الإثنين 16 / سبتمبر / 2019
الرئيسية / تحقيقات / “موت بمخلّفات الحياة”… كيف تفتك النفايات الطبية بحياة عاملين في مستشفيات سوريّة؟

“موت بمخلّفات الحياة”… كيف تفتك النفايات الطبية بحياة عاملين في مستشفيات سوريّة؟

Print Friendly, PDF & Email

تحقيق: عباس علي موسى – القامشلي

لم تكد تكمل جيهان ثلاثة أيام في مستشفى “الحكمة” في مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة بشكلٍ مفاجئ، وسط ذهول أفراد أسرتها.

“مرضت فأدخلتها إلى المستشفى، وفي اليوم التالي بتر الأطباء قدمها اليمنى بعدما أُصيبت بالغرغرينا ثم ماتت”، يشرح زوجها الأربعيني ياسر مصطفى، الذي لم يكن يصدق تسارع الأحداث.

حاول زوجها إنقاذها بنقلها إلى العاصمة دمشق، ولكن الأطباء أخبروه أن “الأوان فات… ولا أمل بإنقاذ حياتها”.

جيهان ملا علي، 33 عاماً، كانت قد حصلت على وظيفة عاملة نظافة في غرف العمليات في “المستشفى الوطني” في الحسكة (مستشفى حكومية) لمساعدة زوجها في إعالة أولادهما الستة، وبقيت على مدار عامين تعقم وتنظف غرف العمليات ومباضع الأطباء وتجمع نفايات العمليات الجراحية في أكياس، حسب ما يقول زوجها.

يقول الطبيب عادل شريف: “كانت جيهان مصابة بمرض ذئبة حمامية وهو مرض التهابي يهاجم الجهاز المناعي في الجسم، وهو كان سبب إصابتها بالغرغرينا” (موت أنسجة في الجسم إما لنقص تدفق الدم إليها وإما لإصابتها بعدوى بكتيرية خطيرة)”، موضحاً أن لطبيعة عملها واحتكاكها بالنفايات الطبية ومخلفات غرف العمليات أثراً في إصابتها.

ما جاء في التقرير الطبي، المؤرخ في 29 أيلول/سبتمبر 2018، يشرح بعض تفاصيل الحالة: “أُجري للسيدة جيهان ملا علي عمل جراحي إسعافي تحت التخدير العام بسبب غرغرينا في الطرف السفلي الأيمن نتيجة نقص مناعي ذاتي (الذئبة الحمامية)، وقد أُجري لها تنظير واسع للأنسجة المتخثرة في الساق والفخذ اليمنى وذلك في مستشفى الحكمة في الحسكة بتاريخ 29/10/2018 وتوفيت بعده بساعات بسبب الصدمة الإنتانية”.

التقرير الطبي لجيهان

ثمّة سببان لمرض “الذئبة الحمامية”، الأول وراثي، والثاني بيئي إذ تحفزه بعض أنواع الفيروسات والأدوية، حسب ما يؤكد الطبيب المتخصص في الأمراض الداخلية محمد الدرويش، وهو ما يرفع احتمال أن يكون احتكاك جيهان بالنفايات الطبية سبباً بإصابتها ومن ثم وفاتها، حسب قوله.

بطاقة عمل جيهان

إضافةً لحالة جيهان، يوثق هذا التحقيق خمس قصص لنساء ورجال، يعملون في مستشفيات ومراكز طبية في شمال شرقي سوريا، أصيبوا بأمراض مزمنة وقاتلة بسبب الاحتكاك غير الآمن بالنفايات الطبية.

يحدث ذلك في ظل عدم اتباع عمال النظافة في المستشفيات إجراءات الوقاية في التعامل مع النفايات الطبية، وفي ظل غياب الرقابة.

ويفاقم المشكلة عدم تطبيق المستشفيات التي عاينها معد التحقيق في محافظة الحسكة للخطوات الآمنة التي نص عليها “الدليل الوطني للإدارة الآمنة لنفايات الرعاية الصحية في سوريا” في التعامل مع النفايات الطبية من حيث جمعها ونقلها وتخزينها وتصريفها، وهذا ما يدفع الممرضين وعمال النظافة للتعامل معها كما يتعاملون مع النفايات العامة (القمامة).

وتتبّع هذا التحقيق مسار النفايات الطبية منذ خروجها من غرف العمليات، انطلاقاً من وضعها في أكياس بلاستيكية عادية مروراً برميها في سيارات القمامة التابعة للبلديات ثم ترحيلها إلى أطراف المدن وحرقها بشكلٍ بدائي في حفر عشوائية.

كما أن المعايير التفصيلية الواردة في “دليل عمل دائرة المشافي” الصادر عن”دائرة المشافي” التابعة لوزارة الصحة السورية، لبنية المستشفى قبل تأسيسه، لا تحتوي على ضرورة وجود حراقة طبية.

عامل نظافة يخلط النفايات الطبية بالنفايات العامة

يقول المخبري في مدينة القامشلي يونس أبو زيد: “لا يوجد في المستشفيات العامة والخاصة تحذير من انتشار بعض الأمراض”، موضحاً أن “عمال النظافة في المستشفيات هم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض كونهم أقل وعياً بشأن شروط الوقاية من الأطباء”.

من جهته، يوضح الاختصاصي في الجراحة العامة في القامشلي شيرزاد يوسف أن العدوى تنتقل لدى تعرض جرح للتلوث من المادة الحاملة والناقلة للفيروس من النفايات العائدة للمريض، لافتاً إلى أن نسبة الإصابة هنا مرتفعة.

احتكاك غير آمن بالنفايات الطبية

تُعرّف “منظّمة الصحة العالمية” النفايات الطبية بأنّها “نواتج ثانوية للرعاية الصحية تضم أدوات حادة وغير حادة ملوثة بالدم وأجزاء من الجسم وأنسجته ومواد كيميائية ومستحضرات صيدلانية وموادّ مشعة”.

وتؤكّد “الصحة العالمية” أنّ رداءة إدارة نفايات الرعاية الصحية تؤدي لتعريض عمال الرعاية والمرضى وأسرهم والمجتمع لحالات عدوى وآثار سامة وإصابات يمكن تلافيها.

خلال بضع زيارات ميدانية لمستشفيات عامة وخاصة في محافظة الحسكة، التقى معد التحقيق مع عاملين وأطباء، أكدوا كلهم عدم وجود حراقات طبية داخل تلك المستشفيات أو خارجها، كما عاين معد التحقيق خلط جميع النفايات بعضها ببعض داخل المستشفيات بما في ذلك النفايات الحادة التي تسبب الجروح ونقل الفيروسات.

عامل نظافة يخلط النفايات الطبية بالنفايات العامة

يقول أبو زيد إن “رمي الأدوات الطبية الحادة كالإبر والمشارط والقساطر الوريدية وزجاجيات المخبر في السلال بدون التزام شروط السلامة يمكن أن يتسبب بجروح ونقل للأمراض”، مشدداً على ضرورة وجود حراقة لكل مستشفى.

وتنقسم إدارة الملف الطبي في منطقة الجزيرة السورية، التي تضم محافظات الرقة والحسكة وديرالزور شرق نهر الفرات، بين الحكومة السورية – ممثلة في وزارة الصحة – و”الإدارة الذاتية”، في امتداد لتقاسم معظم السلطات هناك.

تعترف الرئيسة المشتركة لـ “هيئة الصحة” في الإدارة الذاتية في مدينة القامشلي الدكتورة عبير حصاف بوجود مشكلة كبيرة بسبب غياب الحراقات الطبية، وتقول: “الحراقة الوحيدة الموجودة هي في مدينة ديرك/ المالكية، وقد جرى وضعها عام 2018 بمساعدة إحدى المنظمات الدولية، وهي تكفي لمستشفى تلك المنطقة والمراكز الطبية في محيطها”، موضحةً أن سعرها 23 ألف دولار أمريكي أي نحو 14 مليون ليرة سورية.

وتبرّر حصاف عدم وجود هذه الحراقات بأن المستشفيات تأسست قبل تأسيس الإدارة الذاتية، وبالتالي ليس لهيئة الصحة ذنب في عدم احتوائها على محارق طبية، إلا أن زيارة ميدانية أجراها معد التحقيق أظهرت أن مستشفى العين والقلب التابع لهيئة الصحة في الإدارة الذاتية، والذي تم افتتاحه مطلع العام الحالي في مدينة القامشلي، لا يحتوي هو الآخر على حراقة للنفايات الطبية.

في شباط/ فبراير 2019، تعقب معد التحقيق سيارة جمع ونقل قمامة تابعة لبلدية غربي، منذ انطلاقها لجمع النفايات في القامشلي، بعد معلومات وصلته عن تفريغ النفايات الطبية مع النفايات العامة داخلها.

تُخبرنا عاملة نظافة في “المستشفى الوطني” في الحسكة أن النفايات الطبية، بما فيها أكياس الدم وفوارغ الحقن والأشلاء والشاش الطبي الملوث والمشارط المستعملة في الجراحة، تُجمع في سلات خاصة توضع في ممرات المستشفى، ثم يجري جمع محتويات السلات داخل حاوية قمامة ويُرمى بها في سيارات قمامة البلدية من دون ارتداء أي قفازات، ثم يخلطها عمال النظافة بالنفايات العامة داخل سيارات القمامة. ولاحقاً يتم ترحيلها ثم حرقها.

انتهى مطاف السيارة في مكب “نافكري” بالقرب من مدينة القامشلي، بعد مرورها ببضعة مستشفيات ومراكز صحية لجمع النفايات الطبية منها، حيث تُكوّم وتُكدّس في المكب ويجري حرقها بين فترة وأخرى، حتى لا تنقطع النيران عنها. ورصد معد التحقيق بقايا نفايات طبية مختلفة في المكب حتى بعد الحرق، كالقساطر والسيرومات (الأمصال) وقوارير الأدوية وغيرها.

من تنظيف قسم الكلى إلى الفشل الكلوي

عمل وائل السالم (42 عاماً) بين عامي 2015 و2017 في مجال التنظيفات، تحديداً في قسم الكلى في المستشفى الوطني في مدينة الحسكة مقابل 70 ألف ليرة سورية (120 دولاراً أمريكياً) شهرياً من أجل إعالة أسرته، البالغ عدد أفرادها ثمانية، لينتهي به المطاف مريضاً بالفشل الكلوي، ومُسرّحاً من عمله.

يقول وائل: “كنت أنظف أرضيات قسم الكلى في المستشفى، وأجمع النفايات من دون ارتداء قفازات طبية في كثير من الأحيان، وفي بعض الأحيان كنت أرتدي الكمّامات”.

بعد فترة، شعر وائل بإرهاق ولم يقوَ على التوجه إلى العمل، فعاد لزيارة المستشفى نفسه الذي يعمل فيه لإجراء كشف طبي، ليتبيّن أنه مُصاب بالفشل الكلوي وارتفاع في ضغط الدم ونقص الكلسيوم، حسب ما أظهر التقرير الطبي الذي اطلع معد التحقيق عليه.

خلال لقاء معد التحقيق مع وائل، لاحظ آثار وهن شديد عليه وطفحاً جلدياً، وهو ما يدعوه إلى الخضوع لعلاجات متعددة في قسم غسيل الكلى.

يوضح وائل أن النفايات التي كان يجمعها خلال تنظيف قسم الكلى، كانت غالباً تحتوي على أكياس سيروم وحقن وشاش وقطن مبلّل بالدم ذات رائحة نتنة أحياناً.

ويوضح الطبيب فيصل عسكر، وهو اختصاصي طب داخلي، أن الظروف التي أعقبت عام 2011 أدت إلى تدني المستوى الصحي والثقافي، وتالياً إلى ظهور بعض الأمراض الإنتانية مثل الحمى المالطية والتيفية والتهابات الكبد الفيروسية A،B،C، وهذا ما تسبّب بجفاف لدى المرضى، وبفشل كلوي حاد سواء لعامة الناس أو للعاملين في الشأن الطبي.

ودعا عسكر إلى “ضرورة إعادة النظر في تدريب الكوادر الطبية لتفادي أي خلل طبي”.

الوقاية غائبة

منذ ثلاثة سنوات، تعمل عائشة هلال، 39 عاماً، في التنظيفات في قسم الإسعاف في المستشفى الوطني في الحسكة، وتتقاضى 80 ألف ليرة (150 دولاراً أمريكياً) شهرياً لإعالة زوجها الذي هو من ذوي الاحتياجات الخاصة وأولادها الأربعة، لكنها خلال عملها بدأت تعاني ضيق تنفس شديداً وتسارعاً في ضربات القلب، وتقول إنها أنفقت أكثر من 200 ألف ليرة على العلاج.

وتضيف: “أحمل يومياً الحاويات الملأى بالنفايات الطبية من قسم الإسعاف إلى الحاويات الرئيسية في المستشفى وأنظف الأرضيات من مخلفات العلاج والدماء والحقن وغيرها”، لكنها تؤكد أنها لم تكن ترتدي خلال عملها قفازات أو كمامات طبية، موضحة أنها لا تشعر بالراحة عند ارتدائها كما أنها لم تجربها أصلاً برغم توفرها داخل المستشفى.

ويقول عبد الرحمن أمين، طبيب عائشة، إن لدى المريضة “تحسساً قصبياً مزمناً يزداد لدى التعرّض للغبار ومواد التنظيف ومخلّفات العمليات الجراحية”.

على غرار عائشة، لا يستخدم معظم عمال النظافة داخل المستشفيات والمراكز الطبية قفازات وكمامات الوقاية، وكذلك الحال بالنسبة إلى نحو 2000 عامل نظافة يتبعون للبلديات خارج المستشفيات، بحسب طارق محمد من مكتب البيئة في لجنة البلديات في بلدية القامشلي.

ويحتك هؤلاء بالنفايات الطبية من دون وقاية، كما لاحظ معد التحقيق أن معظم العمال لا يستخدمون القفازات الطبية الخاصة لمنع انتقال الفيروسات على الرغم من توفرها داخل المستشفيات، في ظل غياب أي رقابة تلزمهم بارتدائها.

عرضنا هذه المعلومات على حصاف، فكان ردها أن “القفازات موجودة في المستشفيات وإذا لم يرتدِها عمال النظافة، فإنهم لا يلتزمون معايير النظافة”، وفي ما يتعلق بعمال النظافة في البلديات، فقد ألقت مديرة هيئة الصحة باللوم على قسم الصحة في البلديات لعدم إجرائه الرقابة على العمال.

لا لقاحات ولا تحاليل

يشدد الطبيب سليمان أحمد، العامل في محافظة الحسكة، على ضرورة خضوع العمال لفحوص ما قبل القبول في العمل للتأكد من خلوهم من أمراض معينة كالسل أو التهاب الكبد، لافتاً إلى أنها فحوص ضرورية كون هذه الأمراض معدية عن طريق الدم أو التنفس.

أما في مرحلة ما بعد التوظيف والتعامل مع النفايات الطبّية خلال العمل، فيلفت أحمد إلى أن العمال ملزمون بإجراء فحص دوري للأمراض السارية، لأن النفايات الطبية ملوثة بالأمراض، وهناك أمراض مختلفة تنتقل عن طريق الحقن والمشارط (النفايات الحادة) من خلال الوخز أو الجرح.

ويشدد أحمد على أن لقاحات التهاب الكبد يجب أن تكون على ثلاث دفعات، وذلك في حال خلو الشخص من التهاب الكبد B. يأخذ الشخص الجرعة الأولى من اللقاح وبعد شهر يأخذ الجرعة الثانية وبعد ستة أشهر يأخذ الجرعة الثالثة، وبعد أربع سنوات يأخذ جرعة رابعة، وبعدها من الممكن أن يأخذ جرعة داعمة.

وتعترف “هيئة الصحة” على لسان رئيستها أنّها لم تجرِ تحاليل “التهاب الكبد” للعمال داخل المستشفيات، مرجعةً السبب إلى أن اللقاحات غير متوفرة، وأن “منظمة الصحة العالمية” لا تمد “الإدارة الذاتية” باللقاحات، كونها تتعامل مع الحكومة السورية كجهة رسمية فحسب.

وبيّنت حصاف أن هناك صيغة تفاهم تم التوصل إليها مع الصحة العالمية تقتضي بتقديم اللقاح، إلا أن اللقاحات تستدعي إجراء فحوص للعمال، وهذا لم يحصل حتى اللحظة، في إشارة إلى تقصير من البلديات التي يتبعون لها.

وحاول معد التحقيق التواصل مع “منظمة الصحة العالمية” في 16 و 28 من آذار/مارس 2019 عبر البريد الإلكتروني، للوقوف على الأمر والاستفسار عن حيثياته، ولم يلق استجابة من المنظمة حتى نشر هذا التحقيق.

قوانين غير مطبّقة

من أبرز الأسباب التي جعلت المستشفيات تتأسس من دون وجود حراقات طبية، هو عدم تطبيق قانون النظافة السوري الذي يلزمها باقتناء هذه الحراقات، وهذا ما جعل غالبية مستشفيات الجزيرة السورية تتخلص من النفايات الطبية بشكلٍ غير آمن.

وكان الفصل الخامس من قانون النظافة السوري، رقم 49 لعام 2004، قد حدد آلية التعامل مع النفايات الطبية، غير أن هذه الآلية لم تكن مطبّقة في شمال شرقي البلاد.

وتنص المادة 23 من القانون على أن مالكي المنشآت الطبية يجب أن يلتزموا فصل النفايات الطبية غير الخطرة عن الخطرة والجارحة، على أن تُكتب عبارات توصيفية عليها، ووضع كل منها في حاويات خاصة.

أما المادة 24 من القانون ذاته، فألزمت القائمين على ترحيل النفايات الطبية وعدم خلطها مع أي نفايات أخرى، ومعالجتها بشكلٍ صحي وآمن، في حين تشير المادة 25 إلى ضرورة تأمين وحدات تبريد لهذه النفايات في حال تخزينها نحو 48 ساعة، وهو ما لا يتم التقيد به حسب ما أثبت هذا التحقيق.

أما عن طرائق التخلّص من هذه النفايات، فهنالك ست، أبرزها “الترميد” أي حرقها بأفران طبية خاصة بدرجة حرارة عالية، وفقًا لوزارة الصحة السورية.

وتضم مدينة القامشلي عشرة مستشفيات خاصة وواحداً عاماً (حكومي)، وعشرات المراكز الصحية، بحسب جدول نشرته مديرية الصحة التابعة لوزارة الصحة السورية.

وتُخلّف هذه المستشفيات نحو طُنّين أسبوعياً، بحسب تقرير نشرته منظمة “روج” للبيئة للعام 2015، لافتةً إلى أن مستشفى صغيراً من 25 سريراً ينتج يومياً ما يُقارب عشرة كيلوغرامات من هذه النفايات.

أضرار على البيئة

لا يتوقّف الأثر السلبي على حرق النفايات الطبية في مكبات القمامة على إصابة العاملين بالأمراض، بل يمتد إلى إحداث تأثير على البيئة من خلال الانبعاثات التي تولدها عملية الاحتراق غير الآمنة.

حرق النفايات الطبية بشكل بدائي يُطلق مجموعة هائلة من الملوثات، منها المعادن الثقيلة مثل الزرنيخ والكروم والنحاس والزئبق والرصاص التي تتراكم في مياه الشرب والتربة والنباتات وأجسام الحيوانات

ويقول عضو مجلس أمناء منظمة “كسكايي لحماية البيئة” المحلية دلبرين محمد: “إلقاء النفايات الطبية مع النفايات العامة يؤدي إلى تغيير تركيبة هذه النفايات، بتغيّر الوسط الذي كانت فيه، وتحولها من مواد عادية إلى مواد سامة وخطرة على صحة الإنسان والبيئة”.

ويشرح محمد أن حرق النفايات الطبية بشكل بدائي يُطلق مجموعة هائلة من الملوثات، منها المعادن الثقيلة مثل الزرنيخ والكروم والنحاس والزئبق والرصاص التي تتراكم في مياه الشرب والتربة والنباتات وأجسام الحيوانات، موضحاً أن وصول هذه المعادن بتركيز عال إلى جسم الإنسان له آثار سامة، وخاصة الرصاص والزرنيخ.

وتشير دراسة صادرة عن “منظمة الصحة العالمية” بعنوان “مخلفات الرعاية الصحية” لعام 2018 إلى أن حرق النفايات الطبية على نحو غير ملائم أو حرق المواد غير الملائمة يتسبب بإطلاق الملوثات في الهواء وإطلاق بقايا الرماد، موضحةً أن المواد المحروقة التي تحتوي على كلور الديوكسينات وفيورانات هي مواد مسرطنة للإنسان ووُجدت صلة بينها وبين مجموعة من الآثار الضارة للصحة.

وأوضحت الدراسة أن مكبات النفايات الطبية من الممكن أن تلوث مياه الشرب إذا لم تكن مبنية على نحو سليم، مشددة على ضرورة استخدام المحارق الحديثة التي تعمل بدرجات حرارة تراوح بين 850 و1100 درجة سلسيوس والمزودة بمعدات خاصة للتخلص من الغازات، وهي فقط التي يمكن أن تمتثل للمعايير الدولية الخاصة بانبعاثات الديوكسينات والفيورانات، حيث يشكل حرق النفايات الطبية، وفقاً لـ “الوكالة الأمريكية لحماية البيئة”، أحد أهم مصادر الديوكسين.

والديوكسين هو الاسم الشائع لمجموعة من 75 مادة كيميائية سامة بحتة تتكون عند حرق النفايات التي تحتوي على الكلور أو أثناء تصنيع المنتجات التي تحتوي على الكلور.

على الرغم من مرور عام على وفاة جيهان ملا علي، لم يزل زوجها ينبش صورهما القديمة، ويستذكر فترة خطبتهما التي استمرت تسعة أشهر، والأيام الجميلة التي عاشاها معاً. يقلق زوج جيهان على مستقبل أطفاله الستة الذين حُرموا باكراً من حنان أمهم التي تحولت من عاملة تساعد الناس على النجاة بأنفسهم إلى ضحية تفقد حياتها جراء مخلفاتهم الطبية.

 *أُنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وبإشراف الزميل أحمد حاج حمدو، نشر على موقع رصيف 22.

شاهد أيضاً

عن الحاجة العربية إلى صحافة سلام استقصائية

بقلم: محمد بسيكي الصحافة هي فن التكيف مع مواقف مختلفة لا حصر لها، وهذا هو …