين رفيعي المستوى على خلفية قصف المركز الإعلامي في بابا عمرو عام 2012. وتشمل هذه المذكرات الرئيس السابق بشار الأسد وعددًا من كبار الضباط، متّهمةً إياهم بالتواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بهجوم 22 شباط/فبراير.

وقال شالتي: “أثبتنا أن استهداف المركز كان متعمّدًا من خلال ثلاثة عناصر أساسية. أولًا، تشير وثائق حصلنا عليها لأغراض التحقق والتدعيم إلى أن النظام السوري كان على علم بدخول أشخاص غير سوريين من لبنان. فقد جرى إبلاغ الفروع الأمنية بدخول شخصيات غير سورية عبر برقيات رسمية، ما يعني أن النظام كان على علم بدخول الصحفيين في اللحظة التي عبروا فيها الحدود من لبنان”.

وثيقة صادرة عن فرع الأمن السياسي بتاريخ 26 أيار/مايو 2012 تتضمن معلومات عن أشخاص غير سوريين متوقع عبورهم من لبنان إلى سوريا حاملين أدوات اتصال (أجهزة كمبيوتر محمولة وهواتف ثريا) – سراج.

أكّد شاهد في القضية، يُعرف بالاسم المستعار “يوليسيس”، وكان يعمل سابقًا في فرع الاستخبارات العسكرية، أن اللواء علي مملوك مدير إدارة المخابرات العامة حينها، أُبلغ في كانون الأول/ديسمبر 2011 من مصادر لبنانية بوصول الصحفيين إلى سوريا. وقام مملوك بإبلاغ جميع نظرائه في الفروع الأمنية للعثور على الصحفيين واعتقالهم.

العنصر الثاني، بحسب شالتي، تمثّل في أنه بمجرد بدء الصحفيين إرسال تقاريرهم من المنطقة، أصبحت مواقعهم الجغرافية قابلة للتحديد من قبل النظام.

وقال ضابط سوري منشق: “كان فرع الاستخبارات 225 مسؤولًا عن مراقبة الاتصالات باستخدام معدات تقنية لتحديد مواقع الاتصالات التي تُجرى عبر شرائح اتصال غير سورية أو عبر الإنترنت الفضائي، باستخدام أجهزة تُعرف باسم ‘الراشدات’، ويُشار إليها عالميًا باسم “IMSI catchers”.

أما العنصر الثالث، بحسب  شالتي، فتمثّل في استخدام طائرات الاستطلاع وشبكة المخبرين المحليين. وفي هذا السياق، أوضح أن المحققين حدّدوا وجود عدد من المخبرين داخل حي بابا عمرو الحمصي، استنادًا إلى شهادات متطابقة أدلى بها ضباط منشقون وشهود من الحي نفسه.

وفي مقابلة مع فريق التحقيق المشترك بين”سراج” ومنظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF)، قالت الصحفية الفرنسية، إيديت بوفييه: “كانت طائرات الاستطلاع مرعبة حقًا. كنا نسمع صوتها طوال اليوم، لذلك كنا نعلم أنهم يواصلون تتبّعنا ومحاولة العثور علينا”.

وبحسب الشاهد “يوليسيس”، ففي الليلة التي سبقت الهجوم، أي في 21 شباط/فبراير 2012، جرى إحضار مخبرة إلى الكلية الحربية في حمص لحضور اجتماع ضمّ أكثر من عشرة ضباط كبار من الاستخبارات والجيش. وخلال هذا الاجتماع، أكدت الجاسوسة الموقع الدقيق للمركز الإعلامي، وكان كامل مسار العملية قد أصبح جاهزًا.

وخلص شالتي إلى القول: “عندما تُجمع هذه العناصر معًا، يتّضح أن النظام السوري كان على علم كامل بمكان وجود الصحفيين، وبحضورهم، وبحركتهم داخل الحي”.

الاستهداف بمدفع 130 مم السوفيتي 

في يوم الهجوم نفسه، 22 شباط/فبراير 2012، نشر أحد المقاتلين في الجيش السوري مقطع فيديو على يوتيوب، يوثق قصفًا استهدف حي بابا عمرو. وتُظهر اللقطات عدة مدافع مدفعية، أكّد خبراء وضباط منشقون أنها مدافع ميدانية من طراز M46 سوفياتية الصنع، تُعرف بين ضباط الجيش السوري باسم “مدفع 130″، في إشارة إلى عيار القذائف البالغ 130 مليمترًا.

وفي خلفية الفيديو، يظهر بوضوح بوابة ومبنى الفوج 64 التابع لجيش النظام السوري، وهو نفس الفوج الذي أُطلق منه القصف الذي استهدف المركز الإعلامي.

باستخدام المصادر المفتوحة، ومن خلال مقارنة الأدلة البصرية في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية، وعرضها على ضباط وجنود منشقين عن الفوج 64، تأكّد المحققون أن المبنى الظاهر في اللقطات هو بالفعل مقر ذلك الفوج.

 فيديو نُشر من قبل أحد أفراد الجيش السوري على يوتيوب  يُظهر القصف الذي أُطلق من الفوج 64 في 22 فبراير 2012.
مقارنة بين لقطات الفيديو وصور الأقمار الصناعية التي تُظهر فوهات المدفعية ومبنى قيادة الفوج 64 – ماكاسار.

يظهر في الفيديو وجود ما لا يقل عن ستة مدافع من طراز M46، وهو ما يتطابق مع صور الأقمار الصناعية للفوج 64 العائدة إلى أيار/مايو 2012 التي عاينها محققو المصادر المفتوحة في “سراج”، والتي تكشف عن ستة مدافع من الطراز نفسه رابضة  في وضعية إطلاق باتجاه الشمال، نحو حي بابا عمرو.

صورة أقمار صناعية تُظهر مواقع المدفعية داخل الفوج 64 – ماكسار.

وتوضح  مقاطع فيديو أخرى لقصف بابا عمرو، راجعها خبراء أسلحة وضباط عسكريون سوريون سابقون، أن السلاح المستخدم هو مدفع ميداني من طراز M 46 عيار 130 مليمترًا. وبناءً على ذلك، أكدوا أن القصف انطلق من مصدر واحد، وأنه من خلال مقارنة صوت الإطلاق بصوت الارتطام، يستغرق وصول القذيفة إلى الهدف 10.95 ثوانٍ. واستنادًا إلى مواصفات هذا المدفع، يشير ذلك إلى أن القصف أُطلق من مسافة تقارب 12 كيلومترًا.

وأجرى فريق التحقيق تحليلًا جغرافيًا مكانيًا باستخدام صور الأقمار الصناعية، حيث رسم نطاق بحث نصف دائري لمواقع المدفعية التي تحمل الخصائص نفسها، ضمن مدى 12 كيلومترًا جنوب المركز الإعلامي في بابا عمرو. وكان الموقع الوحيد الذي استوفى هذه المعايير، وعلى مسافة 12.6 كيلومترًا، هو الفوج 64.

صورة من الأقمار الصناعية تقيس المسافة بين مواقع المدفعية في الفوج 64، والمركز الإعلامي في حي بابا عمرو – ماكسار.

سلسلة من المتورّطين

كان المركز الإعلامي محاطًا بمبانٍ شاهقة، بما في ذلك المدينة الجامعية وجامعة البعث، بالإضافة إلى أبراج سكنية في حي الإنشاءات، والتي استخدمتها قوات النظام لمراقبة المنطقة، ما جعله عرضة لمراقبة طويلة الأمد.

صورة من الأقمار الصناعية تُظهر موقع مركز بابا عمرو الإعلامي محاطًا بمواقع مراقبة تابعة للنظام السوري المخلوع- ماكسار.

بحسب فريق المحقّقين في القضية المرفوعة أمام القضاء الفرنسي، جاء رئيس النظام المخلوع، بشار الأسد في قمة سلسلة المسؤولية عن الضربة، بصفته القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة.

بعده في السلسلة جاء اللواء علي عبد الله أيوب، بصفته قائد اللجنة الأمنية والعسكرية في حمص التي كانت تمتلك السلطة الحصرية لإصدار الأوامر بتنفيذ الهجمات العسكرية والعمليات الأمنية. وكانت جميع أوامر العمليات العسكرية تصدر عن أيوب بالتنسيق مع نائبه، رفيق شحادة، الذي شارك في المسؤولية عن اتخاذ القرارات العسكرية.

بعد اتخاذ القرار، نُقلت أوامر استهداف المركز الإعلامي إلى العقيد شعبان العوجة، قائد عمليات المدفعية في حمص، ورئيس كتيبة الصواريخ، لتنفيذ الهجوم. ثم قام العوجة بتمرير الأمر إلى العقيد أكرم الملحم، رئيس أركان فوج 64، بالإضافة إلى رئيس فرع العمليات فيه، لتحديد اتجاه المدفعية ومعايير الإطلاق.

لاحقًا، أُرسلت الأوامر إلى قادة نقاط المراقبة الثلاث المحيطة بالمركز الإعلامي، وذلك لتحديد الإحداثيات الدقيقة: وهم العقيد بلال حسن، العقيد عيسى العلي، والعقيد كمال المحمّد. ثم تم إعادة نقل الإحداثيات مرة أخرى إلى شعبان العوجة، بحسب ملف الدعوى.

سلسلة المسؤولية عن الضربة – سراج.

انتهاكٌ القانون الدولي

في مقابلة مع فريق “سراج” حول الوضع القانوني لـ”المركز الإعلامي” كهدف محمي، قالت يارا بدر، رئيسة برنامج الإعلام والحريات، في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، ومقره باريس: “المراكز الإعلامية، بما في ذلك مقرات قنوات التلفزيون والصحف ووكالات الأنباء، تُعتبر أهدافًا مدنية ولا يجوز استهدافها إلا إذا كانت تُستخدم بشكل مباشر وفعّال لدعم العمليات العسكرية (مثل بث الأوامر العسكرية أو توفير معلومات استخباراتية مباشرة)”.

وأوضح فادي عبد الله، المتحدث الرسمي باسم المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أن “حماية الصحفيين تندرج تحت حماية المدنيين وفقًا للقانون الدولي، واتفاقيات جنيف، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. الصحفيون مشمولون بالحماية الممنوحة للمدنيين خلال النزاعات المسلحة. وبينما لا يوجد نص خاص مخصّص حصريًا للصحفيين في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإنهم يظلون محميين بالكامل كمدنيين”.

يوم الهجوم.. الضربة المزدوجة!

كلّف العقيد شعبان العوجا، قيادة مربط المدفعية ممثّلة بالعقيد حسين عيسى، قائد الكتيبة 465، بالتحضير للهجوم، الذي أشرف بدوره على وضع المدافع باتجاه الهدف المحدد قبل فتح النار، بحسب ملف الدعوى التي رُفعت أمام القضاء الفرنسي.

تعرّض المركز الإعلامي في بابا عمرو لقذيفتين مدفعيتين. كانت الأولى قذيفة جوفاء (اختراقية)، تهدف إلى اختراق المبنى والتحقق من دقة الإحداثيات وزاوية الإطلاق، بالإضافة إلى إحداث الذعر بين من كانوا بداخل المبنى، لإجبارهم على مغادرة مواقعهم المحمية. وبعد أن أكّد المراقبون العسكريون أن القذيفة الجوفاء أصابت الهدف، وكشفت من كانوا داخل المبنى، أُطلقت القذيفة الثانية عالية الانفجار نحو المركز الإعلامي.

في مقابلة مع فريق “سراج” و”مراسلون بلا حدود” (RSF)، أكدت الصحفية الفرنسية، إيديت بوفييه أن المركز تعرّض للقصف مرتين في صباح ذلك اليوم بين الساعة السابعة والثامنة صباحًا. ووصفت الرعب الذي أحاط باللحظات الأخيرة للصحفيين ماري كولفين وريمي أوشليك، قائلة: “كنت داخل المبنى عندما أُطلقت القذيفة الثانية، أعتقد أنهم سمعوا صوت القذيفة الأخيرة، وقُتلا أثناء عودتهما إلى المبنى، عند المدخل بالضبط”.

وفي مقطع فيديو نشره ناشط سوري من داخل المركز الإعلامي، في لحظة استهدافه بالقذيفة الجوفاء الأولى في 22 شباط/فبراير 2012، حلل فريق المصادر المفتوحة الفيديو، ومنه يمكن رؤية انعكاس وميض القذيفة على زجاج مبنى مقابل المركز الإعلامي، ما يدل بوضوح على أن الضربة المدفعية أُطلقت من الجنوب.

فيديو من داخل المركز الإعلامي يوثق لحظة استهدافه بالقذيفة المدفعية الأولى، 22 شباط/فبراير 2012. – رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار.
لقطة شاشة من فيديو تظهر انعكاس الضوء الناتج عن الضربة المدفعية على المبنى المقابل لمركز بابا عمرو الإعلامي، 22 شباط/فبراير 2012.

تظهر الأدلة البصرية بما في ذلك أشكال المباني والشارع المجاور تطابقاً بين الفيديو وصور الأقمار الصناعية لمبنى المركز الإعلامي في بابا عمرو – ماكسار

الجريمة بين المرصد والمربط

بعد الضربة الأولى، اتفق الصحفيون في  المركز الإعلامي علي مغادرته نحو الشارع المقابل ضمن مجموعات  مكونة من شخصين.

تكوّنت المجموعة الأولى من صحفي سوري ومصوّر إسباني، وتمكّنا من عبور الشارع بأمان إلى المبنى المقابل للمركز الإعلامي.

كان من المفترض أن تضم المجموعة الثانية ماري كولفين وريمي أوشليك. لكن بعد عبور المجموعة الأولى، لاحظت نقاط المراقبة التابعة لقوات النظام أنّ الصحفيين بدأوا بمغادرة المبنى فأصدرت أمر إطلاق القذيفة الثانية عالية الانفجار.

وقال النقيب ربيع حمزة، الذي كان متمركزًا في إحدى نقاط التفتيش الأمنية التي شكّلت الحصار حول بابا عمرو: “في وقت الضربة، كان الوقت حوالي الساعة الثامنة صباحًا. كنت جالسًا مع ضابط آخر، وسمعت محادثة عبر قبضة الاتصال العسكرية بين نقطة المراقبة وبطارية المدفعية”.

وأفادت نقطة المراقبة، بحسب حمزة: “هذه هي إحداثيات المركز الإعلامي. راقبوا القذيفة” وبعد القذيفة الأولى، أضافت: “القذيفة أصابت الهدف”.

كان هناك فترة زمنية قصيرة بين القذيفة المجوفة والقذيفة المتفجرة. وخلال هذه الفترة، خرجت الصحفية كولفين والمصوّر ريمي أوشليك من المركز الإعلامي، وكانا على وشك الوصول إلى مدخل المبنى المقابل للمركز عندما أصابت القذيفة الثانية، فقتلتهما على الفور.

وأصابت نفس القذيفة أيضًا الصحفية الفرنسية، إيديت بوفييه والمصوّر البريطاني بول كونروي، اللذين كانا قرب مدخل المركز الإعلامي يستعدان للمغادرة ضمن المجموعة الثالثة. كما أصيب المترجم السوري وائل العمر بجروح بالغة نتيجة الضربة.

وقالت بوفييه: “كنت لا أزال أحاول أن أقرّر ماذا أفعل، وأردت أن أكون مفيدة. كنت مصابة ولم أكن أعرف حتى مدى خطورة إصابتي”.

وبحسب شهادة ضابط منشق، احتفلت قوات النظام بعد الضربة القاتلة. ونُقل عن علي عبد الله أيوب قوله: «خلصنا من هالشراميط». في ذلك الوقت، كان الاعتقاد السائد أن جميع من كانوا داخل المركز الإعلامي قد قُتلوا. لكن بعد ظهور نداءات من بابا عمرو تطالب بإنقاذ إيديت بوفييه وبول كونروي، أدرك النظام أن بعض الأفراد قد نجوا.

من الإدانة إلى “جريمة حرب”:

منذ عام 2017، عملت “رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار” على جمع الأدلة المتعلقة بالجريمة في بابا عمرو، وتمكّنت في النهاية من الحصول على مذكرات توقيف  هي الأولى من نوعها منذ استهداف المركز الإعلامي في شباط/فبراير 2012.

وقد جمعت الرابطة وحلّلت كمية كبيرة من الأدلة، ما أتاح للسلطة القضائية الفرنسية المختصة إصدار سبع مذكرات توقيف بحق بشار الأسد, الذي فرّ إلى موسكو، وعدد من كبار المسؤولين في النظام، وهذا يشكّل سابقة قضائية ذات أهمية خاصة في إطار الاختصاص القضائي العالمي.

الأفراد المطلوبون بموجب مذكرات التوقيف الفرنسية في قضية قصف مركز بابا عمرو الإعلامي.

استندت الأدلة المقدمة على عناصر متعددة، بما في ذلك شهادات ضباط منشقين ومعلومات تتعلق بالترتيبات الأمنية على مستوى الميدان. وشملت هذه التدابير، وفق ما ورد، الإجراءات المتخذة ضد عناصر الأمن المشتبه في مساعدتهم للصحفية المصابة إيديت بوفييه على مغادرة المنطقة المحاصرة. 

كما تضمنت الأدلة حالات الاحتجاز اللاحقة، بما في ذلك اعتقال النقيب ربيع حمزة، أحد قادة نقاط التفتيش التي فرضت الحصار على بابا عمرو، والذي احتُجز لعدة سنوات في سجن صيدنايا من قبل السلطات السورية، بالإضافة إلى وفاة زملاء له خلال فترة الاعتقال.

وقد دعمت هذه المواد أيضًا شهادات خبراء قانونيين، وشهود، وناجين، مما ساهم في بناء ملف قضائي شامل يدعم التوصيف القانوني للأحداث كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ضمن إطار يلبّي متطلبات العدالة الجنائية الدولية.

أصدرت محكمة جرائم الحرب في باريس مذكرات توقيف استنادًا إلى مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، الذي يسمح للمحاكم الوطنية بالنظر في جرائم ارتُكبت خارج أراضي الدولة.

ويُعتبر هذا الحكم غير مسبوق، حيث فشلت الجهود القضائية السابقة في إثبات عنصر النية اللازم لتصنيف الهجوم كجريمة حرب.

وفي 1 شباط/فبراير 2019، أصدرت محكمة المقاطعة الأميركية في واشنطن حكمًا غيابيًا بعد دعوى رفعتها عائلة ماري كولفين، ألزمت فيها الجمهورية العربية السورية بدفع تعويض قدره 302,511,836 دولارًا أميركيًا. وأكدت المحكمة مسؤولية الحكومة السورية عن وفاة كولفين، التي نتجت عن قصف مدفعي في 22 شباط/فبراير 2012 استهدف مركزًا إعلاميًا في حمص.

ومع ذلك، كان هذا الحكم مدنيًا بحتًا، حيث صنّف الجريمة على أنها قتل خارج نطاق القضاء، ولم يتابع المساءلة الجنائية لمسؤولي النظام السوري الكبار، بمن فيهم بشار الأسد.

وأوضح سامر الضيعي، مدير رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، أن “الدعوى الأميركية كانت قضية مدنية انتهت بتعويض مالي. وبطبيعتها، هذا المسار لا يؤدي إلى مساءلة جنائية، ولا يهدف إلى تحديد المسؤولية الفردية أو تفكيك سلسلة القيادة، ولا يسمح قانونيًا بإصدار مذكرات توقيف”.

وأكد الضيعي أن الإجراءات الجارية أمام القضاء الفرنسي تمثل عملية مختلفة جوهريًا: “نحن نتعامل مع تحقيق جنائي في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى أدلة أثبتت النية المتعمدة والتخطيط المسبق، وربطت الاستهداف بهجوم أوسع ومنهجي على مركز إعلامي معروف يضم صحفيين مدنيين أجانب”.

ومنذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية، عمل الضيعي ضمن فريق قانوني على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والتنسيق مع الصحفيين الميدانيين، لتسهيل وصول المراسلين الأجانب إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وأضاف الضيعي: “تمت المباشرة بالقضية بناءً على طلب عائلات الضحايا والصحفية إيديت بوفييه بصفتها طرفًا مدنيًا، وتم تصنيف الوقائع قانونيًا كجريمة حرب”.

وبحسب “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، وهو منظمة حقوقية مقرها باريس: “المسار أصبح الآن أكثر انفتاحًا لمتابعة الإجراءات الجنائية في الولايات المتحدة أيضًا. الخطوة الأساسية قد تكون تسليم بشار الأسد واعتقال المتهمين الآخرين للمحاكمة في فرنسا أو سوريا”.

ومن الناحية القانونية، يحقق إثبات الاستهداف المتعمد للصحفيين المدنيين أثناء نزاع مسلح عناصر جريمة حرب. وعندما يُثبت أن هذه الأفعال تشكل جزءًا من هجوم واسع أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، مع العلم بالسياق الأوسع، يمتد التصنيف القانوني ليشمل جريمة ضد الإنسانية.

وعندما بدأت الرابطة العمل على هذه القضية، كانت الوقائع والمعلومات متفرقة وتفتقر إلى إطار قانوني موحّد. وقد أعاد الفريق القانوني هيكلة الملف، وبنى سلسلة متماسكة للمسؤولية الجنائية، وعزّز عنصر المعرفة المسبقة.

الشاهد الملك

بعد الضربة، أرسلت قوات النظام السوري سيارتي إسعاف عبر “الهلال الأحمر السوري” لتسهيل نقل الصحفية إيديت بوفييه والصحفي بول كونروي إلى لبنان. لكن كلا الصحفيين قرّرا عدم المغادرة مع سيارات الإسعاف بعد أن حذّرهما أحد العاملين في الهلال الأحمر من احتمال اعتقالهما أثناء الطريق أو ما هو أسوأ. وأُجريت عملية جراحية طارئة لبوفييه في الموقع، حسبما أكدت لفريق التحقيق.

لاحقًا، جرت محاولة إجلاء إيديت وزميلها بول كونوري عبر أحد الأنفاق المؤدية خارج حي بابا عمرو، لكن المحاولة باءت بالفشل لأن ايديت كانت محمولة على نقالة طبية داخل النفق، الذي انهار جزء منه بسبب القصف. بينما تمكن بول كونروي من الخروج بنجاح.

في كانون الأول/ديسمبر 2011، قبل عدة أشهر من استهداف المركز الإعلامي، بدأ النظام السوري في تطويق وحصار بابا عمرو عبر ما كان يعرف حينها بـ”قوات الطوق الأمني”. وكانت هذه القوات مزيجًا من وحدات عسكرية نظامية لم تُدرّب خصيصًا على الهجوم البرّي.

تكوّن الطوق من عشرات نقاط التفتيش العسكرية حول الحي، من بينها نقطة تفتيش قرب قرية النقيرة، التي كان يقودها النقيب ربيع حمزة من مرتبات الفوج 64، مع 13 جنديًا مسلحين بأسلحة خفيفة، مكلفين بمنع الدخول والخروج من المنطقة.

عندما فشلت جهود إجلاء الصحفية بوفييه عبر الأنفاق، أصبح الخيار الأخير هو إجلاؤها عبر نقطة التفتيش التي يشرف عليها  النقيب حمزة.

وافق حمزة على المساعدة بشرط أن تبقى هويته مجهولة بالنسبة للصحفية. ونسّق العملية مع أحد الوجهاء المحليين.

في صباح 26 شباط/فبراير 2012، كانت بوفييه جاهزة لمغادرة بابا عمرو، وعبرت عبر النقطة التي كان يحرسها حمزة، حيث مرّت سيارتها عند الساعة 9:00 صباحًا بالتوقيت المحلي.

صورة بالأقمار الصناعية تبين اتجاه المركبة التي نقلت إيديت بوفييه من بابا عمرو إلى نقطة الهروب خارج الطوق الأمني – ماكسار.

استدرك  حمزة خلال حديثه مع  فريق التحقيق قائلاً: “رأيت بعض الأشخاص الذين كنت أنسّق معهم داخل السيارة، وكانت إيديت بوفييه تجلس على المقعد الخلفي. كانت ترتدي حجابًا، وقد أُزيلت الجبيرة عنها لتبدو كأنها امرأة سورية عادية. مرّوا تحت خط السكة الحديدية، ومن هناك نُقلت إلى مدينة القصير الحدودية، ثم إلى لبنان، تحت حظر إعلامي صارم”.

بعد وصول بوفييه إلى فرنسا، وانتشار خبر هروبها من بابا عمرو، أطلق النظام السوري تحقيقات داخلية لمعرفة كيفية إجلائها. أُرسل النظام مخبراً (جاسوساً) إلى النقيب ربيع حمزة متظاهرًا بأنه أحد سكان بابا عمرو، وطلب المساعدة، دون أن يشك حمزة في كونه مخبرآ. ومع مرور الوقت واستمرار التواصل وبناء الثقة، اكتشف المخبر أن النقيب ربيع حمزة  والملازم أول قصي الحسين، كانا مسؤولين عن تهريب الصحفية ايديت بوفييه. فتم اعتقالهما مع عدد من زملائهما الضباط. ونُقلوا جميعاً إلى فرع الأمن العسكري في حمص، حيث تم استجواب حمزة حول كيفية مساعدته لبوفييه على الهرب.

 ثم نُقل إلى فرع المخابرات العسكرية 293 في منطقة المزة بدمشق لمزيد من الاستجواب، حيث اعترف بأن بوفييه مرت عبر نقطة التفتيش التي كانت تحت إمرته، لكنه ادعى أنه لم يكن يعلم أنها صحفية.

بعد اعترافه، نُقل حمزة والضباط الآخرون إلى سجن صيدنايا العسكري الشهير. وحُكم عليه بالإعدام بناءً على طلب المدعي العام للمحكمة العسكرية الميدانية الثانية، بتهمة المشاركة في أعمال إرهابية. لكن تم تخفيف الحكم لاحقًا إلى عشر سنوات سجن، بعد جهود وساطة كبيرة، أما الملازم أول قصي الحسين فتوفي في سجن صيدنايا.

في عام 2016 نُقل حمزة  إلى سجن “البولوني” المعروف محليًا باسم “البالونة” في حمص. وفي 24 أيلول/سبتمبر 2019، أُفرج عنه ونُقل لاحقًا إلى فرنسا، حيث يقيم الآن.

وقال سامر الضيعي، مدير رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار: “بعد خروجه من المُعتقل، أصبح حمزة الشاهد الرئيسي في القضية المقدمة أمام محكمة جرائم الحرب في باريس”.


  • تم إعداد هذا التحقيق بدعم من منظمة مراسلون بلا حدود (RSF).
  • التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.
  •  تم نشر نسخة من هذا التحقيق باللغة الفرنسية، واللغة الإنكليزية على موقع “مراسلون بلا حدود”.

اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات