الإثنين 16 / سبتمبر / 2019
الرئيسية / تحقيقات / “أمّهات قبل الأوان”
دعاوى وتحقيقات تلاحق زيجات القاصرات السوريّات في تركيا

“أمّهات قبل الأوان”

Print Friendly, PDF & Email

تحقيق: علا الحريري – اسطنبول

في الجناح المخصص للولادات، داخل مستشفى “دوغم” الحكومي في ولاية غازي عنتاب التركية، تتمدد اللاجئة السورية نور ش. (17 سنة) على سرير مخصص للنساء الحوامل، استعداداً لوضع مولودها الجديد.

يغمر الأبوين فرح بقدوم المولود المنتظر، لعلّه ينسيهما مرارة النزوح وتعب الترحال والتنقل بعيداً من بلدهما سوريا، مذ استقرا في ولاية غازي عنتاب التركية قبل ثلاث سنوات هرباً من جحيم الحرب السورية.

انتهت إجراءات الولادة، وسارت الأمور بشكل طبيعي، إلى أن حدث ما لم يتوقعا حدوثه عندما رفضت إدارة المستشفى تسليم الطفل الرضيع للأبوين بحجة استخدام الأم بطاقة لجوء “هوية كمليك” مزورة لإخفاء عمرها الحقيقي، لكونها متزوجة تحت السن القانونية، أي 18 سنة، فقررت إدارة المستشفى الاحتفاظ بالرضيع، وإحالة الأم إلى المحكمة على الفور.

عندما وضعت نور حملها، كانت في السابعة عشرة، وعندما تزوجت كانت في السادسة عشرة، كما تقول، وفي الحالتين هي تخالف قانون العائلة الخاص بالزواج، الذي يمنع تزويج الفتيات تحت الـ18 سنة، ومخالفة ذلك تعتبر جريمة يسميها القانون “جريمة الاستثمار الجنسي”، وحكمها عقوبة السجن من 8 حتى 15 عاماً، بحسب المواد 103 و104 و105 من قانون العقوبات التركي.

وعلى رغم أن القانون المانع لزواج القاصرات في البلاد يسري أيضاً على الأجانب المقيمين على الأراضي التركية ومنهم اللاجئون السوريون، لكن نقص المعرفة، وعدم الوعي بتبعات هذه الزيجات قانونياً، فضلاً عن قصور دور منظمات المجتمع المدني وغياب الرقابة الاجتماعية من منظمات وجمعيات أهلية في التوعية، عوامل أدت إلى انتشار هذه الزيجات بين السوريين.

تقدر “منظمة الصحة العالمية”، أن حوالى 16 مليون فتاة حول العالم تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة، ومليون فتاة دون الـ15 سنة يلدن سنوياً.

وبحسب إحصاءات للبنك الدولي عام 2017، فإن معدل حمل الفتيات بين الـ15 والـ19 سنة في سوريا، هو 39 حالة زواج لكل ألف فتاة.

السورية نور، واحدة من لاجئات سوريات كثيرات يعشن في تركيا، وكنّ تزوّجن وهن دون الثامنة عشرة، على الأراضي التركية أو في البلد الأم سوريا، لكن دخولهن الأراضي التركية كلاجئات بعد الزواج ووضعهن مواليد وهن تحت السن القانونية في المستشفيات، وعدم معرفتهن الكاملة بتبعات هذا الزواج، يجعل والد الفتاة المتزوجة وزوجها إن كان بالغاً (فوق الـ18 عاماً) عرضة للمساءلة القانونية بعد ضبط هذه الزيجة، وفق ما يقوله المحامي المتخصص، حيدر هوري، والمتابع لهذه القضية عن كثب في تركيا.

ويعتبر القاصر قانوناً هو كل إنسان لم يتم الثامنة عشرة، هكذا يقول رئيس تجمع المحامين السوريين في تركيا (تجمع من محامين سوريين يتولى متابعة قضايا اللاجئين في القضاء والمحاكم) غزوان قرنفل، ويضيف أنه بموجب قانون الأحوال الشخصية السوري، المادة 85، فإنه لا تتم أهلية القاصر إلا بإتمامه الثامنة عشرة، بمعنى أنه قبل ذلك يكون ناقص الأهلية.

“وبالنسبة إلى قانون حماية الطفل في تركيا، رقم 5395، فقد عرف القاصر بأنه كل شخص دون الثامنة عشرة”، يضيف قرنفل.

في حين يعرّف الزواج المبكر بأنه زواج الشخص الذي يقل عمره عن الثامنة عشرة، “ومن وجهة نظر القانون التركي لا يعتبر زواجاً، ويصنف على أنه جريمة اعتداء جنسي على قاصر”، يردف قرنفل.

وتبعات هذا “الاعتداء” تكون “إحالة مثل هذه الحالات التي يتم ضبطها عادة في المستشفيات أثناء الولادة أو أثناء اكتشاف الحمل، عندها يتضح بأن سن الفتاة دون الـ18، إلى النيابة العامة التركية، والتي تقوم بدورها بتحريك الدعوى ومن ثم توقيف الزوج وولي أمر الفتاة، وأحياناً يتم توقيف الفتاة ومن ثم إحالتهم إلى القضاء جميعاً” على حد قوله.

تحليل DNA للطفل

قررت إدارة المستشفى في غازي عنتاب إخراج نور منها، بعد التأكد من تعافيها من آثار الولادة، وبقي الطفل في المستشفى الذي طلبت إدارته منها لاحقاً إجراء تحليل “دي إن إي” (DNA) لإثبات هويته ومعرفة أنه فعلاً ابنها، فوقعت الأم في مأزق آخر.

تقول نور التي اعترفت بدورها لمعدة التحقيق بتزويرها بيانات عمرها واسمها الحقيقيين: “وكّلتُ لأجل ذلك محامياً سورياً لكي يسير في إجراءات الفحص، ولأخذ عينة من دم الطفل لإجراء التحليل، لكن المحامي لم يستطع، فاضطررتُ لتوكيل محام آخر تركي الجنسية، وأنا الآن أنتظر نتيجة التحليل، حتى يسمحوا لي بأخذ طفلي من المستشفى، على رغم أنهم يسمحون لي برؤيته، فأذهب لزيارته كل 3 أيام، لأن المستشفى بعيدة من منزلي، وهناك مسافة طويلة لذا تتعذر علي زيارته يومياً”.

لقد مضى على ولادة نور نحو شهرين و5 أيام لغاية مقابلة معدة التحقيق مع الأم في 25 كانون الثاني/ يناير 2019 ولم يتغير شيء، لا تزال تنتظر نتيجة التحليل وعودة مولودها إليها، بالكثير من التفاؤل.

وفي حال لم يعد، أشارت إلى أن المحامي أخبرها بأنه سيقوم برفع دعوى ضد المستشفى، وهذا ما بث الطمأنينة والحياة مجدداً في عروقها.

تقول “أعرف فتاة لديها القصة ذاتها، ولدت طفلاً منذ 7 أشهر وظهرت نتيجة التحليل منذ أيام، وباستطاعتها الآن أخذ ابنها من المستشفى”.

التحليل الذي تتحمل الدولة ممثلة بوزارة الصحة نفقته أراح الأم، لكن أتعاب المحامي الذي يسير في إجراءات نسب الطفل وتحليل الـ DNA، والتي بلغت نحو 7 آلاف ليرة تركية (1200 دولار)، أوقع أفراد العائلة في ورطة الاستدانة لكونهم لا يملكون من المبلغ ليرة واحدة، وفق نور.

قصة حب

تشعر نور الآن بالندم لأنها زوّرت اسمها وعمرها، لكن ما دفعها إلى ذلك هو خوفها الشديد من اكتشاف عمرها الحقيقي، وهي التي تزوجت ابن عمها (20 سنة)، بعد قصة حب كما تقول، وتقيم في منزل مع أهل زوجها الآن، في حين يسكن أهلها في ولاية أضنة جنوب تركيا.

تقول: “أنا حزينة لأن طفلي ليس في حضني لكن ما باليد حيلة، إن شاء الله بعد يومين، يكون في حضني، في المستشفى هناك عناية بالأطفال، وكل مرة أذهب فيها لزيارة طفلي يكون نظيفاً وغير جائع، ولم أستطيع إرضاعه بشكل طبيعي، لأنني اضطررت في الفترة الأولى إلى الذهاب إلى المحكمة يومياً، ولم أكن أستطيع الذهاب إلى المستشفى لإرضاعه”.

تضيف: “في المستشفى قالوا لي إن ابني يشبهني، لكنهم بحاجة إلى إثبات قانوني، أشعر بحزن كبير لأنني لم أستطع إرضاعه، لقد توسلتهم مراراً وكانوا يرفضون في كل مرة السماح لي”.

في قاعة المحكمة     

للفتاة مروة اليوسف (اسم مستعار) وهي في السابعة عشرة، والمتزوجة من ابن خالتها الذي يعمل خياطاً قبل عامين عندما كانت في الخامسة عشرة، قصة أخرى تتشابه في نهاياتها مع قصة نور، لكن تضم في فصولها أنواعاً أخرى من المعاناة والتي انعكست بشكل مباشر على حياتها في تركيا التي لجأت إليها بعد خروجها من سوريا.

الفتاة الدمشقية التي تنحدر من حي الميدان الشهير، لم توثّق زواجها الذي عُقد في سوريا، أمام الجهات المعنية التركية، وبالتالي لا يوجد أي مستندات يمكن الركون إليها لمعرفة وضعها الاجتماعي في السجلات الرسمية التركية، وقد أنجبت طفلة من زواجها هذا، وهي الآن في عمر السنة.

تقول: “ولدت طفلتي في مستشفى (باغجلر) الحكومي في اسطنبول، لم يتم استجوابي أو توجيه أي سؤال لي خلال عملية الولادة داخل المستشفى، لكن بعد سنة من الواقعة، تواصل معي قسم الشرطة (الأمنيات) وطلبوني للمراجعة، فذهبت إليهم حيث تم التحقيق معي. لقد راجعوا ملفاتي، وأعطوني موعداً لمراجعة المحكمة بعد 4 أشهر”.

عندما دخلت مروة إلى قاعة محكمة بكركوي في مدينة اسطنبول بعد تحويلها من قسم الشرطة، وجدت أمامها في القاعة مترجماً، وطبيبة نفسية، وقاضياً، وكاتبة، تقول: “لقد وجهوا إلي الكثير من الأسئلة عن حياتي الشخصية، مثل هل أنت نادمة على زواجك، هل تحبين زوجك، هل هناك أحد أجبرك على الزواج، هل تعملين الآن؟ وكان هذا السؤال مهماً بالنسبة إليهم لأنهم لا يسمحون للمرأة المتزوجة في سني بالعمل خارج المنزل، كما أنهم منعوني من الحمل لمدة 3 سنوات أخرى”.

حتى الآن لا تعرف مروة ما الخطأ الذي ارتكبته “فالزواج بهذا العمر، منتشر في جميع أرجاء سوريا، وليس في عائلتي فقط، حيث أنني تزوجت قبل أن آتي إلى تركيا، ولدي أوراق تثبت ذلك، ولا يوجد خطأ أو عيب في زواجي” تقول لمعدة التحقيق.

وعلى حد قولها هي “تعرف الكثير من الزيجات التي تمت بعمر الـ12 والـ13 سنة، أي بمجرد بلوغ الفتاة الحيض، يكون باستطاعتها الزواج ولا مانع من ذلك”.

تضيف: “كثر من أصدقائي هنا لديهم الحالة نفسها، لم يتعرضوا للسجن، لكن حددوا لهم مواعيد كثيرة في المحكمة قبل أن يصدروا بحقهم حكماً بالبراءة، كما أنهم دفعوا مبالغ كبيرة وصلت إلى 20 ألف ليرة تركية، كحد أعلى (3660 دولاراً)  و5 آلاف ليرة تركية (915 دولاراً) بالحد الأدنى، لقاء نفقات وأتعاب محامين وتنقلات ورسوم وغيرها”.

في الوقت نفسه، تخاف كثيراً على زوجها من تبعات اكتشاف السلطات زواجهما المبكر وإنجابهما طفلاً، وهما تحت السن القانونية للزواج، وهي في انتظار موعد آخر للمحاكمة.

تقول: “أنا حالياً أشعر بالخوف من أن يأخذوا زوجي لأنني أحبه كثيراً، وفي حال صدور قرار بسجنه، قد نعود إلى سوريا، على رغم أنه مطلوب لتأدية خدمة الاحتياط العسكري في الجيش السوري”.

حجم الظاهرة

أصبحت ظاهرة الزواج المبكر بين الفتيات السوريات تحت السن القانونية في تركيا وفي بلدان اللجوء الأوروبية، بمثابة كرة ثلج تتدحرج وتكبر، وسط نقص التوعية بمخاطر هذا الزواج وطبيعة المشكلات النفسية التي قد تتركها النتائج على الزوجين وعلى الأطفال، وقد خرجت للعلن مع تركيز وسائل الإعلام عليها، للمساهمة في نشر الوعي واستنباط حلول قد تساهم في الحد من هذه الظاهرة.

في تقرير نشره موقع “العربي الجديد”،  تحت عنوان “أمهات قاصرات في تركيا¨ بتاريخ 15  آذار/ مارس 2018، تبين استقبال أحد المستشفيات في الأشهر الخمسة الأولى فقط من العام الماضي، 115 حاملاً قاصراً، ولم يتم إبلاغ الشرطة عنهن، من بينهن 39 سورية، والأخريات من تركيا، ومن ضمن العدد الكامل 38 قاصراً دون الخامسة عشرة.

وهذا ما دفع بالسلطات التركية إلى فتح تحقيقين منفصلين، الأول خاص بموظفين عموميين متهمين بالإهمال في أداء العمل، والثاني خاص باستغلال الأطفال.

وتمكن الادعاء العام من إجراء تحقيقات مع 20 متهماً، ومع 50 من القاصرات بحضور مختص نفسي. أظهرت التحقيقات أنّ جميع القاصرات الحوامل يسكنّ في أحياء مدينة إسطنبول التي تشهد كثافة سكانية من النازحين من شرق تركيا وجنوب شرقها.

في هذا الإطار، في السويد البلد الذي يستقبل حوالى 110 آلاف لاجئ سوري يشكلون ثاني أكبر جالية في البلاد، وفقاً لأرقام مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لغاية عام 2016، تم الكشف عن زواج 132 طفلة من اللاجئات القاصرات بأشخاص بالغين، مندون تحديد جنسية هؤلاء اللاجئات، وهو ما دفع مصلحة الضرائب إلى تشديد قواعد تقييم حالات زواج الأطفال وتسجيلها، وحتى إن كانت هناك سلطات أخرى وافقت على هذا النوع من الزواج.

أما في ألمانيا، والتي تستوعب 699 ألف سوري، يشكلون ثالث أكبر جالية في البلاد، وفق مركز الإحصاء الاتحادي لعام 2018، وبحسب وزارة الداخلية الاتحادية، وصل عدد القاصرات اللواتي تم تسجيل زواجهن إلى 1475 فتاة، من بينهن 361 تحت الرابعة عشرة من العمر، الأمر الذي دفع وزارة العدل إلى تقديم مشروع قانون بعدم الاعتراف في ألمانيا بعقد زواج أجنبي، في حال كان أحد الشريكين تحت الـ18.

ولادة لكن بشروط!

حين قررت إسراء محمد (اسم مستعار) وعمرها 15 سنة، الذهاب إلى المستشفى الحكومي في ولاية كلس التركية لوضع طفلها الأول، رفض المستشفى استقبالها، فقررت الذهاب إلى مستشفى خاص، لكنها لم تدخله أيضاً.

تقول: “صرخت الطبيبة في وجهي وقالت لي أنت صغيرة، والطفل صغير، ولا أستطيع تحمل المسؤولية لأن احتمال وفاة أحدكما أثناء الولادة وارد جداً”.

تضيف شارحة حالها وقتذاك “أنا كنت في ذروة آلام المخاض، والطفل كاد يخرج من بطني، ولم نعلم إلى أين نذهب إلى أن وضع الله في طريقنا قابلة قانونية، وافقت على مساعدتنا، لكنها اشترطت علينا إخلاء نفسها من المسؤولية في حال حدث لي أو للطفل أي شيء، وما كان لنا إلا أن نقبل لأننا لا نملك خياراً آخر”.

يقول رئيس قسم الأمراض النسائية في مستشفى (ميديكال بارك) في اسطنبول، الدكتور سوات إرشاهين، “إن الزواج بعمر مبكر له تأثير سلبي في صحة المرأة والطفل، إذ تبدأ هذه الأعراض بالظهور منذ أيام الحمل الأولى بالقيء المستمر وفقر الدم وارتفاع نسبة حدوث الإجهاض والولادات المبكرة، ويعود ذلك لاحتمال حدوث خلل في الهرمونات الأنثوية أو عدم تأقلم الرحم مع الحمل، وهو ما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي إلى نزيف، وبالتالي تحدث ولادات مبكرة، كما يمكن أن تعاني الفتاة صغيرة السن من ارتفاع حاد في ضغط الدم، قد يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات وزيادة احتمال العمليات القيصرية”.

ويؤكد الطبيب أن الحمل في سن مبكرة “يرفع نسبة احتمال حدوث تشوهات عظمية في الحوض والعمود الفقري، كما يمكن أن يؤثر في صحة الجنين واختناقه في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية التي تغذيه”.

وتتسبب الولادة المبكرة بقصور في جهاز الجنين التنفسي، لعدم اكتمال نمو الرئتين وحدوث اعتلالات في الجهاز الهضمي وتأخر النمو الجسدي والعقلي، وزيادة الإصابة بالشلل الدماغي والإعاقات السمعية، بحسب إرشاهين.

تكرار التجربة

ما مرت به إسراء من آلام وأوجاع لإنجاب المولود الأول، لم يثيها عن تكرار التجربة بالحمل والإنجاب مرة أخرى، غير آخذة بالحسبان أن زواجها المبكر سوف يكتشف لدى دخولها المستشفى ووضع طفلها الثاني، وكانت تبلغ من العمر حينها 16 سنة.

تقول: “حين كنت حاملاً بالولد الثاني، قصدت مستشفى الشهيد كامل الحكومي، فاضطروا لاستقبالي لأن الطفل كاد يخرج من بطني.. أدخلوني غرفة المخاض بسرعة، وبعدما وضعت طفلي أخذوا بياناتي الشخصية، سرعان ما جاءت الشرطة لإجراء تحقيق معي، فأجبروني على البقاء في المستشفى 12 يوماً”.

خلال هذه الفترة بقيت الطفلة في الحضانة داخل المستشفى، فيما كانت الأم تخضع لتحقيق واستجواب، وتم أخذ بصمات أصابعها، وفي النهاية سمح لها بالخروج من المستشفى برفقة ابنتها الرضيعة.

تقول: “شعرت حينها بأنني سجينة وتم الإفراج عني، وعهدت إلى نفسي ألا أحمل مرة أخرى قبل أن أكمل الـ20 سنة”.

 سوق “سوشيال ميديا”

تشكل بعض المجموعات الخاصة، والصفحات المختصة بشؤون الفتيات والنساء على مواقع التواصل الاجتماعي، منصةً للنقاش حول زواج القاصرات وأمور اللاجئين في مجتمعاتهم عموماً. وتشكل هذه الصفحات ما يعرف بأماكن يتم فيها تدبير زيجات، إذ تستطيع إحداهن طرح حاجتها لزوجة (عروس) لابنها أو قريبها بمواصفات ما، كتحديد العمر والطول ومكان السكن، فتنهال العروض.

معدة التحقيق رصدت الكثير من الحالات، وتواصلت مع فتيات، لكن كان صعباً الكشف عن أسمائهن الحقيقية بسبب حساسية الموضوع. تقول سمر (اسم مستعار) إنها تزوجت بعمر الـ14 سنة، ووضعت طفلها في الـ15 سنة، في مستشفى خاص في اسطنبول، ولم تلد في مستشفى حكومي، خوفاً من الإجراءات إلى أن اضطرت إلى زيارة مركز خاص لتلقيح ابنها.

هناك فتح القائمون على المركز تحقيقاً معها عن تفاصيل زواجها وتوقيته، لتسارع الشرطة بدورها في اليوم التالي، إلى استجوابها ومن ثم سجن والدها والبحث عن زوجها الذي ما زال هارباً حتى الآن، كما كتبت حين سردت قصتها.

الخبير الاجتماعي، عادل حنيف أوغلو، الذي عمل عامي 2012 و2013 على توثيق 11 حالة زواج فتاة قاصر منها 9 حالات تكللت بالفشل، يقول “إن العائلات السورية تتستر على هذه الحالات بشدة… حتى المجنسون يزوجون بناتهم القاصرات، على رغم علمهم بأنها (جريمة) بحسب القانون التركي”.

إحصاءات وأرقام رسمية

*405 آلاف و521 طفلاً سورياً ولدوا في تركيا حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

المصدر: وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، 22 شباط/ فبراير 2019

*ولاية أورفة جنوب تركيا من بين الولايات الأبرز من حيث عدد مواليد السوريين.

*400 طفل سوري يولدون في تركيا يومياً.

*نصيب ولاية أورفة من 50 إلى 55 طفلاً في اليوم.

المصدر: رئيس مركز أبحاث الهجرة، محمد مراد أردوغان 25، تشرين الأول/ أكتوبر 2018

* أكثر من نصف مليون طفل سوري ولدوا في تركيا دون الأربع سنوات، لا يملكون أي جنسية.

*يقدّر العدد الحالي للمسجلين تحت الحماية الموقتة بحوالى 3 ملايين و500 ألف.

*المصنفون من دون جنسية من الأطفال والرضع تحت سن الأربع سنوات ولدوا في تركيا، عددهم 535 ألفاً و826 طفلاً.

المصدر: إدارة الهجرة واللجوء التركية، ومؤسسة الرقابة العامة، 25 آب/ أغسطس 2018

اضطرابات نفسية لا تنتهي

الزواج المبكر لا يترك أثراً صحياً سالباً على حياة الفتاة فحسب، بل يتعداه إلى أزمات نفسية عميقة يصبح من الصعب تجاوزها والتغلب عليها مع مرور الوقت، بالنسبة إلى الفتاة، وأطفالها. ترى المختصة النفسية، أمنية ترك، أن الزواج المبكر “يحرم الفتاة من حنان أبويها ومن حقها في اختيار الزوج المناسب، ويسرق منها طفولتها”. وتوضح أن “عدم تفهم الفتاة للحياة الزوجية والمسؤولية الملقاة على عاتقها، ينتج في بعض الحالات ضغوطاً كبيرة، كما أن الاضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين ناتج عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة، ما يؤدي إلى عدم نجاحها، وعدم التكيف معها نتيجة للمشكلات الزوجية”.

جانب آخر يؤثر في الأطفال الذين تكون أمهم قاصراً، هو “اتخاذها قرارات غير سليمة لأنها غير مهتمة وغير قادرة على تعليم أبنائها، لأنها لم تكتسب ثقافة تربية الطفل فضلاً عن حرمانها من حق التعليم الذي له أثر سلبي عليها وعلى أطفالها”.

تضيف: “عندما تكبر الفتاة تكتشف أنها تزوجت الشخص غير المناسب، أي ليس الزوج الذي كانت ترغب بالحياة معه، وأنها استخدمت كسلعة فقط”.

رأي الدين

أصل الزواج لا يكون إلا بالكفاءة بين الزوج والزوجة، والكفاءة في عقد الزواج مطلب شرعي، ويؤكد الدكتور محمد نادر، المدرّس في جامعة كرابوك التركية أنه “إذا زوُجّت الفتاة من غير رضاها فلا خيار غير فسخ عقد النكاح عند أكثر الفقهاء”.

وبحسب الدكتور نادر، فإن “القاصر ربما لا تقدّر الكفؤ المناسب لها، لذلك نصّ الفقهاء على أن الكفاءة حق أصيل للمرأة فلا يجوز حملها على إسقاط هذا الحق، ولا إكراهها على التنازل عنه، وجعله بعض الفقهاء شرطاً في الزواج، والزواج من القاصر منعدم الكفاءة وقد جعل الشرع للقاصر ذمة مالية مستقلة وجعل تصرف الولي في مال القاصر منوطاً بالمصلحة، بحيث لا يجوز التصرّف بمالها إلا بما فيه منفعة ومصلحة لها، واعتبار المصلحة في الزواج أشد تأثيراً وأوجب شأناً من المال، لأن العرض أكرم وأعز من المال”.

حلول لمعالجة الظاهرة

أمام هذا الواقع وانعدام الحلول الناجزة لتخفيف تبعات استمرار حالات الزواج المبكر في تركيا بين السوريين، أو التقليل منها، سواء تم هذا الزواج على الأراضي التركية أم في سوريا، يبدو مستقبل هذه الزيجات غامضاً وأمام واقع مواجهة القانون التركي الصارم، وستبقى نور ومروة بانتظار ما ستؤول إليه نتائج المحاكمات وسط شعورهما بخوف من أي نتائج قد تؤثر في حياتهما، وهنا ينصح المحامي السوري حيدر هوري، بتجنب الزواج قبل الـ18، لما لهذا الزواج من تداعيات سلبية، “هناك الكثير من الحالات، التي تحركت بحقها دعاوى في تركيا” على حد قوله.

فالقاصر التي يُكتشف زواجها، تكون أمام مصيرين: إما يتم تحويلها إلى دار للرعاية الخاصة بالقاصرين، أو تُعاد إلى بيت العائلة مع تعهد الأهل بعدم إرسالها إلى بيت زوجها مرة أخرى.

هوري من جهة أخرى، ينصح كل شخص تزوج من فتاة قاصر في تركيا، بمحاولة تثبيت زواجه بطريقة أو أخرى في سوريا لتجنب العقوبة، لأن الزواج إن كان مثبتاً رسمياً في المحاكم الشرعية السورية، فإن ذلك من أسباب رد الدعوى وعدم معاقبة الزواج لأن الفعل لا يشكل جرماً في بلده.

*أنجز هذا التحقيق بدعم من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وبإشراف الزميل محمد بسيكي، ضمن مشروع سوريا في العمق (Syria In Depth) بالتعاون بين مؤسسة الغارديان البريطانية ومنظمة دعم الإعلام العالمي IMS، ونُشر بموقع درج

شاهد أيضاً

“موت بمخلّفات الحياة”… كيف تفتك النفايات الطبية بحياة عاملين في مستشفيات سوريّة؟

تحقيق: عباس علي موسى – القامشلي لم تكد تكمل جيهان ثلاثة أيام في مستشفى “الحكمة” …