مصر: سوريون يبيعون مقتنياتهم الشخصية لمواجهة “كورونا”

تحقيق: شحاته السيدسحر الحمداني

لا تختلف معاناة السوريين الاقتصادية، تحت وطأة جائحة “كورونا” بين داخل البلاد وخارجها، يمرّون في ذات الظروف الاقتصادية، التي فرضتها إجراءات مواجهة الفيروس التاجي، وما تبعها من فقدانهم فرص عملهم في قطاعات مختلفة جراء الحظر، وإغلاق الأسواق.

في مصر، يمثّل العمل مصدر الدخل الوحيد لنحو 250 ألف لاجئ سوري، نصفهم (١٢٥ الفاً) مسجّلين في “مفوضية شؤون اللاجئين” بحسب مفوضية اللاجئين.

 

 

وجميع هؤلاء يتركّزون في محافظات الجيزة والقاهرة والإسكندرية ودمياط، طبقاً لخريطة الانتشار التي أعلنتها المفوضية عبر موقعها الإلكتروني الرسمي.

من بينهم، السوري سليم النصّار (35 عاماً)، الذي تعاقبت حياته بين القاهرة والإسكندرية بعد الفرار من سورية، إلى الدخول إلى مصر عن طريق السودان في 2013، ثم رحلة البحث عن أي عملٍ لا يشبه عمله في سورية، إلّا أنّه فقد مؤخّرًا هذا العمل في مصنع غزل ونسيج سوري في منطقة العبور التابعة لمحافظة القاهرة، وأضحى بلا عمل.

يواجه النصّار وأسرته مصاعب كثيرة منذ أن وطأت قدماه مصر، وزاد الأمر سوءً بعد جائحة “كورونا” التي تسببت في طرده من عمله، بعد قرار الحكومة المصرية بتقليص عدد العمالة للحد من انتشار الفيروس.

في 17 آذار/ مارس الماضي، أصدرت السلطات المصرية القرار رقم 719 لسنة 2020 والمتضمن تخفيض العمالة بمؤسسات الدولة وشركات القطاع العام والخاص والمصانع، للحد من انتشار فيروس كورونا.

اتصل به المسؤولون في المعمل بالهاتف، وأبلغوه أن عمله انتهى. 

يقول: “بعد تفشّي الفيروس، أصبح لدى أرباب العمل مخاوف من ضعف حركة السوق فأبلغوني هاتفيًا بطردي بشكلٍ تعسّفي وأصبحت بلا عمل”.

لم يستسلم الرجل، لذلك قرر البحث عن عمل جديد في مجاله الأصلي، وهو الترجمة الفورية عبر الانترنت، وذهب أبعد من ذلك فاستغل صوته الحَسن في غناء المدائح النبوية، وتصويرها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي على أمل أن يحقق له عائدًا ماديًا يساعده في العيش. 

سليم النصار، واحدٌ من 4 حالات وثق قصصهم هذا التقرير، جميعهم فقدوا مصدر رزقهم الرئيسي وأصبحوا في حالة عوز شديد، بعد إجراءات الإغلاق التي فرضها الفيروس التاجي وبدؤوا بالبحث عن فرص عمل جديدة “أونلاين” والبعض غيرّ مهنته لكسب لقمة العيش.

ويأتي ذلك في ظل قصور دور مفوضية اللاجئين في مصر وشركائها كما يقول من قابلناهم، ومنظمات المجتمع المدني والحكومة المصرية في حماية السوريين من فيروس كورونا المستجد، ومرض “كوفيد 19”.

أكبر المشكلات التي يواجهها اللاجئون السوريون في مصر بعد جائحة كورونا هي تراكم إيجارات المنازل بعد إيقاف عملهم، وإغلاق مصدر دخلهم الوحيد، فأصبح هناك البعض منهم مهدّدًا بالطرد من المنزل الذي يعيش فيه بسبب عدم القدرة على سداد الإيجارات، في حين اضطر آخرون لبيع مقتنياتهم الشخصية من أجل سداد ديونه، على ما يوضح تيسير النجار رئيس الهيئة العامة للجالية السورية في مصر.

تنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية”.

لكن “لم تقدم مفوضية اللاجئين أي مساعدات وقائية لحماية السوريين في مصر من فيروس كورونا”، يقول أبو شريف النجار، وهو لاجئ سوري يعيش في مصر منذ 2013.

بالمقابل مفوضية اللاجئين في مصر، خصصت دعمًا ماليًا طارئًا للقطاع الصحي لمواجهة تداعيات كورونا، قُدر بـ 6,4 ملايين دولار، كما خصصت أيضًا 37,8 مليون دولار لتوفير الدعم المالي والغذائي والحماية للاجئين في مصر، حسب الخطة الثلاثية التي نشرتها عبر موقع الاستجابة التابع لها.

 

توقف عن العمل

لم يكن سليم الوحيد الذي تم طرده من عمله بسبب “كورونا”، حيث أغلق أبو شريف ورشته نتيجة توقف الحركة التجارية والصناعية في مصر بسبب تداعيات الفيروس، ولم يعد لديه أي مصدر آخر للرزق.

وبعد أن كانت أوضاع أبو شريف المادية تسير على ما يرام، تراكمت عليه الديون للمحال التجارية والبقالة والصيدليات وإيجار السكن الذي يعرّضه للتعنيف بشكل مستمر من صاحب المسكن، نتيجة لتأخره في السداد، حتى وصل الأمر إلى إعطائه مهلة 15 قدرها يومًا كحدٍ أقصى على أن يسدد ما استحق عليه من أجرة السكن أو الطرد إلى الشارع.

وفقًا لإحصائيات “الهيئة العامة للجالية السورية في مصر” فإنَّ أكثر من 60% من اللاجئين السوريين في مصر أصبحوا بلا عمل بسبب جائحة كورونا. 

الأمم المتحدة، علقت على مشكلات اللاجئين في مصر عبر مكتبها الإعلامي، وأكدت في بيانها الصادر في الثاني من نيسان/أبريل الماضي، أنّه “من الضروري ضمان وصول الجميع، بما في ذلك كافة المهاجرين واللاجئين، على نحو متساوٍ إلى الخدمات الصحية وأن يتم إدراجهم بشكل فعال في خطط الاستجابة الوطنية لفيروس كورونا، بما في ذلك الوقاية والفحص والعلاج”.

يؤكد تيسير النجار، رئيس الهيئة العامة للجالية السورية في مصر، أن جائحة كورونا أثرت سلبًا على اللاجئين السوريين يقول: “منذ تصاعد الأزمة وتطبيق حظر التجوال توقفت عجلة الاقتصاد وتم تسريح العمالة ومن بقي في عمله يتقاضى نصف راتبه أو جزء منه لأن القطاع الخاص جريء، يعطي الراتب فقط بحسب ساعات العمل بعكس الحكومي”.  

حاول أبو شريف التواصل مع مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين لطلب المساعدة المالية والغذائية باعتبارها المسؤول عنهم في مصر، إلا أنهم لم يردوا على مكالماته التي استمرت لأكثر من أسبوع، على حد قوله.

 

أوضاع بائسة 

وفي 24 آذار/ مارس أصدرت الحكومة المصرية القرار رقم 768 لسنة 2020 المتضمن حظر التجول في كافة أنحاء البلاد من السابعة مساءً وحتى السادسة صباحًا، وفرضت عقوبات على المخالفين.

يأتي القرار في وقت “أكثر من 80% من اللاجئين في مصر يعيشون في أوضاع بائسة” حسب مفوضية اللاجئين التي قال فيليبو غراندي مفوضها السامي عبر موقعها على الإنترنت في شباط/ فبراير 2019 “أشعر بقلق عميق إزاء حقيقة أن ثمانية من أصل 10 لاجئين في مصر يعيشون في أوضاع إنسانية بائسة، ولا يمكنهم تلبية حتى أبسط احتياجاتهم.

وأضاف أن الحصول على لقمة العيش تحديًا يوميًا لهم، حيث يحتاج هؤلاء اللاجئون إلى مساعدة إنسانية كافية وفي الوقت المناسب، ولكن مع ذلك، فنحن عاجزون الآن عن تزويدهم بالاحتياجات الضرورية أو المحافظة على برامجنا الأساسية لحماية اللاجئين في هذا البلد”.

 

نقص المساعدات

أم محمد، لم يختلف حالها كثيرًا عن أبو شريف وسليم، لكنها سيدة مسنة عمرها 53 ربيعاً، وتعاني من مشاكل في ضغط الدم والسكر والكوليسترول (cholesterol)، وزوجها المتجاوز عمره 63 عاماً، لا يقوى على العمل قبل أو بعد انتشار كورونا، كانت تعيل زوجها بمشروعٍ بسيط لكنّها خسرته بعد تفشّي الفيروس.

تقول أم محمد التي تعيش في الاسكندرية السياحية: “زوجي لديه اضطراباتٍ نفسية إضافةً للأمراض والضعف الجسدي، بسبب الأحداث في سورية، وليس لدي أموالًا لأشتري له الدواء” موضحةً أن حالهم زاد سوءً بعد الجائحة، بسبب انعدام الدخل تمامًا، وباتوا غير قادرين على دفع إيجار منزلهم، في حين يأكلون ما توفّر أمامهم من مقبلات ليتمكّنوا من العيش.

وبعد أن قطعت المفوضية الدعم المالي بحجة نقص المساعدات المقدمة من الجهات المانحة، أصبحت أم محمد تعيش مع زوجها على المساعدات التي تقدّمها جمعية خيرية. 

وصلت أم محمد مع زوجها إلى مصر في 2012 عن طريق السودان، واستقروا في الإسكندرية، المفوضية قدمت إليهما في بداية وصولهما بعض المساعدات المالية، وأجرت لهما الفحوصات الطبية، وصرفت لهما الأدوية اللازمة مجانًا، إلا أنها كانت مجرد مساعدة عابرة انقطعت بعد تسجيلهما لدى مفوضية اللاجئين.

عملت السيدة على توفير مصدر دخل بسيط يساعدها في دفع إيجار منزلها وشراء الأدوية اللازمة لها ولزوجها، حيث بدأت في تحضير وجبات طعام سورية وتسويقها عبر الانترنت. 

رغم بساطة المشروع إلا أنها استطاعت توفير مصدر دخل من خلاله، لكنه انقطع بمجرد الإعلان عن ظهور أول حالة كورونا في مصر، وبدأت الضغوط في التزايد بعد إجراءات الحكومة المتتالية التي اتخذتها للحد من انتشار فيروس كورونا. 

منذ بداية الجائحة، لم تتحرك أم محمد وزوجها من المنزل حرصًا على حياتهما، وخوفًا من التعرض للعدوى.

وحسب رئيس الهيئة العامة للجالية السورية في مصر، توزع مفوضية اللاجئين الغذاء على نحو ثلث اللاجئين، “ونقوم نحن بالتعاون مع الجمعيات الخيرية بتغطية بعض الأسر، حيث قدمنا مساعدات غذائية لنحو 600 أو 700 أسرة في مدينة اكتوبر منذ بداية جائحة كورونا” على حد قوله.

 

ويتراوح الإيجار الشهري ما بين 2000 إلى 3000 جنيه شهرياً (120 – 150 دولار ) بحسب منطقة السكن، وتحتاج الأسرة 2000 جنيه بحد أدنى للغذاء فقط بعيدًا عن فواتير الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي أو الأسطوانات، حسب رئيس الهيئة العامة للجالية السورية في مصر.

 

ماذا عن السوريين المصابين بالفيروس؟

وفقًا لـ “بعثة منظمة الصحة العالمية” في القاهرة فإن الحكومة المصرية تتعامل مع اللاجئين كجزء من المجتمع، من حيث توفير كل الخدمات الصحية وتقديم العلاج مجانًا، وهو ما سيتم اتباعه في حالة “كورونا”.

وبحسب البعثة فإنه في حالة إصابة أي لاجئ يعامل معاملة المواطن المصري حسب تقرير الصحة العالمية الذي نشر في 30 آذار/ مارس 2020.

وفي وقتٍ لم يُعلن فيه عن إصابات بالفيروس بين السوريين في مصر، كان هناك حالة وفاة وحيدة لطبيب سوري متخصّص في الأمراض الباطنية، والذي ذاع صيته بين أهالي مرسى مطروح حيث يعيش مع أسرته منذ 2012.

معدا التقرير حصلا على صور من المستشفى يظهر فيها أطباء المستشفى وهم يصلون الجنازة على الطبيب. 

وبحسب الدكتور على بدر مدير المستشفى، فإن الطبيب السوري توفي مساء الأحد 11 أيار/ مايو، بعد إصابته بالفيروس.

حالة الطبيب السوري المتوفى، تعد أول حالة إصابة بين اللاجئين في مصر وتؤكد أن الحكومة المصرية لا تفرق في التعامل مع الحالات المصابة بالفيروس سواءً مصريًا أو غير مصري.

 

بيع المقتنيات الشخصية

كان السوري حسين معموش يعمل في دباغة الجلود في سورية، ولكنّه أصيب بانزلاق غضروفي ما أدّى إلى عدم قدرته على إتمام العمل، فانتقل للعمل كموظف توصيل طلبات في محل حلويات وسط القاهرة، وأصبح يعيش على المسّكنات، بسبب عجزه عن إجراء العلاج.

يقول حسين: “المفوضية تعرف بمرضي ولكنّها لم تساعدني، بل طلبت منّي تقريرًا طبّيًا جديدًا علمًا انّني أعطيتهم تقريرًا في عام 2015 ولا أستطيع استخراج تقرير آخر الآن لأن تكلفته 1000 جنيه مصري.

لدى حسين طفل لا زال يحتاج الحليب الخارجي، في حين أنّه يعيش على المسكّنات التي تكلّفه 400 جنيه شهريًا، إضافةً لذلك فقد عمله لأن شراء الحلويات تراجع خلال جائحة كورونا ولم يعد أحد يقوى على شرائها، أو يتجرّئ على ذلك في ظل المخاوف من انتقال العدوى.

أمام هذا الواقع الصعب، اضطر حسين إلى بيع بعض مقتنياته الشخصية في منزله من أجل الإنفاق على أسرته وشراء الحليب لطفله دون أن يتلقّى أية مساعدات مالية أو طبّية حتّى.

 

توفر المستلزمات الطبية

الأدوات الطبية مثل “الكمامات والمعقمات” ارتفع سعرها في مصر ووصلت إلى قدر لا يحتمله اللاجئون، فيما لم تقدّم لهم أي جهة هذه الأدوات للوقاية.

أما الأغذية والخضروات التي تقوي المناعة ارتفع سعرها كثيرًا حيث وصل سعر الليمون إلى 30 جنيه والثوم إلى 30 جنيه والبصل 12 جنيه.

ولمنع احتكار السلع أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بتحديد أسعار بيع بعض المنتجات اللازمة لمواجهة فيروس كورونا المستجد، مع التزام كافة المتاجر والصيدليات وغيرها من منافذ البيع، بالإعلان عن أسعار المنتجات في أماكن ظاهرة لروادها من المشترين، ومنع احتكارها.

ونصَّ القرار على مخالفات بالحبس ودفع مبالغ مالية كمخالفات، لكن هذه الإجراءات لم تكن رادعة ولم تخفّف من عبئ أم محمد وغيرها الآلاف من اللاجئين السوريين الذين فقدوا وظائفهم. 

*أنجز التقرير بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، بالتعاون مع راديو روزنة.

قد يعجبك ايضا