سوريا: عامان على اغتيال رائد الفارس…القتلة ما زالوا في الظلام!

محمد بسيكيعلي الابراهيمأحمد حاج حمدو

مضى عامان على حادثة الاغتيال، هُدر دم رائد وحمّود، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، إنهم لا يزالون طلقاء.

كانت الساعة تشير إلى منتصف يوم الجمعة، 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، وقت الظهيرة، عندما سمع أشخاص خلال فترة الصلاة أصوات رشقات نارية في بلدة كفرنبل في ريف إدلب، شمال غربي سوريا.

على رغم أنّ أصوات إطلاق النار والقصف أمرٌ اعتيادي هناك، لكن تلك الرشقات تحديداً كانت موجّهة لإنهاء حياة الصحافي والناشط السوري رائد الفارس (46 سنة)، وزميله حمّود جُنيد  (29 سنة)، بعدها صرخ شاب عشريني عند باب المسجد الكبير، “قتلوا رائد… قتلوا رائد وحمود”، فيما نجا من الحادثة مرافقهما في السيارة الشاب العشريني، عليّ الدندوش.

جُنيد الذي يُعرف بلقب “مصور البراميل”، لجرأته في الإسراع إلى المكان الذي تُلقى فيه البراميل المتفجرة من طائرات النظام السوري، ليقوم بتصوير المكان والضحايا عن قُرب، قُتل على الفور.

فيما تم نقل الفارس إلى مستشفى قريب، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة، بعدما أصيب برصاصات عدة، ولم يستطع  الأطباء إنقاذه.

بعد ساعتين تغيّر وجه البلدة بالكامل، وعمّ الحزن أوساط المجتمع السوري المناهض لسلطات الرئيس السوري، بشار الأسد، دُفنت الضحيتان وطويت معهما صفحة اثنين من أكثر الشخصيات تأثيراً في مسار الثورة السورية المستمرة منذ 2011.

وعلى رغم أنّ عملية الاغتيال نُفّذت بثوانٍ قليلة، إلّا أنّ التخطيط لها أخذ وقتاً أطول من ذلك بكثير، حتّى أنّ رائد ذاته استعشر الخطر قبل اغتياله بأسبوع، عندما انفرد بابنه البكر محمود الفارس (24 سنة) ليخبره عن “خطورة التهديدات” التي لاحقته، ويُعلمه مسبقاً بهوية الجهة التي تضع حياته على المحك.

رائد الفارس “مهندس لافتات كفرنبل” الشهيرة والفكاهية

عُرف الفارس خلال مسيرته في الحراك السوري بكونه “مهندس لافتات كفرنبل” الشهيرة والفكاهية، (لافتات تحمل رسوماً وتعابير نقدية توجه رسائل للمجتمع الدولي عن القضية السورية، وبلغات متعددة)، وهو مؤسس برامج راديو “فريش” المحلي، ومدير اتحاد المكاتب الثورية URB، وهو مجموعة من منظمات المجتمع المدني أخذت على عاتقها تنفيذ مشاريع متعلقة بالخدمات الطبية، وعلاج الأطفال، وتمكين المرأة، والتدريب الإعلامي.

في أيار/ مايو 2017، قال الفارس في العاصمة النرويجية، أوسلو، أمام حشد من النرويجيين: “لأن ثورتنا لا تعتمد على المجتمع الدولي، قررنا أن نعمل بأنفسنا كي نتحرر من القتل المستمر الذي يرتكبه الأسد ضدنا فشكلنا منظمة المجتمع المدني، عملنا في التعليم ومنظمات الطفل”.

نجح الجناة في إسكات صوته الذي ارتفع باكراً لمواجهة المنظومة الراديكالية المتنامية في محيطه الإدلبي وعموم سوريا، كان يعي خطورة ما يقدم عليه لكنه لم يتوقف، بل خلَق تغيراً عميقاً في المنطقة، وكان نابضاً بالحيوية للحثّ على المطالبة بالتغيير وإنهاء سلطة الأسد، على ما يقوله مقربون منه، فقد مثّل الفارس تطلعات جيل كامل من الشباب الذين وصلت إليهم رياح التغيير بعد اندلاع الربيع العربي في آذار/ مارس 2011. 

بعد عملية الاغتيال، استمرت الجموع في كفرنبل بالتظاهر للهتاف ضد الأسد وروسيا وإيران، و للتنديد بالتراخي الدولي، لكن من دون رائد الفارس وزميله اللذين أصبحا تحت التراب، بعدما تركا إرثاً وأرشيفاً بين صفحاته مشاريع وأفكار هدفها تعزيز الحريات العامة والديمقراطية والمساواة بين الجنسين، وحماية المدنيين والنازحين. 

في بلدته “العنيدة” في وجه الجهات المتصارعة، كفرنبل، أدار الفارس نشاطه المدني في التنمية والتثقيف، وكان مصرّاً على الاستمرار بالبث الإذاعي من داخل كفرنبل التي تسيطر عليها “جبهة النصرة” التي أصبح اسمها لاحقاً “هيئة تحرير الشام”. 

لقد مضى عامان على حادثة الاغتيال، هُدر دم رائد وحمّود، من دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، إنهم لا يزالون طلقاء يمارسون حياتهم ويعيشون بين أولادهم وأقربائهم، بينما تطمح أسرته المكلومة التي لجأت إلى فرنسا وأولاده الذين فقدوا أباهم، بتحقيق العدالة ولو بعد حين.

على أن الاغتيال مرَّ من دون كشف هوية القاتلين أو مساءلة، نكشف في هذا التحقيق، أبرز المسارات القانونية لمحاسبة الجُناة خلال فترة العدالة الانتقالية، إضافةً إلى الظروف والأسس التي يجب أن تتوافر لتتم هذه العملية على لسان خبراء وحقوقيين تابعوا القضية عن كثب، إلى جانب شهادات وأدلّة جمعتها منظمات حقوقية وأشارت إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه، على رغم نفيها ذلك.

تفعيل المحاسبة وتحقيق العدالة لرائد سيكون سنداً ودرعاً لحماية الصحافيين والنشطاء الآخرين الذين لا يزالون يعملون في إدلب وريفها، وسوريا عموماً وفي بقاع جغرافية أخرى خطيرة حول العالم، بعدما حلت سوريا في المركز الثاني ضمن مؤشر “لجنة حماية الصحافيين” العالمي للإفلات من العقاب لعام 2020، الذي يسلط الضوء على البلدان التي يقتل فيها صحافيون فيما يظل القتلة أحراراً طلقاء.

707 صحافيين قتلوا منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011

وفي تصنيف آخر عالمي لـ”منظمة مراسلون بلا حدود” في 18 نيسان/ ابريل 2019، حول حرية الصحافة لعام 2019 تحت عنوان “آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها”، والذي شمل 180 بلداً جاءت سوريا في المرتبة 174 بعدما صنفتها من بين أكثر الأماكن خطورة على الصحافيين حيث يتسابق النظام السوري والراديكاليون على قمع حرية الصحافة، وقتل الصحافيين. 

كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهي منظمة حقوقية مستقلة، في تقرير لها مقتل 707 صحافيين منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 بينهم 6 سيدات و9 صحافيين أجانب و52 قتلوا تحت التَّعذيب، إضافة إلى إصابة ما لا يقل عن 1563 بجروح متفاوتة، على يد أطراف النزاع.

551 صحافياً، بينهم سيدة و5 أجانب، قتلوا على يد قوات النظام، فيما أودت الغارات الروسية بحياة 22 صحافياً.

كما قُتل خلال الفترة نفسها، 64 صحافيا على يد تنظيم “داعش”، و4 آخرون على يد تنظيم “YPD-PKK”، فيما قتلت مجموعات مسلحة مناهضة للنظام، 33 صحافيا. وأسفرت هجمات التحالف الدولي ضد “داعش”، عن مقتل صحافي، إلى جانب مقتل 32 آخرين بنيران مجهولين.

في حين، شهدت البلاد ما لا يقل عن 1169 حالة اعتقال وخطف بحق صحافيين، ولا يزال نحو 422 (3 سيدات و17 صحافيا أجنبياً) قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري، ما زال النظام السوري يحتجز 353 صحافياً، بينهم سيدتان و4 صحافيين أجانب.

تهديدات ومحاولة اغتيال 

ما أن تعززت سيطرة جبهة النصرة على كفرنبل وعموم إدلب وانتزاعها من قبضة قوات النظام السوري أواخر 2012، حتى بدأت تطاول نشطاء وصحافيين التهديدات والمضايقات ومحاولات تقييد حرية العمل الإعلامي.

 

كفرنبل بعد ٢٠١١
كفرنبل بعد ٢٠١١

في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2014، ضرب عناصر من “جبهة النصرة” طوقاً عسكرياً حول مقر إذاعة “راديو فريش”، من أرتال عسكرية وحافلة كبيرة حاصرت المنطقة.

كان الشاهد علي الدندوش (23 سنة) الذي نجا من محاولة الاغتيال، يعمل في الراديو آنذاك ضمن قسم الصوت (المكساج)، شعر بخوف شديد، ولم يصدق ما يحصل. يقول: “دخل مقاتل قاصر (تحت السن القانونية، 18 سنة) من “جبهة النصرة” إلى المقر، ومعه نسخة من صحيفة رسمت صورة خيالية للرسول محمد، وكان يظن أنّ الصحيفة لنا، ودار حوار بينه وبين بقية المقاتلين معه حول ما إذا كانوا سوف يقتلوننا في مقر الإذاعة أم لا، ولكن عندما قدّمنا أدلّةً لهم بأن لا علاقة لنا بالصحيفة صاحبة الرسوم تركونا وانصرفوا”.

لم ينتهِ الأمر هنا، بل تكرر، في نسخة ثانية من المداهمة لمقر الإذاعة ذاتها، لكن هذه المرة أشد قسوة وبطشاً بالعاملين والمسؤولين هناك وفق الشاهد، وتحديداً في 17 كانون الثاني/ يناير 2015، وانتهت باعتقال الفارس شخصياً. 

يضيف الدندوش شارحاً: “كنا في المكتب الساعة 5:30 فجراً، وفجأة داهم عناصر الهيئة (جبهة النصرة) مقر الإذاعة ودخلوا إليها، ووضعوني أنا ورائد وشخص آخر في إحدى الغرف وأقفلوا علينا الباب، وبينما كنّا محتجزين في الغرفة، كنّا نسمع أصوات تحطيم معدّات البث، وبعد ذلك فتحوا الباب وطلبوا منا الانصراف واعتقلوا رائد”، ثم أطلق سراحه. 

مرة ثالثة، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2016، اعتقل الفارس في مدينة معرة النعمان جنوب إدلب لمدّة 48 ساعة، تعرّض خلالها للتعذيب بطريقة (الشبح) لمدّة 6 ساعات من أجل فتح هاتفه المحمول، ولكنّه رفض حينها إلى أن علم أقاربه بمكانه فقاموا بالضغط على الهيئة للإفراج عنه، على ما يوضح ابنه محمود الفارس.

كان من أسباب اعتقال جبهة النصرة له ما كتبه على “فايسبوك”، مخاطباً “أمة إقرأ”، انتقد فيه العادات والتقاليد داعياً إلى ترسيخ العلم والإنسانية، وهو ما اعتبرته “النصرة” مخالفاً للشرع بحسب ما ورد في نص اتفاق تضمن شروطاً للإفراج عن الفارس ونشر لاحقاً، بعدما أبرم ممهوراً بتوقيع الناشط هادي العبدلله (صديق رائد)، وشخص يدعى أبو خليل كفرنبل، أمير “جبهة النصرة”. 

يقول ابن رائد، محمود: “علمنا بأنّ الاعتقال والمداهمة سببهما أنّ الإذاعة تبثَّ الأغاني والموسيقى وتظهر فيها أصوات مذيعات نساء، وعلى إثر ذلك خرجت تظاهرات في المدينة تطالب بإخلاء سبيل رائد، وتم ذلك بعد تعهّد الصحافي هادي العبد الله بعدم بث الموسيقى مرّة أخرى”.

نص التعهد بين “جبهة النصرة” والناشط هادي العبدالله للإفراج عن فارس

حاول الفارس التكيّف مع التضيقات التي تتنامى شيئا فشيئاً عبر إلغاء بث الأغاني عبر الراديو، واستبدال موسيقى نشرة الأخبار بأصوات زقزقة العصافير، إضافةً إلى تضخيم أصوات المذيعات النساء عبر برامج وتقنيات تحرير الصوت (المكساج)..

وفق المحامي ياسر السليم، المقيم في فرنسا، وصديق رائد الفارس منذ الطفولة، فإن “التهديدات لرائد كانت تأتيه من “جبهة النصرة” مباشرة بسبب الراديو وبث الأغاني، و بسبب الخط العلماني الذي كان يسير عليه”. 

في أيار/ مايو 2018، أعلنت الولايات المتحدة إدراج “هيئة تحرير الشام” في قائمة المنظمات الإرهابية، بعدما غيّرت اسمها من “جبهة النصرة” إلى هيئة تحرير الشام في كانون الثاني 2017، وذلك “بهدف تعزيز موقعها في الحرب السورية وتحقيق أهداف خاصة أخرى في إطار علاقتها بتنظيم القاعدة”. 

قبل سيطرة “تحرير الشام” على كفرنبل، سيطر عليها “تنظيم داعش” لفترة من الوقت في 2014، وخلال وجوده حاول اغتيال رائد، في طريق عودته إلى منزله منتصف الليل، إذ أطلق عناصر التنظيم النار عليه، ما أدّى إلى إصابته بثلاث طلقات، في كتفه وصدره، وانتقل إلى الولايات المتحدة لتلقّي العلاج هناك.

مسار التهديدات والاعتقالات التي تعرّض لها رائد الفارس قبل اغتياله

23 تشرين الثاني/نوفمبر 2018: اغتيال رائد الفارس وحمّود جنيد في كفرنبل 

القتال على جبهتين!

بدأ الفارس نشاطه في كفرنبل من خلال استقطاب شباب من المنطقة، ومن المدن السورية الأخرى، للعمل على إطلاق راديو “فريش”.

لكن مع تصاعد الأحداث على الساحة السورية، واستمرار زخم التظاهرات الشعبية المطالبة بالتغيير، وظهور الفصائل الإسلامية، وجد الفارس نفسه يقاتل على جبهتين في هذه البلدة، محاصراً بين الهجمات العسكرية لقوات نظام الأسد، والتي ثار ضدها أولاً، وتقييد سطوة الجماعات الإسلامية المتشددة التي تتنامى، مثل تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام)، (وجه القاعدة في سورية).

منذ البداية، تحدى الفارس رواية نظام بشار الأسد، في لوحاته وقدرته على التأثير، وسخر من تراخي المجتمع الدولي عن إيقاف المجزرة بحق السوريين، وهو ما جعل همّه الأول مواجهة المنظومة الديكتاتورية المتمثلة بالأسد والمتشددين، دفاعاً عن السكان.

في هذه الأثناء، عزز الفارس نشاطه بالنزول إلى الشوارع والساحات أكثر، وعاد للتشديد من بلدته الجبلية على أن الشعب السوري يعيش بين إرهابيين (النظام السوري والمتطرفين)، وهو ما عبّر عنه في لافتة شهيرة كتب عليها: “الحقيقة هي أن السوريين هم ضحايا شكلين من أشكال الإرهاب. من جانب إرهاب الأسد، ومن جهة أخرى، إرهاب داعش وغيره من المتطرفين”.

ومن اللافتات الشهيرة التي خطّها باللون الأحمر، وحملها بيده، “هناك طرفان متعارضان: الناس الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة، والنظام الذي يحاول سحقهم”.

ارتبط الحراك السلمي لرائد أيضاً براديو “فريش”، وكان أحد الأسباب التي تعرض بسببها للتهديدات بالقتل، سلوكه نهجاً تحريرياً وطريقاً مغايراً عن النهج السائد، والأيديولوجية الدينية المتطرفة.

يؤكد بسام الأحمد، مدير “منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، أنّ الفارس لم يكن كإعلاميين آخرين يسلّمون برواية الجهات المسيطرة، وربّما هم مقربون منها، بل كان يطرح مشروعاً مختلفاً، يقدم آراءً مختلفة عن السردية القائمة في مناطق حكومة الإنقاذ (ذراع خدمية لهيئة تحرير الشام في إدلب)، وكان يتحدّى روايتها الرسمية”.

يضيف: “لديه شخصية مختلفة ورأي مخالف، ولديه شخصيات وحكومات تدعم قضيته في الحريات لذلك لم يكن رائد رقماً سهلاً في المنطقة”

ماذا حصل في اليوم الأسود؟

بدأ علي الدندوش عمله في “راديو فريش” عام 2014، وسرعان ما تعمّقت علاقته برائد الفارس وفريق الراديو، حتّى أنّهما (رائد وعلي) كانا يُقيمان في مقر الإذاعة. 

لحسن الحظ، نجا الدندوش بأعجوبة من واقعة الاغتيال في 23 تشرين الثاني 2018، وبعدها سرد لنا ما حصل قائلاً: “قبل حادثة الاغتيال بيومٍ واحد، كان رائد في جلسةٍ مسائية مع أولاد عمّه وأصدقائه، وانتهت الجلسة وكلٌّ منهم ذهب لمنزله.. في تلك الفترة، كان رائد يذهب إلى منزله لعدّة ساعات، يجلس مع أسرته ثم يعود ليبيت في مقر الراديو. طلب مني في تلك الليلة أن أوصله إلى منزله بالدراجة النارية، نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وتم ذلك”.

“بعد ثلاث ساعات، اتصل رائد بي، وطلب مني أن آتي لنقله إلى المكتب مرة أخرى” يضيف الدندوش. 

هنا عند الفجر قرّر كلاهما أن يبيتا في المكتب، أقفلا الأبواب بإحكام وخلدا للنوم.

في ظهر اليوم التالي، 23 تشرين الثاني، استيقظ الشابان، وانضم إليهما حمود جنيد، وقررا الذهاب في رحلة استجمام إلى جبال كفرنبل لتناول الطعام مع أصدقاء آخرين.

ركب الثلاثة السيارة (حمود، علي، رائد)، وتوجّهوا نحو شارع فرعي ينتهي بهم إلى أمام منزل ابن عم رائد، الذي كان من المخطط أن يرافقهم في الرحلة ايضاً.

في ذلك التوقيت، كان معظم سكّان البلدة يؤدّون صلاة الجمعة، وكان يوم عطلة، تندر فيه الحركة في الشوارع.

يقول الدندوش، “كان رائد يقود السيارة، ويجلس بجانبه حمود، وجلست أنا في المقعد الخلفي، مررنا من أمام المسجد الكبير عبر طريق تؤدي إلى منزل ابن عم رائد، وعندها مرت بالقرب منا سيارة نوع (هيونداي ستاركس مغلقة)، رمادية اللون. بعد وصولنا إلى منزل ابن عم رائد، فجأة تقدّمت السيارة المغلقة وتوقّفت بجانبنا”. 

يضيف: “توقفت السيارة المغلقة في جهة اليسار، وهذا آخر شيء رأيته، فتحت نوافذها، وامتدّت منها فوهة بندقية عيار 5.5، لم يكن مطلقو النار ملثّمين، ولكنّني لم ألاحظ وجههما”.

ويتابع: “خفضت رأسي واختبأت لبضعة ثوانٍ، بينما النيران مفتوحة علينا، وفي النهاية توقّف إطلاق النار وسارت السيارة، رفعتُ رأسي فوجدت رائد مستلقياً على كرسيه، ولم أجد حمّود مكانه وظننت أنه تمكن من الهروب، ولكنني اكتشفت لاحقاً أنّه فتح الباب وحاول الهروب لكنه أصيب، أمّا رائد فأصيب برصاصتين في الفخذ، وواحدة في خاصرته، وأخرى تحت إبطه بالقرب من قلبه، أما أنا فقد اخترقت إحدى الرصاصات المعطف الذي ارتديه من جهة الرأس”. وأُسعفا إلى المستشفى. 

رفعتُ رأسي فوجدت رائد مستلقياً على كرسيه، ولم أجد حمّود مكانه وظننت أنه تمكن من الهروب، ولكنني اكتشفت لاحقاً أنّه فتح الباب وحاول الهروب لكنه أصيب، أمّا رائد فأصيب برصاصتين في الفخذ.

بعد الحادثة، وصل عناصر من الهيئة إلى موقع الحادثة، وتحدّثوا مع ابن رائد الفارس، وقالوا له إنّهم سوف يفتحون تحقيقاً في الحادثة، ثم غادروا من دون أن يقوموا بأي إجراء. 

خلال واقعة الاغتيال، كان أقرب حاجز عسكري يتبع لـ”هيئة تحرير الشام”، يبعد من مكان عملية الاغتيال نحو كيلومتر واحد فقط، إضافة إلى حواجز عسكرية أخرى للجهة ذاتها على المخارج الشمالية والغربية لكفرنبل، في حين لم تكن هناك حواجز لها على المخارج الشرقية والجنوبية، وهو ما يرجح أنّ سيارة الجناة قد سلكتها، بخاصة المخرج الشرقي باتجاه وسط المدينة. 

أشار تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان نشرته في 28 تشرين الثاني 2018، تضمَّن كشفاً وعرضاً لخيوط وتحقيقات أولية في حادثة الاغتيال، إلى أن “المسلحين انسحبوا على الفور عقب تنفيذ العملية، التي خطط لها أن تُنفَّذ في أثناء وجود معظم الأهالي في المساجد لأداء صلاة الجمعة، ما سهَّل على المسلحين التَّحرك في المدينة وإتمام عمليتهم الإرهابية والخروج من المدينة دون إمكان الوصول إلى مزيد من التفاصيل عن هويتهم وأشكالهم”.

بعد تنفيذ عملية الاغتيال، أصبح مستقبل راديو “فريش” في مهب الريح، بخاصة أن الدعم المادي للكوادر توقف لمدة ستة أشهر متواصلة، لاحقاً استأنف البث بعدما غير الفريق مقره، وانتقل إلى مدينة أخرى. 

يقول المدير التنفيذي الحالي للراديو، محمود الرسلان: “إن العمل في المؤسسة بقي مستمراً بعد استشهاد رائد وتوقف الدعم من المنظمات لستة أشهر، على ورغم الصعوبات التي واجهناها بسبب خسارتنا رائد، إلا أننا استطعنا تجاوز هذه المحنة والمضي قدماً إيماناً بمقولة رائد بأن راديو فريش فكرة والفكرة لا تموت”.

اقتراب الخطر

يتّفق كلٌّ من علي الدندوش (الشاهد الناجي) ومحمود الفارس (ابن رائد الفارس)، على أنّ الأشهر الثلاثة الأخيرة التي سبقت عملية الاغتيال كانت “الأخطر”، وفي تلك الفترة استشعر رائد الخطر الحقيقي على حياته، بسبب حصوله على تسريبات من أشخاص داخل جهاز “هيئة تحرير الشام” بأنّه يريد تصفيته، وهو ما دفعه لإخبار ابنه محمود بهذه التهديدات وجدّيتها، وشدّد على أنه إذا تعرّض لمكروه فإن الهيئة هي المتسبّب. 

في أيلول/ سبتمبر 2018، عادت التظاهرات الواسعة إلى كفرنبل بشكلٍ أسبوعي بتنسيق من شخصيات في المدينة، على رأسها رائد، وفي إحدى التظاهرات اقتحم عناصر “الهيئة” تجمّع المدنيين بسيارتين عسكريتين وقاموا برفع رايات “تحرير الشام” السوداء ما أدّى لحدوث ملاسنات بين الطرفين، انتهت باعتقال المحامي ياسر السليم.

في تلك الفترة، بدأ رائد يستشعر بالخطر، ولم يعد يبيت في منزله أو حتّى في مقر الإذاعة، بل عند صديق له في قرية مجاورة. 

دلائل على أنّ الاغتيال مخطط

اسمتع فريق التحقيق لأربعة شهادات، منهم الناجي الوحيد (علي)، وإبن رائد الفارس (محمود)، واطلع على تقارير حقوقية مطلعة وخبرة، اشتبهت في أن “هيئة تحرير الشام” تقف بشكلٍ مباشر خلف عملية الاغتيال.

يضع محمود الفارس، مجموعة وقائع على شكل أساسات لتأكيد روايته بأن الهيئة اغتالت والده، ويقول: “قبل أسبوع واحد من اغتيال والدي كنت أعمل في الراديو، اتصل والدي، وقال تعال إلى المقر، وبدأ يخبرني أنه في الأسبوع الأخير تلقّى تهديدات صريحة بالخطر، وأن الوضع سيئ أكثر من ذي قبل، وطلب منّي أن نأخذ حذرنا لأن التهديدات قوية جداً وخطرة وجدية”.

ويتابع: “قال لي والدي إذا أصابني أيُّ مكروه، فلا متسبّب خلفه، إلّا هيئة تحرير الشام”. 

أخبره والده أنه بدوره أطلع شخصين آخرين من معارفه المقربين ما زالا يعيشان في كفرنبل ليومنا هذا، على أن الهيئة مسؤولة عن أي خطر قد يلحق به، وقال لهم: “الهيئة تريد رأسي، وإذا أصابني مكروه لا تقولوا قتله مجهولون، ولا تقولوا لسنا متأكّدين من هوية القاتل، فأنا لا أملك أي عداوات مع أحد سواء داخل سوريا أو خارجه”.

وينقل محمود الفارس ما نقله لهم أحد أقربائهم خلال لقاء مع قيادي في “هيئة تحرير الشام” في كفرنبل غداة حادثة الاغتيال بالقول: “بعد عملية الاغتيال مباشرة، التقى شخصٌ من معارفنا بقيادي في هيئة تحرير الشام في كفرنبل، وكانا يتحدثان عن مقتل حمود جنيد، فردَّ القيادي بالقول أن الجنيد يستحق (الموت) لأنّه كان مع رائد الفارس”. 

ومن ضمن الوقائع التي يستند إليها الابن لتعزيز روايته، أنّ المنطقة كانت بشكلٍ كامل تحت سيطرة الهيئة، وأنّه لم يعثر على أي دليل مصوّر من خلال كاميرات المراقبة المثبتة في الشوارع، يظهر مرور السيارة الرمادية المغلقة التي اغتالت والده ورفيقه، وبالتالي فإن منفذي الاغتيال يعرفون طرق كفرنبل جيداً، وأكثر من ذلك أماكن تثبيت الكاميرات، وتمكنوا من إخفاء الأدلة.  ويؤكد: “قرار اغتيال والدي لم يتّخذه فرد ولا يستطيع فرد في الهيئة اتخاذ قرار كهذا وتحمّل  تبعاته، بل يحتاج ذلك إلى أوامر من مستوى عالٍ، أي الجولاني شخصياً، ويحتاج إلى تخطيط وإلى تبعات أخرى ربما تكون غير محسوبة”.

تتطابق رواية الابن مع الرواية التي سردها لنا الناجي من الاغتيال عليّ الدندوش في جزئية أنّ المنطقة بالكامل تحت سيطرة فصيل “هيئة تحرير الشام”، وبالتالي فإن السيارة التي كانت تقل الجناة وحيثما ذهبت بعد تنفيذ العملية سوف تمر عبر حواجز عسكرية للهيئة. يقول، “لذلك أنا أجزم أنّهم هم من اغتالوه”. 

ويدعم روايته بالقول: “لم يسألوني عمّا حصل ولم يأخذوا منّي معلومات عن السيارة، ولم يفتحوا تحقيقاً حتّى على رغم توفّر كل الأدلّة حينها”.

يعلق بسام الأحمد، مدير منظّمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” والتي أصدرت تقريراً مفصلاً عن الحادثة، على ذلك بالقول: “لاحظنا خلال توثيق عملية الاغتيال، أنّ من قام بهذه العملية كان مرتاحاً للغاية بالسيطرة على المنطقة، فهو لم يكن خائفاً إطلاقاً من ملاحقته من أي جهة، كما أنّه درس المدينة جيداً وفهمها وهو غالباً ابن المدينة، ويعرفها بعناية فائقة وليس شخصاً غريباً عن المنطقة، فهو يعرفها جيداً”.

تهرّب من المساءلة!  

بعد أيامٍ على وقوع الحادثة، وتطابق الاتهامات حول “هيئة تحرير الشام”، أصدرت الأخيرة بياناً عبر وكالتها الرسمية “إباء” اعتبرت فيه أن هناك “جهات تدعم الثورات المضادة تحاول توريطها في عملية الاغتيال”.

البيان حمل عنوان “جريمة في أرض يُراد توريط صاحب السلطة فيها”، وأوضح أن “مقتل الفارس والجنيد تزامن مع حملة ممنهجة من بعض الشبكات المشبوهة الهدف والتمويل، مع نشر كم هائل من الأكاذيب لزعزعة استقرار الشمال المحرر ومحاولة فصل المجاهدين عن حاضنتهم الشعبية”.

وفي محاولةٍ لفهم سبب عدم فتح تحقيق في الأمر، تواصل فريق التحقيق مع وزير العدل في الحكومة السورية الموقتة عبد الله عبد السلام، الذي أكّد أن الحكومة الموقّتة لا تسيطر على المنطقة ولا تستطيع دخولها أصلاً.

وقال عبد السلام: “ليس لدينا أي سيطرة على المنطقة التي نُفّذت فيها عملية الاغتيال، ولا نستطيع حتّى الوصول إليها، فذلك سوف يسبب لنا مشكلات مع حكومة الإنقاذ”.

وأضاف: “لا تواصل بيننا وبين حكومة الإنقاذ (ذراع خدمية، وحكومة موالية لهيئة تحرير الشام)، والاغتيال حصل في مناطق تسيطر عليها “الإنقاذ” ونحن لا نستطيع أن نصل إلى المنطقة أو أن نعرف أي شيء عن الحادثة”.

تشكّلت “حكومة الإنقاذ” في 2 تشرين الثاني 2017 في مناطق سيطرة “تحرير الشام” في إدلب وريف حلب، وبعد أسبوع من تشكيلها، تسلّمت من “الهيئة” كل المرافق الخدمية، وهو ما يؤكّد الارتباط بين الجهتين، لكن “الإنقاذ” تنفي أنّها واجهة مدنية لـ “هيئة تحرير الشام”، على رغم كل الأدلة على هذه العلاقة.

أيضاً، تواصل “فريق التحقيق” مع المكتب الإعلامي لحكومة الإنقاذ، لمعرفة سبب عدم فتحها تحقيقاً في الأمر، تجاوب المكتب في بداية الأمر، ولكنّه لم يعد يرد على رسائلنا عندما علم بأن التحقيق حول قضية اغتيال رائد الفارس.

وهنا يعتبر الأحمد، أنّ عدم وجود جهة تقوم بالتحقيق بالقضية، يرجع إلى أنّ حكومة الإنقاذ غير راغبة في إجراء هذا التحقيق، أو لديها أوامر من جناحها العسكري الذي قد يكون متورطاً، بعدم فتح تحقيق في القضية، فلو كان هناك أدنى إرادة لإجراء التحقيق سواء من حكومة الإنقاذ أو الحكومة المؤقتة لكان ذلك حصل.

المسار القضائي والمحاسبة… أين القضية الآن؟ 

في البحث عن إمكان تعزيز عمليات عدم الإفلات من العقاب في ما يخص الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين، عبر إجراء محاكمات عادلة، أو تشكيل محكمة على غرار المحاكم التي تشكّل لمحاكمة مجرمي الحرب ولو بعد حين، أكد مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، في مقابلة مع فريق التحقيق، أنّ إحقاق المحاسبة القضائية لتحقيق العدالة في مقتل الفارس أساسية، على رغم أنها تأخذ وقتاً طويلاً قد يصل إلى 10 سنوات، لكن هذا مسار تسير بجانبه مسارات أخرى لتحقيق ما يسميه “المحاسبة العاجلة” للجناة، والتي تتحقق من خلال الرفض المجتمعي للجهة المتهمة بالاغتيال، وكذلك المقاطعة من الجهات التي تتعامل معها، الفصائل العسكرية والمقاتلين والداعمين لها من السوريين.

يقول: “هؤلاء كلهم عليهم مقاطعة الهيئة، نتيجة الفعل الإجرامي الذي قامت به، وكذلك محاصرتها اقتصادياً وسياسياً وفضح هذه الجريمة”، مشيرا إلى دور الصحافة في التحدث عن الجريمة وكشف ملابساتها، وهذا جزء من المحاسبة أيضاً. 

أما بخصوص القضاء الدولي، فهو متاح وفق الاختصاص القضائي العالمي، لكنّ الموضوع بحاجة إلى جهد وعمل، يتمثلان في جمع الأدلة وتقديمها للادعاء العام، بعدها يقبل بها الادعاء، وتتم محاسبة عدد من الفصائل المتطرفة باستخدام الولاية القضائية العالمية. وفق عبد الغني “هذا مسار طويل ويمكن أن يؤدي إلى محاسبة شخص أو اثنين”.

وكانت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، رجحت وقوف “هيئة تحرير الشام” وراء حادثة اغتيال النشطاء والإعلاميين بالاستناد إلى تحليل أدلة ومعلومات، و بالاعتماد على شهادات من المنطقة.

“المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، والعامل في مجالات التقاضي بشكل مباشر على الجرائم المرتكبة ضدّ الصحافيين، يؤكد على لسان يارا بدر، مديرة الحريات الإعلامية في المركز، أنه لم يتم تحديد مسؤولية جنائيّة بالمستوى القانوني، بما يسمح باتخاذ خطوات إجرائيّة قضائيّة للمحاسبة، لأنه لم يتم إجراء تحقيق مستقل في مقتل الفارس. 

المركز الذي ينشط حالياً في مجالات منع الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضدّ الصحافيين/ات في سورية، يساند ويدعم حملات مناصرة و تضامن مع جهود تقودها جهات ومؤسسات متعددة في مناطق أكثر خطورة على الصحافيين مثل المكسيك والعراق وكولومبيا، ما يجعله مطلعاً على هذه الجهود، وهو طرف مدني في الدعوى الخاصة بمقتل الصحافية الأميركية ماري كولفن في استهداف “مركز بابا عمرو” الإعلامي في حمص شباط/ فبراير 2012، ومقتل المصوّر الحربي الفرنسي، ريمي أوشليك.

تضيف بدر، أن العاملين في المركز “بالشراكة مع المنظمات الدولية على مستوى آليات الأمم المتحدة يبذلون جهوداً لتحسين التشريعات الضامنة لحرية التعبير، ويضغطون من أجل إقرار الشارة الدولية للصحافيين”. 

وفق معاينة المحامي ياسر السليم، الذي عاش تجربة الاعتقال في سجن العقاب سيئ السمعة (في الجهة الغربية من إدلب ويستخدم اليوم سجناً وفرع تحقيق أمنياً للهيئة)، “فإن القتلة لم يتركوا خلفهم دليلاً ملموساً، وأن الجهة المسيطرة على المنطقة كانت وما زالت نفسها… فمن سيقوم بالتحقيق؟”، يسأل الرجل الذي غادر سوريا خوفاً على حياته وبسبب آرائه النقدية.

يقول “لا تمكن ملاحقة أحد من الجناة حتى تستقر الأوضاع وتنتهي سلطتها (الهيئة) في المنطقة”.

يتفق معه بسام الأحمد، ويرى أنه “في هذه الظروف، من المستحيل إحلال العدالة في القضية، وحتى لو حدثت محاكمة، فلن تكون عادلة بل منقوصة، بسبب عدم وجود جهاز قضائي مستقل ونزيه، في حكومة الإنقاذ، وهيئة تحرير الشام”. 

لكن “يمكن أن تقوم لجان التحقيق والآلية الدولية المحايدة، بجمع معلومات حول القضية من أجل الاستعداد إلى مسار قضائي في المستقبل”.

ويختم الأحمد بتوجيه دعوة مفتوحة إلى ذوي الضحايا للاحتفاظ بالوثائق والوقائع والأدلة، والشهود أيضاً، بانتظار تكشّف معلومات محدّدة أو إتاحة الفرصة لإجراء المحاكمة.

  • أنجز هذا التحقيق بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وينشر بالتزامن على موقع درج
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد