في خريف عام 2025، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، عاد عبد الهادي أبو حرب إلى مدينته داريا في غوطة دمشق للمرة الأولى منذ أن أُجبر على مغادرتها عام 2012 تحت وابل قصف الطيران المروحي بالبراميل المتفجرة.وقف طويلًا أمام جدارٍ متفحّم كان يومًا جزءًا من منزله. مرّر يده على الحجارة، بحث عن أثر لونٍ يتذكّره، عن علامةٍ تؤكد أن هذا المكان كان بيته ذات يوم. لكن ما تغيّر لم يكن الزمن وحده، الشوارع بُدّلت أسماؤها، والبيوت غيّرت سكّانها، والملكية — التي بدت يومًا حقًا بديهيًا — أصبحت محل نزاع.
كان أبو حرب يحتفظ قبل النزوح بعقود الشراء ووثائق الملكية بعناية. المنزل الأول اشتراه عام 2010 بعد سنوات من العمل والغربة، وسدّد ثمنه نقدًا. أما المنزل الثاني، فكان بيت العائلة الذي ورثه عن والده، وبقيت أوراقه محفوظة حتى بعد التهجير.لكن عند عودته، اكتشف أن المنزل الأول قد رُمِّم وسكنه غرباء، بعدما “بيع” خلال سنوات غيابه عبر وسيط توفي لاحقًا، ما أدى إلى انقطاع السلسلة القانونية للملكية. أما منزل العائلة، فقد احترق خلال سنوات الحصار، ثم أُعيد ترميمه وبيع أكثر من مرة بعقود مزوّرة.
يقول أبو حرب: “خسرنا البيت ثلاث مرات. أول مرة لما طلعنا تحت القصف. ثاني مرة لما احترق. وثالث مرة لما لقيناه بيد ناس غيرنا. كأنك تخسر الذاكرة نفسها… مو بس الجدران”.
قصة عبد الهادي، تكشف عن أزمة أوسع يعيشها آلاف السوريين الذين عادوا بعد سقوط النظام، ليكتشفوا أن الطريق إلى منازلهم لا تعيقها الأنقاض وحدها، بل شبكة معقّدة من القوانين، والسجلات المفقودة، وعمليات البيع والتزوير التي استثمرت الغياب القسري خلال سنوات الحرب.
في هذا التحقيق الاستقصائي، نتتبع عبر مقابلات شخصية، وتحليل وثائق الملكيات العقارية والشكاوي، ومراجعة القوانين والقرارات الحكومية، كيف ساهم فقدان الوثائق ومستندات الملكية خلال سنوات الحرب في منع آلاف السوريين اليوم من الانتفاع بمنازلهم، بسبب عجزهم عن إثبات ملكية منازلهم، والتي في غالب الأحيان تملّكها غرباء خلال فترات غيابهم، وتم تغيير الملكية أو تم غصب العقار بسبب خلوه من السكان.
تتضاعف هذه المعاناة في مناطق السكن العشوائي في دمشق وريفها، حيث أُجريت غالبية عمليات البيع والشراء والتنازل خارج الدوائر الرسمية، بعقود عرفية غير مسجّلة في المحاكم العقارية، لغياب سندات الملكية الرسمية المعروفة بـ«الطابو الأخضر»، وكذلك في المناطق الخاضعة للتنظيم العمراني التي فُرضت عليها قوانين تنظيمية معقّدة.
ومن خلال مقابلات مع عائلات من مناطق مختلفة في دمشق وريفها، يكشف التحقيق كيف تحوّل إثبات ملكية المنزل — الذي كان يومًا من أبسط الحقوق الأساسية — إلى واحدة من أعقد المعارك القانونية والإنسانية في سوريا اليوم، خصوصًا في الأحياء التي تعرّضت للتدمير الممنهج خلال سنوات الحرب.
يوضح القاضي المتخصص في الشأن العقاري وحقوق الملكية، أنور مجني، أن المشكلة لا تكمن فقط في فقدان الوثائق، بل في تشابك الإطار القانوني نفسه: “يوجد في سوريا نحو 200 قانون لها علاقة بالقضية العقارية، وبعضها متعارض. هذه التركة الثقيلة تجعل إيجاد حلول شاملة أمرًا بالغ الصعوبة، ونحن بحاجة إلى قانون عقاري موحّد”.
العودة بلا أوراق: معركة الملكية بعد سقوط النظام
مع بدء موجات العودة إلى مدن دمشق وريفها ومناطق أخرى من البلاد، تبيّن أن فقدان المسكن لا يرتبط فقط بالدمار الواسع، بل بعجز كثر من العائدين عن إثبات ملكيتهم القانونية لمنازلهم.
فقدان الوثائق الرسمية، احتراق السجلات العقارية، غياب السجلات الوراثية الدقيقة، واستمرار العمل بقوانين أُقرت في ذروة الحرب من نظام الأسد، كلها عوامل حوّلت إثبات الملكية إلى مسار قضائي طويل، مُكلف، وغالبًا بلا نتيجة.
يقول الخبير القانوني مالك العودة: “المشكلة الأساسية اليوم تتعلق بفقدان الثبوتيات العقارية. آلاف الوثائق الأصلية تعرضت للتلف أو الحرق أو السرقة أو التزوير. في حال غياب الأدلة الكتابية، لا يبقى أمام المالك سوى القضاء، وهو مسار مرهق وبطيء”.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أصدرت وزارة العدل تعميمًا إلى رؤساء القصور العدلية في المحافظات، حدّدت فيه آليات ترميم سجلات بعض دوائر الكتّاب بالعدل التي تعرضت للتلف أو الضياع. واشترط التعميم لقبول أي طلب ترميم أو إيداع، وجود نسخة أصلية مصدّقة “طبق الأصل” عن الوثيقة المفقودة. وفي حال عدم توافر هذه النسخة، يُرفض الطلب، ويُحال صاحبه إلى القضاء للمطالبة بحقه.
غير أن هذه الشروط بدت، بالنسبة الى كثر من العائدين، شبه مستحيلة التحقيق، خصوصًا في المناطق التي دُمّرت فيها المحاكم أو احترقت سجلاتها بالكامل.


ترى معاونة مدير التشريع والتسجيل العقاري، في مديرية المصالح العقارية بدمشق، فلورا ديوب، أن قضية عبدالهادي أبو حرب، قابلة للحل فور استرجاع نسخة الطابو من السجل العقاري، إذ إن العقود المزوّرة المذكورة غالباً ما قد تمت خارج السجلات الرسمية، وبذلك تعتبر بلا قيمة قانونية. من خلال المعلومات المعروضة يبدو أن أبا حرب لا يحتاج حتى تدخل المحكمة لحل قضيته، فهي قضية سهلة وواضحة.
بيوت بيعت في الظل: التزوير واستثمار الغياب
لم يقتصر فقدان الملكيات على الوثائق المحترقة أو السجلات المفقودة، بل تفاقم بفعل عمليات بيع وتزوير حصلت خلال سنوات الغياب القسري. في حالة عبد الهادي أبو حرب، لم يكن المنزل “مغتصبًا” فحسب، بل تم أيضاً تداوله بعقود بيع عبر وسطاء توفوا لاحقًا، ما قطع سلسلة الإثبات القانونية. أما منزل العائلة، فبيع مراراً بمحاضر مزوّرة.
تشرح المحامية والخبيرة القانونية، هند الصالح، أن هذا الفراغ القانوني فتح الباب أمام شبكات منظمة: “انتشرت شبكات من السماسرة والوسطاء الذين استغلوا غياب أصحاب العقارات، وأعادوا تسجيل البيوت بطرق غير قانونية، أو نقلوا ملكيتها عبر وكالات وعقود إحلال مزوّرة”.
في نيسان/ أبريل عام 2023، كشف تحقيق استقصائي للوحدة السورية للصحافة الاستقصائية، سراج، بالتعاون مع صحيفة الغارديان البريطانية عن وجود أكثر من 20 شبكة أمنية مختصة بتزوير ملكية العقارات في عدد من المدن السورية الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد الساقط.
وأشار التحقيق المشترك، إلى أن عدم توافر سجلات عدلية مركزية يعني عدم وجود بيانات ومعلومات حول حجم السرقات التي تطول العقارات في سوريا، والاستيلاء على منازل السوريين المقيمين خارج البلاد.
وقال مصدر في وزارة العدل السورية لفريق التحقيق إنه سيتم تشكيل محكمة مختصة للتحقيق في عمليات التزوير العام الجاري 2026، والتي حدثت في عهد النظام المخلوع بهدف إعادة الأملاك العقارات لأصحابها الأصليين. وأضاف أن هناك آلاف العقارات والأملاك زُوِّرت ملكيتها وأُجريت عمليات بيوع بطريقة غير قانونية.
يحذّر المهندس مظهر شربجي، النقابي والرئيس السابق لبلدية داريا، من خطورة التزوير المركّب في بعض المناطق: “في بعض الأحياء، قد تجد شخصًا يملك سهمين أو ثلاثة في عقار، لكنه يبيع العقار كاملًا بتزوير عدد الأسهم. هذه الحالات تجعل إثبات الحق لاحقًا شبه مستحيل”.
ومنذ اندلاع ثورة 2011، أصدر نظام بشار الأسد 35 قانونًا تُجيز مصادرة الممتلكات ونزع ملكيتها والاستيلاء عليها. وتتعلق هذه القوانين بمكافحة الإرهاب، والتخطيط العمراني، ومراقبة العشوائيات، وتحصيل الديون، وتطبيق الخدمة العسكرية، والأراضي الزراعية المشاعة، وسجلات الملكية، وتتعلق بشكل رئيسي بممتلكات النازحين والمعارضين السياسيين المزعومين.
في مثل هذه القضايا، يجد العائدون أنفسهم أمام معركة غير متكافئة: وثائقهم الأصلية مفقودة، والسجلات الرسمية إمّا تالفة أو متناقضة، فيما يحمل الطرف الآخر عقودًا “شكلية” تم تمريرها في زمن الفوضى.
قوانين تنتهك حقوق الملكية: تشريعات الحرب كأداة نزعٍ صامت
لم تتكوّن أزمة الملكيات في سوريا من الفوضى وحدها، بل من منظومة تشريعية صيغت خلال سنوات الحرب، واستُخدمت لتوسيع الحجز على أموال المعارضين والمهجّرين، وتسهيل الاستيلاء على ممتلكاتهم، أو بيعها في مزادات لا يعلم بها أصحابها.
منذ مطلع عام 2011، أصدرت حكومة نظام الأسد المخلوع سلسلة من القوانين والمراسيم المتعلقة بحقوق الملكية، شملت الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمعارضين سياسيين أو من اتُّهموا بدعم “الإرهاب”، وهي تهم استُخدمت على نطاق واسع لتجريم الخصوم والناشطين ومناطق كاملة.
إذ ينص قانون “مكافحة الإرهاب” رقم 19 لعام 2012 في مادته (12)، على أنه “في جميع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون تحكم المحكمة بحكم الإدانة بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة وعائداتها والأشياء التي استخدمت أو كانت معدة لاستخدامها في ارتكاب الجريمة”.
وبالنسبة الى حقوقيين تحدّثنا إليهم، لم يكن النص القانوني مجرد عقوبة جنائية، بل بابًا لتوسيع الحجز على الممتلكات في سياق سياسي واسع، يطاول آلاف العائلات التي غادرت البلاد أو نزحت داخليًا، لاسيما وأن المادة (11) من القانون ذاته سمحت “للنائب العام المختص أو لمن يفوضه” قبل صدور أي قرار قضائي نهائي، بأن “يأمر بتجميد الأموال المنقولة وغير المنقولة لكل من يرتكب إحدى الجرائم المتعلقة بتمويل الأعمال الإرهابية أو ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون” بمجرد تقديره الشخصي أن “هناك دلائل كافية على ذلك” بدعوى ضمان حقوق الدولة والمتضررين.
وتم تعزيز هذا التوسع في المصادرة خارج القضاء من خلال المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012، والذي نص على أن “لسلطات الضابطة العدلية في معرض التحقيقات التي تجريها بشأن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، والجرائم الواردة في القانون رقم (19) تاريخ 2/7/2012، أن تطلب خطياً إلى وزير المالية اتخاذ الإجراءات التحفظية اللازمة على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة للمتهم”.
هكذا، وعلى سبيل المثال، كشفت لوائح نشرتها وزارة المالية عن وجود 40 ألف حالة حجز احتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لسوريين في عام 2017، و30 ألفًا في عام 2016، معظمها بسبب ما وصفها النظام بـ “التورط بأعمال إرهابية”.
ويشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته “الجمعية العامة للأمم المتحدة” عام 1948، أحد أبرز المبادئ الدولية التي تحمي حقوق الملكية الفردية، بخاصة في المواد 8 و17 و25 منه، إلى جانب، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان لعام 1969، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة حول الإزاحة الداخلية.
كما يحمي الدستور السوري في مواده 15 و”16 و17 الحق في الملكية الفردية، ويعزز تلك الحماية القانون المدني السوري وقانون التخطيط وتنظيم عمران المدن رقم 23 لعام 2015.
استعادة اللاجئين والنازحين ممتلكاتهم حق قائم بذاته وفقًا لمبادئ بينهيرو التي تبنتها “اللجنة الفرعية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة” عام 2005، إذ تؤكد هذه المبادئ الحق في استعادة الملكيات التي فُقدت تعسفًا، أو أن يتم التعويض عنها بقرار من محكمة مستقلة ونزيهة في حال استحالة الاستعادة على أرض الواقع
في هذا السياق، يحذّر شربجي من أن أزمة الملكيات لا يمكن التعامل معها كملف واحد متجانس، بل إن كل منطقة تحمل قصتها الخاصة، وتعقيداتها المختلفة، خصوصًا المناطق التي شهدت نزوحًا واسعًا ثم عودة جزئية، أو تبدّلًا في الجهات المسيطرة، ما خلق بيئة مثالية لتزوير السجلات واستغلال الثغرات القانونية.
ذرائع التنظيم العمراني… إزالة حي من على الخريطة
إلى جانب القوانين التي استهدفت ممتلكات المعارضين والمهجّرين، لعبت قوانين التنظيم العمراني دورًا إضافيًا في إعادة تشكيل الملكية على الأرض، خصوصًا في المناطق المحيطة بدمشق، حيث فُرضت مشاريع تنظيمية معقّدة، أو تم التعامل مع أحياء كاملة بوصفها “مناطق مخالفة” قابلة للهدم أو إعادة التخطيط.
يرى حقوقيون وخبراء أن من أبرز الإشكاليات هنا القانون رقم 10 لعام 2018، الذي أتاح إحداث مناطق تنظيمية وتحويل الملكيات إلى أسهم ضمن مخطط تنظيمي، مع مهلة محددة لإثبات الملكية. وقد أثار هذا القانون مخاوف واسعة سابقًا من استملاك أملاك النازحين واللاجئين، خصوصًا في ظل انعدام الثقة بالإجراءات في زمن النظام السابق.
كما يبرز القانون رقم 23 لعام 2015 (قانون التخطيط وعمران المدن) الذي ينظم أساليب تهيئة الأراضي للبناء وفق المخطط التنظيمي سواء عن طريق “التقسيم” أو “التنظيم”، وينص على أن الأراضي الداخلة ضمن المنطقة التنظيمية تصبح ملكًا شائعًا بين أصحاب الحقوق فيها بحصص تعادل القيمة المقدرة لعقاراتهم.
لكن على الأرض، وفي مناطق مثل داريا ومحيطها، يشعر السكان بحالة من عدم الإنصاف في مسارات التعويض ومنح البدائل، وبأن الإجراءات تسير ببطء شديد، فيما تتراكم الشروط والمتطلبات الإدارية فوق واقعٍ معقّد أساسًا، يقوم على سجلات ملكية تالفة، وغياب أو فقدان وثائق رسمية.
في مقابلات مع ثماني عائلات التقينا بهم، أشاروا إلى أن هذه الإشكاليات ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تعود جذورها إلى سنوات حكم نظام الأسد حين أُدير ملف الملكيات والتعويضات ضمن منظومة بيروقراطية وأمنية خلّفت فوضى قانونية واسعة. غير أن استمرار العمل بهذه الآليات، من دون إصلاحات جوهرية حتى الآن، يجعل المشكلة تبدو في نظر المتضررين وكأنها فشل راهن، على رغم أنها في الواقع إرث ثقيل ورثته الحكومة الحالية ولم تنجح بعد في تفكيكه.
حيّ الخليج… الدمار ليس المشكلة!
عند مدخل داريا من جهة دمشق، وعلى تماس مباشر مع مطار المزة العسكري، كان حي الخليج — وهو منطقة سكن عشوائي ممتدة حتى تخوم المزة — واحدة من أكثر المناطق التي تعرضت للتدمير الكامل. اليوم تبدو المنطقة “أثرًا بعد عين”: بيوت مُسحت، أنقاض جُرفت، ومعالم حي كامل اختفت من الخريطة.
لا يزال سؤال التعويض مفتوحًا: كيف سيتم تعويض أصحاب البيوت التي هُدمت خلال الأعمال العسكرية؟ وما المرجعية التي ستثبت أصلًا أن بيتًا ما كان موجودًا هنا، إذا كانت الوثائق ضاعت، والسجلات تالفة، والحي نفسه مُحي؟
يقول أبو راشد، أحد سكان داريا الذي عاد لتوه من رحلة لجوء استمرت عشر سنوات في تركيا، إنه تعرّف على مكان بيته من شجرة كبيرة كانت علامة أمام المنزل وبقيت حتى اليوم، فيما عرف رجل آخر موقع منزله من لون بلاط ورخام نادر كان قد كساه حين بناه. كلاهما، مثل كثيرين، عاد ليتأكد من وجود المكان أولًا… قبل أن يبدأ بالسؤال عن الورقة.
محمد أبو مالك، من سكان داريا — حي الخليج تحديدًا — هُجّر مع عائلته عام 2016 إلى إدلب، ثم هاجر إلى أوروبا بحرًا بحثًا عن الأمان والعمل والتعليم لأولاده. بعد سقوط النظام، شعر للمرة الأولى أن العودة قد تصبح ممكنة. يقول: “سنوات وأنا شايل فكرة البيت براسي لأنه بالنسبة إلنا كل الذاكرة المرتبطة بسوريا. قلت خلاص، أخيرًا رح نرجع ونبدأ من جديد. رجعت على داريا وأنا متخيّل إن أصعب شي رح أواجهه هو الدمار بحي الخليج… لكن اكتشفت إن الدمار ليس أكبر مشكلة”.
روي أبو مالك مشاهداته الأولى: الحي صار ركامًا، حتى إن مطار المزة بات يُرى من داريا لأن الخليج “صار على الأرض”. لكن الصدمة الأعمق لم تكن في الركام وحده، بل في ما يعنيه هذا الركام قانونيًا: “البيت مو بس جدران… البيت ورقة. إذا ما معك ورقة، أنت عمليًا ما إلك شي”.
بيت أبو مالك هُدم بالكامل بسبب قربه من مطار المزة العسكري. لم يعد قائمًا، وتحول إلى كتلة من الأنقاض. ولا يملك الرجل اليوم وثيقة تثبت ملكيته. يقول: “من دون ورقة إثبات ملكية رسمي، ما فيني أعمل شي: لا أبنيه، ولا أبيع، ولا حتى أقدّم طلب رسمي للتعويض. كأن البيت صار أثر، وأنا مجرد شخص عم يحاول يثبت إنه كان بيوم من الأيام صاحب هذا البيت”.
تظهر صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي لحق بحي الخليج في داريا ما بين شهري أيار / مايو 2011 وآذار / مارس 2014 – المصدر: Google Earth – Maxar
بحسب محافظة ريف دمشق، فإنه بالنسبة الى الأشخاص الذين فقدوا أوراقهم خلال الحرب، “يتم حاليًا اعتماد طرق عدة لإثبات الملكية تعتمد على القرائن والشهادات من الجوار”. ويؤكد عبد الهادي الحو، المشرف القانوني في المحافظة، أن تثبيت الملكية ليس من اختصاص المحافظة بل المحاكم، وأن دور المحافظة يقتصر على المساعدة ضمن الإجراءات الإدارية المتاحة، بينما تبقى مراجعة القوانين من اختصاص مجلس الشعب.
ويضيف الحو: الإعلان الدستوري ألزم العمل بالقوانين السابقة، ويظن كثيرون أن زيارتهم للمحافظة كفيلة بحل المشكلة، “لكن الأمر ليس كذلك”. وعلى سبيل المثال، تعمل المحافظة حاليًا على إعادة دراسة المخططات التنظيمية والتوسعات التنظيمية وإعادة دراسة المناطق التنظيمية — لكن ذلك كله يحصل ضمن قوانين هي في جوهرها جزء من “تركة” النظام المخلوع.
فخ قانوني
إذا كانت مناطق التنظيم العمراني تخلق أزمة عبر تحويل الملكيات إلى أسهم ومسارات تعويض بطيئة، فإن مناطق السكن العشوائي مثل “حي الخليج” تُنتج أزمة من نوع آخر: ملكية قائمة اجتماعيًا، لكنها ضعيفة قانونيًا.
يشرح شربجي أن الملكيات العقارية في سوريا ليست نوعًا واحدًا: هناك ملكيات مسجلة رسميًا (طابو) وثائقها موجودة، وأخرى منظمة لدى الكاتب بالعدل، ويُفترض أن يكون لها إخراج قيد عقاري. لكن نسبة كبيرة من البيوت مباعة بموجب عقود خارجية أو عرفية غير مسجلة رسميًا، ما يصعّب إثباتها أمام الدولة.
هذه المناطق — التي حصلت فيها عمليات البيع والشراء خارج الدوائر الرسمية — لا يمتلك كثر من سكانها “الطابو الأخضر”، ولا توجد عقود مسجلة في المحاكم العقارية. ومع الحرب، تحولت هذه الثغرة إلى مساحة مثالية للنزاع والتزوير واحتكار الحق.
استجواب قبل العودة… مرور الملكية عبر الأمن
لم تكن معركة استعادة المنزل في سوريا خلال سنوات الحرب مرتبطة فقط بالأوراق والسجلات، بل — في كثير من الحالات — بالأجهزة الأمنية لنظام الأسد المنهار.
في عام 2023، قرر أبو أحمد، أحد سكان حي تشرين في دمشق، العودة للعيش في منزله على رغم الدمار الكبير وانعدام أساسيات الحياة في الحي. غلاء المعيشة وصعوبة تسديد الإيجار في العاصمة دفعاه إلى التفكير بالعودة، لكن الطريق إلى بيته لم يكن مفتوحًا.
علم أبو أحمد من الجيران ومختار الحي أنه لا يمكنه دخول المنطقة أو فتح باب منزله قبل الحصول على موافقة من المخابرات الجوية في حرستا. خضع الرجل لتحقيق أمني شمل تدقيقًا في خلفيته وخلفية أولاده الثلاثة، وسؤالًا عن أي علاقة محتملة لهم بالمعارضة أو بالخدمة العسكرية. بعد ساعات من الاستجواب، سُمح له بالعودة — مقابل دفع رشوة لعناصر الأمن.
لكن الصدمة كانت بانتظاره داخل المنزل، يقول أبو أحمد: “وجدت عائلة تسكن في بيتي”، ويضيف: “قالوا إنهم اشتروه من سمسار عقارات بمبلغ زهيد”.
اشترى أبو أحمد المنزل عام 2010، وهو مؤلف من ثلاث غرف بمساحة نحو 60 مترًا مربعًا، مقابل 250 ألف ليرة سورية (نحو خمسة آلاف دولار حينها). اليوم، لا يملك أي عقد بيع أو وثيقة رسمية تثبت ملكيته، والمنزل يقع في منطقة عشوائية غير منظمة، لا تخضع لسجل عقاري نظامي.
تظهر صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي لحق بحي تشرين ما بين شهري أيلول/ سبتمبر 2012 وأيار/ مايو 2020 – المصدر: Google Earth – Maxar
حاول الرجل استعادة بيته عبر إثبات أنه المالك الفعلي، لكن المسار معقّد: البائع الأصلي توفي عام 2013، ولا توجد سلسلة عقود، ولا طابو، ولا سجل رسمي يمكن الرجوع إليه.
في مثل هذه الحالات، يوضح مظهر شربجي أن القضاء قد يعتمد على قرائن بديلة، مثل فواتير الكهرباء أو عدادات المياه المسجلة باسم الشخص، لأن الحصول على عدّاد يتطلب — نظريًا — كشفًا من البلدية وتثبّتًا من الإقامة الفعلية. لكن حتى هذه الأدلة لا تضمن نتيجة سريعة أو حاسمة.
كيف تُثبت ملكيتك عندما لا تملك إثباتاً؟
عندما تغيب الأدلة الكتابية — الطابو أو عقد البيع المسجل أو حكم قضائي سابق — يصبح القضاء هو المسار الوحيد المتاح. يوضح الخبير القانوني مالك العودة أن القاضي في هذه الحالات يعتمد على ما يُعرف بـ”الأدلة غير الكتابية”، مثل الاستجواب، التحقيق القضائي، سماع الشهود، وأداء اليمين.
“هذه الإجراءات تحتاج وقتًا طويلًا”، يقول العودة، “ولا تضمن دائمًا نتيجة سريعة، ما يحرم المالك مؤقتًا من التصرف بالعقار، سواء بالسكن أو البيع أو الترميم”.
في الواقع، كثر من العائدين يجدون أنفسهم في حالة “تعليق قانوني”: لا هم قادرون على استعادة البيت، ولا على التصرف به، ولا على الحصول على تعويض. ومع طول أمد التقاضي، تتحول المطالبة بالمنزل من حق بديهي إلى عبء نفسي ومادي.
ما هو “الطابو الأخضر”؟
يُعد الطابو الأخضر أقوى أدلة إثبات الملكية العقارية في سوريا. وهو صورة عن الصحيفة العقارية، لا يُمنح إلا مرة واحدة. وفي حال ضياعه يتوجب على المالك طلب “بدل عن ضائع”.
يتضمن السند رقم العقار، ومساحته، وموقعه، واسم المالك، وحصته، وجميع الإشارات المثقلة للعقار، مثل الحجوزات أو الدعاوى أو الرهون.
أرشيف السجل العقاري (الورقي) في مدينة حمص، كانون الأول/ ديسمبر 2025، حصري، سراج.
لكن في مناطق واسعة دُمّرت فيها دوائر الطابو نفسها، أصبح هذا السند — الذي يفترض أن يكون ضمانة — وثيقة مفقودة لا يمكن استعادتها بسهولة.
داخل القصر العدلي في دمشق، حيث زار فريق التحقيق دوائر الكاتب بالعدل والمحاكم، بدا المشهد مكثّفًا ودالًا: طوابير طويلة، ملفات مهترئة، ومواطنون يتنقّلون بين المكاتب بحثًا عن استشارة قانونية، أو عن خيطٍ إجرائي قد يعيد إليهم جزءًا مما فقدوه.
مَن التقيناهم كانوا في غالبيتهم من العائدين حديثًا بعد سقوط النظام، ويواجهون واقعًا متكررًا: سجلات ملكية مفقودة أو تالفة، منازل يسكنها غرباء، وأطر قانونية لا تزال تعمل بمنطق استثنائي تشكّل خلال سنوات الحرب. واقعٌ يعكس فجوة عميقة بين ما ينتظره الناس من العدالة، وما تسمح به البنية القانونية الموروثة حتى الآن.

ملايين المتضررين من الدمار
لا تتوقف أزمة الملكيات عند قصص فردية، بل تمتد إلى نطاق وطني واسع.
وفقًا لمساعد الأمين العام ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري، كان في سوريا قبل الحرب نحو 5.5 مليون منزل. من بينها، 328 ألف منزل دُمرت بالكامل، ما يعني أن منزلًا من كل ثلاثة منازل تعرّض للتدمير أو الضرر الجزئي.
ويعني ذلك أن نحو 5.7 مليون شخص يحتاجون اليوم إلى دعم سكني مباشر: إما لأنهم بلا مأوى، أو في منازل غير قابلة للسكن، أو مهددون بفقدان ممتلكاتهم نتيجة غياب الوثائق وتعقيدات الملكية.
أما بحسب معتصم السيوفي، المدير في منظمة “اليوم التالي”، فإن المشكلة تتجاوز الدمار إلى بنية قانونية معقّدة: “لدينا نسبة مساكن مخالفة للتنظيم تصل إلى 60 في المئة من السكن السوري.
كثير من هذه البيوت مُدّ بالماء والكهرباء في ثمانينات القرن الماضي بسبب الفساد، ثم جاءت الحرب والتهجير ليعقّدا المشهد أكثر، فضلًا عن وجود مشاكل قديمة مثل الفروغ والاستملاكات التي تعود إلى ستينات القرن الماضي”.
وبحسب السيوفي، فإن ما ظهر بعد سقوط النظام ليس إلا “رأس جبل الجليد”، بينما الأزمة الحقيقية أعمق وأكثر تشابكًا.
الدمار في حي الخليج في داريا، أيار/ مايو 2025، حصري، سراج.

إرث النهب المنهجي… الفرقة الرابعة وما بعدها
في شباط/ فبراير 2025، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سوريا تقريرًا بعنوان: “النهب والسلب: الاستيلاء غير القانوني وتدمير ممتلكات اللاجئين والنازحين داخليًا في سوريا”.
وثّق التقرير، المعتمد على صور أقمار صناعية وشهادات مباشرة ومواد مصوّرة، عمليات نهب وتدمير ممنهجة لمنازل المدنيين على مدى 13 عامًا. وخلص إلى أن هذا النهب — الذي ارتبط في كثير من الحالات بتشكيلات عسكرية وأمنية، من بينها الفرقة الرابعة — يشكّل أحد أبرز العوائق أمام عودة ملايين اللاجئين والنازحين بعد سقوط النظام.
ووفق التقرير، فإن المناطق الأكثر تضررًا هي تلك التي تبدّلت السيطرة عليها بين عامي 2016 و2020، إذ تم التعامل مع الممتلكات بوصفها “غنائم” أو أدوات عقاب جماعي.
بيتٌ ينتظر ورقة… وعودة بلا ضمانات
في مواجهة هذا المشهد، تتحدث وزارة العدل عن خطوات لمعالجة الظاهرة. مصدر في الوزارة — رفض الكشف عن اسمه — قال إن النيابة العامة والجهات القضائية المختصة تتابع قضايا الاستيلاء غير المشروع على العقارات، ولا سيما العائدة الى مهجرين قسرًا، “وفق القوانين النافذة وبإجراءات تضمن العدالة والشفافية”.
وبحسب المصدر، تم تخصيص محاكم ودوائر قضائية متخصصة للنظر في قضايا تزوير ملكيات العقارات وفقدان المستندات، بهدف تسريع البت فيها وتوحيد الاجتهاد القضائي، مع العمل على تبسيط الإجراءات وتقليص المدد الزمنية.
لكن خبراء وحقوقيين يرون أن هذه الخطوات، على رغم أهميتها، غير كافية من دون قرارات أكثر جرأة.
يقترح السيوفي تطوير وسائل إثبات الملكية، وعدم الاكتفاء بالأدوات التقليدية، عبر اعتماد شهادات مجتمعية موسعة، أو إنشاء جهة مرجعية فنية تضع معايير واضحة لكل منطقة على حدة.
ويؤكد مالك العودة، ضرورة إيجاد حلول انتقالية، مثل منح قيود ملكية مؤقتة لمدة خمس أو عشر سنوات، تحفظ حقوق الناس إلى حين تسوية أوضاع السجلات، مؤكداً أنه “من دون صيغ قانونية بديلة وجريئة ستبقى آلاف العائلات عالقة خارج بيوتها، حتى بعد عودتها”.
بالنسبة الى عبد الهادي أبو حرب، ومحمد أبو مالك، وأبو أحمد، و غيرهم، لا تزال العودة ناقصة.
البيت موجود — أو كان موجودًا — لكن الورقة غائبة. ومع غيابها، تتحول الذاكرة إلى نزاع، والانتماء إلى ملف، والحق إلى مسار قضائي طويل.
في سوريا ما بعد سقوط النظام، لم تعد العودة إلى المنزل فعلًا بسيطًا. إنها معركة قانونية واجتماعية ونفسية، تهدد بإعادة إنتاج التهجير بصيغة صامتة، هذه المرة باسم القانون.
- أنجز هذا التحقيق بدعم من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، ونُشرت نسخة منه على موقع درج.
- شارك في البحث والإعداد: مودة كلاّس.
- التنسيق الإبداعي والحلول البصرية: رضوان عواد.