الموقع قيد التطوير

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit

حلم أن تكون قبطاناً في سوريا… سمسرة ونصب واحتيال

دفعت عائلة الشاب السوري محمد (اسم مستعار) مبلغ عشرة آلاف دولار أميركي، لقاء سنوات دراسة ابنها في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، التي يقع […]
من قبل: تحقيق: مودّة بحّاح
مع: DARAJ
أخبرنا بفكرة تحقيق

دفعت عائلة الشاب السوري محمد (اسم مستعار) مبلغ عشرة آلاف دولار أميركي، لقاء سنوات دراسة ابنها في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، التي يقع مقرها في مدينة الإسكندرية المصرية. كانت العائلة تأمل بأن تُهيئ ابنها الشاب ليكون بحّاراً يتقاضى أجوراً مرتفعة تعوض سنوات الدراسة والاغتراب، ولكنَّها تعرّضت لصدمة عندما وقع ابنها ضحية لعملية احتيال أفشلت حلمه بالإبحار للمرّة الأولى.

تاريخياً، كان العمل البحري (العمل على متن السفن) في سوريا يقتصر بشكل رئيسي على سكان المناطق الساحلية، وعلى رأس هؤلاء العاملين أبناء جزيرة أرواد ومدينة طرطوس. وغالباً ما كان الأفراد العاملون في هذا القطاع يتوارثون هذه المهنة من جيل إلى آخر في أسرهم.

لكن منذ 2011، شهدت هذه المهنة تصاعداً في المنافسة على فرص العمل، إذ أصبحت الوظائف مغرية بسبب الرواتب المجزية التي تقدم في العمل البحري مقارنة بالأجور المحلية بالليرة السورية المتهاوية. إذ يمكن أن تصل الرواتب في البحر إلى مئات الدولارات بالنسبة الى السوريين والآلاف في الشركات العالمية.

بالتوازي، انخفض عدد السفن التي ترفع الأعلام السورية من 350 سفينة إلى ثلاث سفن حكومية فقط، إذ اتجهت غالبية الشركات الخاصة إلى رفع أعلام دول أخرى لتجنّب العقوبات على سوريا، حتّى أن البعض منها غادر مقرّه في سوريا، ما جعل مهمّة العثور على فرصة عمل بالنسبة الى البحّارة السوريين الجدد أكثر صعوبةً.

تخرّج محمد في الأكاديمية في 2022 بصفة طالب ضابط، أو ما يُعرف بلقب “كاديت”، بعدما أتم عامين أكاديميين، وعليه الآن أن يمضي في البحر خدمة لمدة سنة واحدة على أي سفينة تجارية في العالم، ومن ثم العودة إلى الإسكندرية لدراسة سنة إضافية مقسّمة إلى جزأين، ستة أشهر دورة لنيل لقب ضابط ثانٍ، وبقية السنة هي بكالوريوس في العلوم البحرية.

لكن من دون السماسرة، لن يتمكّن محمد، وغيره من الشبّان، من خوض أول سفر بحري، وهو ما يمثّل التحدّي الأصعب لخريجي الأكاديميات البحرية الجدد، على ما أكّد عشرة طلّاب في الأكاديميات البحرية حديثي التخرّج، إضافةً الى أشخاص يسعون الى الدخول في مجال النقل البحري. بل أكثر من ذلك، فإن السمسار قد يؤمن للحالمين الجدد بالسفر ختماً على الجواز على أنهم أبحروا لمدة عام ومارسوا كل المهام المطلوبة منهم، باعتبار أن طلاب الأكاديميات يدرسون لمدة سنتين دراسة نظرية وسنة إلزامية عملية يجب إمضاؤها على ظهر السفينة لنيل شهادة التخرج.

وبينما نجح بعض من قابلناهم بالإبحار للمرّة الأولى عن طريق سماسرة بعدما دفعوا لهم مبالغ كبيرة، تعرّض آخرون لعمليات احتيال، إذ دفعوا مبالغ طائلة لأشخاص ادّعوا أنّهم سماسرة يعملون مع شركات نقل بحري، ثم اختفوا بعد الحصول على الأموال من البحارة الجدد.

يحصل هذا في ظل عجز نقابة البحارة والعاملين في أعالي البحار السورية، والمؤسَّسة حديثاً، ومقرها مدينة اللاذقية، عن التحرك ومواجهة ظاهرة السمسرة كما يعترف رئيسها محي الدين طعمة لمعدي التحقيق.

تتعاظم هذه المكاسب بالاحتيال في ظل عجز الضحايا عن مواجهة المحتالين من السماسرة، والذين يعملون في السر وبأسماء وهمية، في أروقة القضاء السوري، لعدم وجود نص قانوني يجرم مهنة السمسرة قانونياً، على عكس الاحتيال الذي تجرمه المادة 641 من قانون العقوبات، حسب محامٍ سوري يراقب هذه الظاهرة عن كثب. تتعمق المأساة عندما يسلم الضحايا سلفاً بأن رفع مثل هذه الدعاوى ضد السماسرة المحتالين سيكون خاسراً لأن السمسرة أولاً غير مجرمة، وهي مهنة معروفة ويمارسها كثير من الأشخاص.

في أحد مقاهي طرطوس، تحدثنا إلى محمد (اسم وهمي) الذي ينحدر من المدينة، يقول: “في أي مهنة في العالم، يوجد أشخاص مبتدئون يستحقون فرصتهم الأولى، لكن في العمل البحري في سوريا، لا يعترفون بهذا الأمر، يريدون منك أن تملك خبرة من دون منحك فرصة، أو أن تدفع كل ما تملك كي تنال هذه الفرصة”.

تكمن صعوبة دخول هذا القطاع في المنافسة الحادة بين الشبان الراغبين في دخوله، فهو بمثابة طوق نجاة لهم أمام الكثير من الظروف من ناحية الرواتب، ومن ناحية أخرى يسعى الكثيرون الى جمع آلاف الدولارات لدفع بدل الخدمة العسكرية في الجيش السوري التي تتراوح بين 7 – 10 آلاف دولار أميركي، مع شرط البقاء خارج سوريا لسنوات عدة، فيما يحاول آخرون استغلال فرص السفر التي يوفّرها العمل البحري للجوء إلى أوروبا عبر الموانئ الأوروبية التي ترسو فيها السفن التي يعملون عليها، وفي المقابل يتخوف أصحاب السفن من الأشخاص الجدد بسبب ضعف خبرتهم وعدم الثقة بالتزامهم.

يشرح عامل في اللاذقية متخصص في مجال “تطقيم السفن”، السبب وراء انتشار السمسرة في العمل البحري قائلًا: ” كثرة الطلب على السفر من الشباب سواء خريجي الأكاديميات البحرية أو الراغبين في العمل كبحارة أو مساعدي طباخ وغيرها من المهن، فالجميع يريد السفر لتأمين بدل خدمة العلم أو تقاضي رواتب بالعملة الصعبة، وأحياناً للهروب إلى أوروبا، وهنا الطامة الكبرى”.

يملك الراغبون في العمل بالبحر في سوريا خيارين لخوض هذه التجربة، إما العمل لمدة 36 شهراً متواصلة على متن سفينة، يتخللها دورات تأهيلية، أو الدراسة في الأكاديميات البحرية على مدى عامين، وتتوافر في سوريا اثنتان فقط، بالإضافة الى بعض الأكاديميات العربية في سوريا وبعض المعاهد كما يوضح قبطان سوري لم يكشف عن اسمه لأسباب تتعلّق بخصوصية عمله، وكما ورد على موقع الأكاديمية البحرية السورية.

يوضح القبطان أن غالبية الشركات المالكة للسفن، والتي تعلن دورياً عن طلبات توظيف خريجين جدد، لا تملك مقرات في سوريا، إذ أقامت لها مقرات في الخارج، وهي (السفن) ترفع أعلاماً غير سورية بسبب العقوبات المفروضة على البلاد، ما يجعل حركتها صعبة ويعيق دخولها الى الكثير من الدول لو رفعت علم سوريا، وبالتالي لا يمكن فرض أي شروط توظيف على هذه الشركات كونها تُعامل معاملة الشركات الأجنبية، في حين لم تتجه الأكاديميات الى عقد أي تعاون مع شركات النقل البحري لمنح الخريجين فرصتهم الأولى، لعدم تعاون الشركات.

بيع أحلام

تنتشر على “فيسبوك” عشرات الإعلانات عن فرص في العمل البحري في سوريا، غالبيتها مقابل مبالغ “سمسرة” (تذكر صراحة أو بعد التواصل عبر برنامج الدردشة الشهير واتسآب غالباً)، وتطلب هذه الإعلانات المكتوبة بلغة عربية ركيكة، دفع مبالغ مالية “مرتفعة” لقاء تأمين هذه الفرص.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، قرأ الشاب حيدر “اسم مستعار”، المنحدر من مدينة جبلة، إعلانًا يطلبون فيه ثلاثة “بحّارة” براتب شهري 500 دولار أميركي (نحو 6.7 مليون ليرة سورية) مقابل سمسرة تبلغ ألفي دولار. تواصل الشاب مع صاحب الإعلان، الذي كان يملك رقماً أجنبياً، واتفقا على اللقاء في أحد مقاهي مدينة طرطوس.

في المقهى، اجتمع حيدر مع شبانٍ مثله ينوون السفر، وشرح لهم السمسار بداية تفاصيل السفر والشركة، ووقّعوا عقداً باسم شركة لبنانية. يقول حيدر: “في الجلسة، كان هناك شخصان ادعيا أنهما سبق وسافرا مع السمسار، وأن السفر معه مضمون وأنهم يتفقون معه الآن على سفرة جديدة”.

انطلت الحيلة على حيدر الذي تفاءل حينما حصل على تذاكر طيران من دمشق إلى بيروت، كما حصل على تأشيرة قبرصية لكون السفينة ستنطلق من قبرص حسب ادعاء السمسار، إذ كانت الخطة انتقال حيدر من سوريا إلى لبنان ومنها إلى قبرص لاستلام عمله، كما أعطى السمسار حيدر رقم وكيل ليستقبلهم في مطار بيروت، وبعدما تأكّد حيدر من صحة حجز الطيران من شركة الطيران سدد المبلغ للسمسار (2000 دولار أميركي).

وفي يوم السفر المنتظر، تواصل الوكيل مع حيدر من رقم أجنبي من تركيا، وأخبره أن السمسار توفي، وبالتالي سيتأجل السفر لحين حلّ الظرف الطارئ.

بعد أيام عدة، اكتشف حيدر الخديعة التي تعرض لها كما يقول، انقطعت أخبار الوكيل واكتشف أن السمسار ما زال على قيد الحياة، وأن كل ما عرفه بعد البحث أن اسمه وهمي وكانت لديه صفحة على “فيسبوك” ينشر فيه إعلانات لفرص عمل في البحر، كما أنّه يتردّد إلى مقهى بامبا في طرطوس.

هذه الخدعة كلفت حيدر عشرة ملايين ليرة سورية (2000 دولار في حينها) حصل عليها بالدين، مقابل سندات أمانة ما زال يسددها حتى اليوم، ولا يملك أي إثبات ضد السمسار سوى ورقة هي أشبه بسند الأمانة، لكنها موقّعة باسم وهمي.

يُخبرنا مصدر يعمل في مجال الخدمات البحرية، أن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على الشخص الذي يقبل بدفع هذا المبلغ، موضحاً أنَّ هؤلاء هم من خربوا السوق لأنهم حرموا غيرهم ممن يملكون خبرة من الحصول على الفرصة ولا يملكون المال الكافي، كما أنهم شجعوا السمسارة على مزيد من الطمع. فحين يطلب منه أحدهم تأمين سفرة له ويعرض عليه آلاف الدولارات سيقبل مباشرة وسيعتمدها كسعر لخدماته مع بقية الأشخاص.

ونوه إلى أن غالبية أصحاب السفن يستعينون ببحارة من الجنسيتين الهندية والمصرية، لأنهم يدفعون عمولة عالية للحصول على فترة التدريب ويقبلون براتب قليل يتراوح بين 200 و 300 دولار… والأمر ذاته ينطبق على طلاب الأكاديميات البحرية في سوريا، لافتاً إلى أن معظم موظفي الشركات المسؤولين عن التطقيم (طواقم السفن) يتعاملون مع سمسار بشكل ملتوِ.

يضيف : “هذه التجارة أقذر من تجارة الأعضاء لأنها تتحكم بمصير البشر. يأخذ بعضهم العمولة، وبعد سفر الشاب يطردونه من العمل بحجة عدم الأهلية، ولكن في الحقيقة هم يريدون عمولة جديدة”.

طاولة وعملاء سابقون

قصة حيدر لا تختلف عن قصة مصطفى، فهو الآخر كان ضحية السمسار نفسه، ويصطاد ضحاياه عبر “فيسبوك” بعد نشر إعلانات فرص عمل في السفن.

تواصل معه مصطفى، والتقيا بمقهى في طرطوس بحضور شبان آخرين، من بينهما الشابان اللذان تشاركا الطاولة مع حيدر وادعيا أنهما عميلان سابقان.

خلال الجلسة، تحدث السمسار عن الرحلة والشركة التي سيعمل مصطفى معها، ووقعوا عقوداً مع شركة لبنانية أيضاً، وقال سنسافر من طرطوس إلى لبنان ومنها إلى قبرص اليونانية، وأكد أنه لن يستلم النقود إلا بعد حصولنا على بطاقات الطائرة والتأشيرة.

تعرض مصطفى للخديعة ذاتها، استلم الأوراق المتفق عليها، وتأكد من حجز الطائرة، يقول: “المشكلة أن أسلوبه كان مقنعاً، وشعرت بأنه من المستحيل أن يكون محتالاً، لأنه جعلنا نتحدث مع الوكيل الموجود في لبنان، ونبهنا الى ضرورة الالتزام بالعمل وعدم الهروب، واشترط عليَّ حلاقة ذقني لأنني سأعمل في المطبخ”.

تكرر السيناريو، إذ توفي السمسار يوم السفر، والوكيل اختفى والمقهى الذي اعتاد الجلوس فيه في طرطوس أكد أنه لم يره منذ فترة طويلة. حاول مصطفى استعادة أمواله بشتّى الطرق (1500 دولار أميركي)، لكونه المعيل لأخوته وكان يحلم بتحسين ظروفه، لكنّه فشل في الحصول على الأموال.

حاولنا التواصل مع السمسار عبر الصفحة التي كان ينشر فيها الفرص، ولكن تم إغلاق الصفحة وفشلت كل الطرق للوصول إليه.

القانون يجرّم الاحتيال

كان بإمكان حيدر ومصطفى رفع قضية ضد هذا السمسار، بحسب ما يقول المحامي والمحكم الدولي محمد عدنان عثمان، مستفيدين من المادة 641 من قانون العقوبات. ويشرح عثمان أنه عند مراجعة هذه المادة “نجد أنها تنطبق تماماً على الأفعال التي قام بها الجاني”.

يضيف: “على المجني عليه تقديم معروض إلى النيابة العامة شارحاً باختصار ما حدث، وذاكراً بالتفصيل أسماء شهود الوقائع المذكورة في المعروض، وما سيشهدون عليه، ولأن الجاني لم يترك وراءه أي دليل مادي، يطلب المجني عليه إحالة معروضه إلى الجهات المختصة لجلبه والتحقيق معه، وإحالته إلى المحكمة المختصة للحكم عليه بالعقوبة المنصوص عليها قانوناً”.

كما باستطاعة الضحية أن يطلب بالتزامن مع ادعائه، الحجز الاحتياطي على أموال المتّهم ضماناً لحقوقه لدى المدعى عليه، حسب المحامي.

حسن علي (اسم مستعار)، لم يعتمد على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وحصل على رقم أحد السماسرة من أصدقائه، ويؤكد أن هذه الأرقام منتشرة بين من يهتم بموضوع البحر وتأمين فرص عمل على ظهر السفينة.

يقول حسن: “لا أعرف اسمه الحقيقي، يقال له “أبو محمد”، هو من جزيرة أرواد، أذكر أنه قصير القامة وممتلئ وذو “كرش”، تواصلت معه واتفقنا على أن يكون الموعد في مقهى بطرطوس، أخذ مني 200 دولار لقاء تأمين شهادة اسمها “بحري قادر” التي يتم الحصول عليها بعد عمل لمدة 24 شهراً، وتأمين سفر لي مع إحدى الشركات.

يضيف: “أخبرني يومها، أن موعد السفر سيكون بعد نحو أسبوع، وطلب مني أن أمر عليه بعد يومين كي أستلم الشهادة، وهو ما حصل بالفعل، ومن ثم قال لي إن رحلتي ستنطلق من لبنان.

وعند اقتراب الموعد المحدد، اتصل حسن به، فكان خطه مقفلاً. والأسوأ كما يقول، أنه اكتشف أن الشهادة مزورة “ولم تعترف بها أي من الشركات حينما حاولت السفر لاحقاً”.

السمسرة غير ممنوعة قانونياً

على مدار الأشهر الفائتة، ما زال الشاب محمد ووالده يحاولان التواصل مع جميع الشركات المتاحة لتأمين فرصة سفر لمحمد، الطالب في الأكاديمية البحرية، ولكنّها حتّى الآن لم يفلحا في ذلك. لجأ الوالد عصام الى البحث عبر صفحات فيسبوك المتخصصة بعرض فرص العمل في البحار، ويستغرب دخول السيدات الى مجال السمسرة، وهنَّ ينافسن الشباب في طلب مبالغ كبيرة.

تلقّى محمد بمساعدة والده عروض سفر بقيمة سمسرة تصل إلى 3000 دولار أميركي، وهو مبلغ لا يستطيع تأمينه، ولا يثق أصلاً بمن سيستلمه من السماسرة.

يستمر والد محمد في بحثه، وهو ينوي السفر من مدينته اللاذقية إلى طرطوس وسؤال الشركات هناك، وهو يخشى من فكرة السماسرة، فهو لا يعرف مع من يتعامل، فقد يأخذون منه مبلغاً كبيراً ومن ثم يختفون، ولا توجد أي جهة يشتكي إليها، لعدم وجود أي إثبات، كما أن هذه المهنة غير ممنوعة قانوناً بحسب ما أكّد المحامي محمد عثمان.

يشرح المحامي عثمان قائلاً، الدعوى ضد السماسرة خاسرة لأن السمسرة أولًا غير مجرمة، وهي مهنة معروفة وكثير من الشباب يمارسونها، وبخاصة في مجال العقارات والسيارات وغيرهما، وثانياً صعوبة إثبات تقاضي سمسرة باهظة، وهي بكل الأحوال تبقى خلافاً مدنياً غير مربوط بأي عقوبة، أما بالنسبة الى التعامل بغير الليرة السورية، فيقول المحامي إن الجرم جناية والعقوبة حدّها الأقصى 7 سنوات سجن.

نقابة وليدة

حملنا الأسئلة لنقابة البحارة والعاملين في أعالي البحار، وهي نقابة حديثة العهد صدر قرار بتأسيسها في أيار/ مايو 2022، وشهدت النور بداية العام الحالي. وفي النقابة، أخبرنا رئيسها محي الدين طعمة، أن نقابتهم تعرضت للمحاربة منذ تأسيسها وتشويه السمعة، رغم أن عمرها نحو الأربعة أشهر، وأهم أسباب المحاربة سعيهم الى محاربة ظاهرة السمسرة.

بحسب طعمة، فإن حل المشكلة يكون بأن تنحصر طلبات التوظيف بالنقابة، بحيث ترشح للشركات الأشخاص الأكفاء، ويقول: “لكن هذا الأمر غير ممكن حالياً، لأن السماسرة لن يتنازلوا عن المبالغ الخيالية التي يتقاضونها، حتى أن بعض الشركات تهدد المنتسبين الى النقابة بعدم منحهم فرصة للعمل على متن سفنهم. ولهذا، حتى اليوم، فإن المسجلين لدينا هم أقل من 300 شخص، في حين توجد 75 ألف جواز سفر بحري صادر في سوريا”.

العلاقات الشخصيّة

يوضح إياد الخليل، الصحافي المتخصص في النقل البحري ومؤسس منصة (Syrianposeidon)، أنه في نظام التوظيف العالمي، تعلن الشركات عن فرص عمل للبحارة بمختلف رتبهم، ويتم التقدم وفق المطلوب، أو تتعاقد الشركة مع مكاتب خاصة لتطقيم السفن، وفي هذه الحالة تدفع الشركة عمولة التوظيف لمكتب التطقيم، من دون تحميل البحار أي تكاليف في الحالتين. ولكن في الدول النامية ومنها سوريا، يعتمد التوظيف على العلاقات الشخصية قائلًا: “لا نملك في سوريا شركات تطقيم بل أفراد، غالبيتهم من السمسارة يحصلون على عمولة توظيف من الشركة ومن البحار، وبشكل مبالغ فيه يعادل أحياناً مرتب شهر كامل، وهذا ظلم”.

ولكن يبدو أن السمسرة ليست المشكلة الوحيدة، فبحسب الخليل أن هناك سماسرة يقومون بالتوظيف بالفعل بعد تقاضي مبالغ كبيرة، لكنْ هناك في المقابل محتالون على الحالمين بسفرهم الأول.

وبالنسبة الى السفر للمرّة الأولى، يقول الخليل: “هي عملية ابتزاز لأن الخريج الجامعي يحتاج الى السفرة الأولى لإتمام تعليمه البحري، لذلك فهو مستعد لدفع الكثير إذا كان يملك، ومن لا يملك يصبح مستقبله مهدداً، ودائماً يتعرض بحار السفرة الأولى للتنمر لأنه لا يعرف شيئاً، وهذا طبيعي، فهو يسافر للمرة الأولى ليتعلم، وهنا يقع ضحية السماسرة الذين لا يرحمونه ويطلبون منه مبالغ تصل إلى 6000 دولار مقابل راتب 300 أو 400 دولار، كما يرفض ربط الأمر بموضوع الهروب إلى أوروبا، لأن عمليات الهروب حصلت حالياً وفي الماضي، وهي ليست جديدة.

وينصح الخليل الراغبين في السفر باكتساب المهارات وثقل معارفهم كي تكون لهم ميزة تنافسية في سوق العمل، ومن غير المنطقي أن يدخل أحد الى هذا المجال من دون أن يمتلك أي خبرة ولا أن يكون دافعه فقط استجداء مشاعر الناس بأنه محتاج ومضطر، لأن التعاطف غير وارد في قضايا البحر، وهنا نتحدث عن عمل صعب يحتاج الى أشخاص قادرين، كما يشدد الخليل على ضرورة تجنب السماسرة حتى لو انتظر طالب العمل وقتاً طويلاً.

مخاوف أصحاب المهنة

يشدّد ناصر الجوني، عضو مجلس إدارة غرفة الملاحة البحرية، ورئيس شعبة ملاك السفن وتشغيلها، على ضرورة إلزام من يعملون بالتطقيم (توفير طواقم عاملة على السفن) بالترخيص لدى المديرية العامة للموانئ، وهي أعلى سلطة بحرية، على أن يقع الإشراف على هذه المكاتب من غرفة الملاحة البحرية، وبرأيه يتعذر حالياً ضبط السماسرة كونهم يعملون بالسر.

ويشرح الجوني، أنه لا يتعاقد عادة إلا مع الأكاديميين وأصحاب الخبرة، ويلجأ الى علاقاته المباشرة مع أبناء المصلحة من دون سمسار إلا في ما ندر، كما يستقدم بحارة من الهند والفيليبين، فهؤلاء رواتبهم متواضعة ولغتهم جيدة.

وعند سؤاله عن ضرورة توفير فرصة للجدد، يقول: “طالما يوجد أصحاب خبرة لماذا على المالك تسفير ناس من دون خبرة؟ هناك شيء اسمه كادت cadet أي قيد التمرين، ويكون راتبه ضئيلاً جداً، أي بحدود 200 دولار”، مؤكداً أنه يستقطب هذه النسبة بحيث تضم سفنه عادة شخصاً أو اثنين جديدين، وهؤلاء يعملون في مطعم الباخرة كمساعد طباخ ويسمى “كمرتو”، أي لا يُوضع في مكان خطير وذي حساسية”.

وسط ذلك كله، انخفضت طموحات الشاب حيدر بعد تعرّضه للاحتيال، من حلمٍ ببحّارٍ محترف يتقاضى رواتب مجزية، إلى صيّاد سمك يعمل لساعاتٍ طويلة على شواطئ مدينة جبلة لتسديد الديون التي تراكمت عليه لدفع مبلغ ألفي دولار أميركي (نحو 26 مليون ليرة سورية) إلى السمسار الذي تبيّن أنّه قام بعملية احتيال في نهاية المطاف.


أنجز هذا التحقيق الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج. إشراف الزميل أحمد حاج حمدو ونُشر في موقع “درج ميديا“.


اترك تعليقًا

التسجيل غير مطلوب



بقيامك بالتعليق فإنك تقبل سياسة الخصوصية

لا يوجد تعليقات