الرئيسية / تحقيقات / “موت مؤجّل” في غوطة دمشق
طفل يتلقى العلاج في مركز دار الرحمة في الغوطة الشرقية - سراج

“موت مؤجّل” في غوطة دمشق

Print Friendly, PDF & Email

 

كتب: علي الابراهيم  وأحمد حاج حمدو

نشر على موقع درج 

يكفكف الطبيب محمد دموعه حزناً، ويجمع ما تبقى على طاولة مكتبه من عقاقير طبية داخل علبة صغيرة في مركز دار الرحمة في الغوطة الشرقية بريف دمشق، ويتحدّث الطبيب الأربعيني عن مئات المصابين بالسرطان الذين كُدّست ملفّاتهم داخل خزانة خشبية في المركز منذ أشهر بانتظار “الفرج”.

للتوّ، وصلت سيدة خمسينية إلى المركز الذي يعتبر الوحيد المتخصص بعلاج مرضى السرطان، ويرافقها طفل لم يكمل عامه الخامس بعد، اسمه سامر، وهو من بين 559 مصاباً في الغوطة وفق إحصائيات المركز، وينتظر جرعات العلاج التي نفذت تماماً، جراء الحصار الذي تفرضه قوات النظام السوري.

تقول الجدّة: “إن والد الطفل مُعتقل منذ نحو ثلاث سنوات، فيما هاجرت والدته إلى مصر، لذلك أبقيته عندي أرعاه”.

وتضيف إنّ سامر “كان يشتكي من ألم في المعدة والأقدام، وخلال محاولة العلاج اكتشف الأطباء أنه مصاب بسرطان الدم، ثم بدأنا علاجه في دار الرحمة، ولكنه اليوم بدون علاج بسبب عدم توفّر الجرعات”.

الطفل سامر يتلقى جرعة علاج في مركز دار الرحمة في الغوطة – سراج

الموت يهدد الجميع

يفرض الحصار على غوطة دمشق التي تضم عشرات القرى والبلدات والمدن، ويقطنها نحو 400 ألف مدني،  وضعاً حرجاً على مرضى السرطان بسبب غياب الاستطباب بشكل شبه كامل، وتدمير منظومة الاستشفاء كلياً.

المنطقة حوصرت لأول مرة بشكلٍ جزئي في تشرين الأول/أكتوبر 2012، ثم أطبق الحصار وشدد في 2013، أي بعد عام تقريباً، حيث تغيّرت الخريطة الميدانية عسكريا ولصالح قوات النظام السوري التي تقدمت من محاور عديدة، ما جعل حياة المئات من المصابين في خطر بسبب توقف إمدادات الأدوية، وسط مناشدة أذرع الأمم المتحدة الطبية والإغاثية التي تتخذ من دمشق مقرا  لها بضرورة السماح بإدخال القوافل الإغاثية والطبية.

من جديد، وفي شباط/فبراير 2017، شنّت قوات النظام السوري والميليشيات المساندة لها هجوماً على حيّي القابون وتشرين في شمال شرق العاصمة دمشق، وسيطرت على جميع الأنفاق التي تربطهما مع الغوطة الشرقية والتي كانت تستخدم في تهريب الأدوية والحاجات الضرورية من مناطق سيطرة النظام إلى مناطق الحصار، فأضحت الغوطة محاصرة تماماً دون أي منفذ، ومقطوعة عن العالم، وذلك منذ 8 أشهر.

هذا الحال دفعمنظمة الصحة العالمية ، لتعرب عن “بالغ قلقها إزاء تدهور الوضع الصحي في الغوطة الشرقية بريف دمشق.. ودعت إلى الوصول الفوري لتقديم المساعدات المنقذة للحياة”.

وأكدت المنظمة أن المستشفيات الحكومية الثلاثة بالإضافة إلى سبعة عشر مركزاً للرعاية الصحية العامة في الغوطة الشرقية لا تعمل ولا يمكن للسكان الوصول إليها. موضحةً أن “المنظمة وشركائها في مجال الصحة قاموا بتخصيص إمدادات إضافية، وهي جاهزة للتسليم حالما يتم منح الإذن بالوصول”، غير أنّ المنظّمة لم تُمنح هذا الإذن.

تقول مديرة مركز دار الرحمة، الطبيبة وسام الرز “في غضون اسبوعين سينفذ كل الدواء، وفي حال استمرَّ الحصار ستكون هناك مجزرة بحق المرضى”.

مركز دار الرحمة لعلاج السرطان – سراج

العلاج أصبح حلماً

لا يقتصر نقص العلاج والاستطباب الذي أصبح “حلماً” وفق توصيف المواطنين على الأطفال فحسب، بل يتعداه إلى السيدات وكبار السنّ والنساء الحوامل، فالشابة العشرينية “سارة” من سكان مدينة دوما، تتلقى العلاج منذ سنة تقريباً في نفس المركز الذي يتلقى فيه العلاج الطفل سامر. هي الآن في مرحلة متقدّمة من العلاج وبدأت تتماثل للشفاء، لكنها حالياً محرومة من الجرعات نتيجة نفاذها من المركز، الأمر الذي أدّى لتفاقم حالتها الصحّية بحسب طبيب متخصص في مركز دار الرحمة.

تدرك سارة أن مصير مرضى السرطان هو الموت “المحتم” وتتابع حديثها بصوت هادىء “نحن مرضى سرطان على الرغم من تأكدنا من مصيرنا المحتوم بالموت يبقى لنا الأمل في العيش بضع سنوات، ولكن حتى هذا الأمل حرمنا الحصار منه”.

تضاف حالة سارة إلى 559 حالة لـ مرضى بالسرطان، جميعهم بانتظار الأدوية بعدما كُدّست ملفّاتهم داخل مركز الرحمة، والآن هذه الملفّات بانتظار قرار الكادر الطبي، الذي لا يملك سوى احتياجات 3% من هؤلاء المرضى كما تقول مديرة المركز وسام الرز.

وعليه، اعتبرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن “حصار الغوطة شكل من أشكال العقوبات الجماعية”. وأكد مدير الشبكة، فضل عبد الغني، أن معظم الوفيات التي نجمت عن الحصار كانت “من الفئات الهشة كالأطفال الرضع، وكبار السن، والمرضى، و جرحى أصيبوا في عمليات القصف المتكرر، ولم توجد أدوية كافية لعلاجهم،كما انعكس الحصار على ذوي الأمراض المزمنة، ولاسيما أمراض السرطان”.

الهروب من أجل العلاج

خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تم تسجيل 20 حالة وفاة لمرضى السرطان في مركز “دار الرحمة”، بما يعادل شخص واحد كل 5 أيام تقريباً، من الذين كانوا يتلقون العلاج ومن ضمنهم أربعة أطفال دون العشرة أشهر، ولم يعد المركز قادراً على تجديد مخزونه من الأدوية الهامة المضادة للسرطان.

ووفق مديرة المركز “مع تناقص الإمدادات، أصبح المركز يقنن رصيده الدوائي المحدود، في حين أنه وفي مرحلة ما قبل الحصار، حقّق المركز نسبة علاج بلغت 37%، وشهد فقط 10% حالات وفاة حتى نهاية 2016”.

وبسبب الحصار “اضطر المركز لتغيير مسار العلاج المتّبع، حيث خفّض كميات الجرعات لبعض المرضى، ما أدّى إلى نتيجة عكسية وتراجع الحالة الصحية لبعضهم الذين كان وضعهم آخذاً بالتحسن”. وفق ممرض متخصص في المركز.

ويقسم علاج السرطان إلى طريقتين، الأولى عبر الجرعات الكيميائية، والثانية عبر العلاج بالإشعاع، ويتم معالجة المريض إما بالعلاج الكيماوي أو بالإشعاع أو بالطريقتين معاً، وذلك حسب نوع المرض وتطوّره، وفقاً لمديرة مركز دار “الرحمة”.

ويؤكد الطاقم الطبي في المركز لمعد التحقيق أنّ المرضى الذين يحتاجون للعلاج بالإشعاع كانوا يخرجون إلى دمشق عبر الأنفاق للحصول على العلاج، الذي يُوجد فقط داخل مشفى الطب النووي في العاصمة دمشق، في حين أن المرضى الذين بحاجة للعلاج بالجرعات الكيماوية كُنّا نؤمّن لهم هذه الجرعات من العاصمة بطرقٍ مختلفة”.

و”أما اليوم وبعد إغلاق الأنفاق، فلم يعد هناك مجالاً لأي من العلاجَين، والمركز اليوم مهدد بالتوقف والإغلاق لا لأسباب مادية، إنما لعدم وجود أدوية كيماوية فيه لعلاج المرضى”.

الأدوية المفقودة

ما يعيق الحصول على الأدوية المفقودة “كلياً” هو “أن إنتاجها وتوريدها إلى سورية محصور بوزارة الصحة السورية التي منعت إدخالها إلى الغوطة، في حين لم تسمح بإخلاء المرضى لـ مشافي العاصمة دمشق حتى اليوم”. وفق عدد من المرضى وعمال الإغاثة في منطقة حرستا ودوما بالغوطة.

يقول الطبيب الميداني، بكر عبد السلام، “منذ إغلاق الأنفاق التي كانت بمثابة شريان إمداد تحت الأرض لنصف مليون إنسان، انقطعت أدوية السرطان واليوم في حال توافرها تكون أسعارها مرتفعة جداً ولا يستطيع المرضى شراؤها على الإطلاق”.  “بعض الأدوية يصل ثمنها إلى أكثر من ألف دولار أميركي، وهو مبلغ يُعدّ خيالياً في الوقت الحالي في الغوطة الشرقية، في حين لا يتجاوز سعره الليرات المعدودة في دمشق”.

أدوية لعلاج السرطان – سراج

علاج في إدلب

في رد وصل إلى معد التحقيق من منظمة الصحة العالمية، لدى سؤالها عن الخطوات التي اتخذتها لإيقاف “الكارثة” التي تتهدد مئات المرضى إن “المنظمة طلبت رسمياً من الحكومة السورية إجلاء المرضى من الغوطة الشرقية، ليتم علاجهم إما في دمشق أو في إدلب اعتمادا على موافقتهم”.

على أن المنظمة العالمية دأبت على تقديم تقرير شهري إلى مجلس الأمن بشأن القيود والصعوبات التي تواجه جهود تقديم المساعدة الصحية والإنسانية إلى المناطق المحاصرة التي يصعب الوصول إليها في عموم سوريا.

وكانت المنظمة وفق بياناتها التي اطلع عليها معد التحقيق، أرسلت 7 أطنان من اللوازم الطبية الإمدادات والأدوية والمعدات واللوازم الطبية من خلال القوافل المشتركة مع وكالات إغاثة أخرى إلى المرافق الصحية في المنطقة المحاصرة، وتم تسليم آخر شحنة في 30 تشرين الأول / أكتوبر 2017.

أما يان إيجلاند، مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا فيقول “إن 400 ألف شخص محاصرون في منطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق ويواجهون “كارثة كاملة” وأن مئات الأشخاص في حاجة لإجلاء طبي عاجل، لافتاً إلى أن سبعة مرضى توفوا لعدم إجلائهم، وأن 29 آخرين على شفا الموت بينهم 18 طفلاً”.
وبخصوص حالات مرضى السرطان  الذين يعيشون تحت التهديد مع قليل من الأمل، فقد “تم إدراج المرضى المصابين بالسرطان في القائمة التي تم تقديمها إلى الحكومة الذين سيتم إجلاؤهم لتلقي العلاج المناسب” وفق منظمة الصحة العالمية.

كرة الثلج تكبر

آخر ضحايا الحصار مات يوم، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، وهو محمد علي عصيدة،  في بلدة حزة في الغوطة الشرقية، بعد تدهور حالته الصحية نتيجة إصابته بمرض سرطان الأمعاء، وعدم توفر الأدوية اللازمة.

هذه الحال كان من المفترض ألا يمر بها سكان الغوطة الشرقية وعموم المدن المحاصرة في سورية، فقد مضى نحو ثلاثة أشهر على إبرام اتفاق إقامة مناطق “خفض التصعيد والتوتر” في الغوطة الشرقية وثلاث مناطق أخرى بين دول ضامنة هي روسيا وإيران وتركيا، ودخل حيز التنفيذ في 18 آب/آغسطس الماضي، حيث ينصّ البند السابع من الاتفاق على أن “يتّخذ الطرفان (المعارضة والنظام) جميع التدابير اللازمة لتحسين الحالة الإنسانية في منطقة خفض التصعيد فوراً وتحقيقاً لهذه الغاية يكفل الطرفان ويسهلان الدخول الفوري لقوافل الإغاثة من الأغذية والأدوية فضلًا عن الاحتياجات الإنسانية الأخرى من خلال نقطتي عبور يسيطر عليها الطرف الأول في عين ترما وحرستا، ويرافق ذلك إجلاء المرضى إلى المستشفيات السورية أو الروسية وفقا لرغباتهم”.

وعليه فإن استمرار إطباق الحصار، يمثّل إخلالاً بأحد البنود الرئيسية في اتفاق “خفض التصعيد”، و”خرقاً” واضحاً لهذا الاتفاق، الذي كان من المفترض أن يخفّف معاناة المدنيين وعلى رأسهم المرضى.

يقول وائل علوان، الناطق باسم “فيلق الرحمن” العامل في الغوطة الشرقية، معلقاً “لم يلتزم النظام السوري وروسيا بالاتفاق، ولا يوجد جدية من قبلهما بالالتزام بهذه البنود، التي من أهمها فتح المعابر الإنسانية”.

واعتبر أن “الاتفاق لا يختلف كثيراً عن الاتفاقات السابقة، التي بشكل كامل لم تُترجم بنودها على الأرض”.

وقد تعذر التواصل مع جهة رسمية سورية لإبداء رأيها بالموضوع.

جرعات أدوية – سراج

نظام موافقة بيروقراطي

فضلاً عن خرق اتفاق “خفض التصعيد” يشكّل حصار المرضى داخل الغوطة، انتهاكاً لقرار مجلس الأمن 2254، الذي جاء في مادته 12 أنّه “على الأطراف أن تتيح فوراً للوكالات الإنسانية إمكانية الوصول السريع والمأمون وغير المعرقل إلى جميع أنحاء سورية ومن خلال أقصر الطرق، وأن تسمح فوراً بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع من هم في حاجة إليها، لا سيما في جميع المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها…”.

غير أن هذا البند لم يُطبّق، لا من جانب النظام السوري الذي من المفترض أن يفتح الطريق للوكالات الإنسانية، ولا من جانب الفريق الدولي لدعم سوريا الذي من المفترض أن يستخدم نفوذه كونه يمثل دول عظمى بالضغط على الطرف المحاصِر لتحقيق هذه الغاية.

لم تكن حالة الحصار هذه هي الأولى من نوعها في سوريا، حيث سبقها حالات مأساوية أدّت إلى وفاة مدنيين في الزبداني ومضايا وداريا وغيرها،  لاعتبارات عديدة أبرزها تحكم قوات النظام السوري بالقوافل الإنسانية، وهذا ما أكدته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها السنوي الذي صدر نهاية عام 2016 بأن “الحكومة السورية استمرت في إلزام وكالات الإغاثة بالدخول في نظام موافقة بيروقراطي للحصول على تصاريح قبل الوصول إلى هذه المناطق”.

واليوم، لا يوجد خيار أمام فرق الأمم المتحدة في دمشق إلا المناشدات بتذليل العقبات، وإصدار تقارير توثق أبشع مشاهد الحصار وحالات الموت اليومي للمرضى والمدنيين، وسط غياب آليات الضغط اللازمة التي نصت عليها القرارات الدولية من قبل الدول المنخرطة في الصراع، في وقت ينتظر فيه 350 ألف شخص مصيرهم المجهول، و 559 مريضاً محاصر ينتظر “موتاً مُؤجلاً”.

  • أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من وحدة التحقيقات الاستقصائية السورية “سراج”

 

شاهد أيضاً

“الدب البُني” الذي قُتل على حدود العراق… هل كان سوريّاً حقاً؟

  كتب: أحمد حاج حمدو خبرٌ موحّد نشرته مؤخراً معظم وسائل الإعلام السورية والعراقية، مفاده …