الإثنين 16 / سبتمبر / 2019
الرئيسية / تحقيقات / “البطلة المُتهمة بجلب العار”… قصص نساء تحرّرن من الاعتقال فحاصرتهنّ زنازين المجتمع

“البطلة المُتهمة بجلب العار”… قصص نساء تحرّرن من الاعتقال فحاصرتهنّ زنازين المجتمع

Print Friendly, PDF & Email

 تحقيق: علي الابراهيم– اسطنبول

يرنّ هاتفي مجدداً بعد ساعة من الانتهاء من مقابلة صحافية على الحدود السورية – التركية. خلال المكالمة تطلب مني سيدة خمسينية التحدث مع ابنها الكبير أحمد لأخبره كم كانت شهادة شقيقته المعتقلة سابقاً، هند، ثمينة لخدمة القضية السورية، وكيف يمكن لعرض قصتها على الإعلام وحديثها عما جرى لها، أن يساعد آلاف الناجيات السوريات من معتقلات النظام السوري في بدء حياة جديدة في مرحلة ما بعد الاعتقال.

يقطع الشاب حديث والدته ليقول لها: “ألا يكفيكم ما حصل لنا؟ لقد باتت سمعتنا في الأرض”. جرى ذلك بعد لقاء مع هند صالح، وهي شابة في العقد الثاني من عمرها.

تردّدت الشابة في الخوض بتفاصيل تجربتها في أحد فروع المخابرات العسكرية في دمشق عقب اعتقالها منتصف آب/أغسطس 2017 على خلفية تهمة “تشابه أسماء”، إضافة للتفاصيل المتعلّقة بالمرحلة التي تلت خروجها من المعتقل بعد تسعة أشهر ونصف.

في ريف حماه، وسط سوريا، رفضت العائلة أن تتحدث معنا عن قصتها بشكل منفرد، وإن كان ذلك عبر سكايب، وطلب شقيقها الأكبر أن يكون موجوداً معنا خلال اللقاء. وبعد محاولات عدة استطعنا الاتصال بها، بوجود شقيقها.

خلال حديثنا الممتدّ لأكثر من ساعة، كانت صورة الشاب هي الظاهرة على الشاشة فيما يتردّد صوت هند المتقطع بهدوء في الخلفيّة. كان واضحاً من كلماتها أنها تردّدت في لقائنا، ليس لذكريات العذاب الذي تعرّضت له في زمن الاعتقال في سجون ومعتقلات النظام السوري وحسب، بل أيضاً لما تتعرّض له من شماتة وتشهير وحرب نفسية يشنّها أفراد يدعي بعضهم الحرص على سمعتها، و يلومونها على الاعتقال.

تروي هند: “بعد إطلاق سراحي، كان أول سؤال طُرح علي هو هل تعرّضتُ للاغتصاب. كان هناك رفض اجتماعي خاصة من المحيط… كلهم لم يتحدثوا معي”.

تصمت الشابة لدقائق وتُتابع: “خرج شاب من بلدتي منذ أشهر، كانت أصوات الرصاص تُسمع في كل مكان، بينما أنا لم يُحدثني أحد سوى ببضع كلمات، لم أعرف لليوم سبب هذا التمييز، لقد حمّلني المجتمع ذنب الاعتقال واتهمني بأن ما حصل هو عار. أتذكر جيداً لحظة وصول الشاب الذي كان معتقلاً، فقد خرج بعد أيام من إطلاق سراحي، وقتها استُقبل بالزغاريد وإطلاق الرصاص وأُقيمت له الحفلات، كأنهم يستقبلون بطلاً….”.

“أتمنى أن أفقد ذاكرتي فربما يكون ذلك أهون عليّ من الرعب الذي ما زلت أعيشه يومياً رغم مغادرتي سوريا بعد الإفراج عني، ويُخلصني من النظرات الممزوجة حيناً بالشفقة وحيناً باللوم أو الاستغلال”، تختم هند كلامها، فيما شقيقها الأكبر أحمد يضرب كفه على جبينه ويُمرّر يده في شعره.

بعد الكابوس… كوابيس جديدة

يضع اعتقال النساء السوريات خطاً فاصلاً بين ماضيهن ومستقبلهن في حال إطلاق سراحهن، لأن تداعيات الاعتقال اجتماعياً وأُسرياً كثيراً ما تتسبب لهن بعزلة قسريّة، إذ يخشين الحديث عما جرى معهنّ، أو الإفصاح عن الانتهاكات التي تعرضن لها، خوفاً من العار مدى الحياة، وسط غياب أية مساعدة اجتماعية ونفسية لهؤلاء الناجيات، اللواتي لا ينتهي كابوسهنّ حتى بعد الخروج من المعتقل، بل تبدأ كوابيس جديدة.

خلال عملية البحث في هذا التحقيق الاستقصائي، وعلى مدار أربعة أشهر، كانت معظم الجهود رغم قلتها تنحصر في تقديم ورشات التوعية في بعض دول الجوار والمراكز المحدودة في الداخل السوري، إلا أن حجم المأساة التي تتعرّض لها الناجيات أكبر بكثير مما هو مُقدّم.

وثّق تقرير لـ”منظمة العفو الدولية”، حمل عنوان “إنه يحطّم إنسانيتك: التعذيب والمرض والموت في سجون سوريا”، المشاكل النفسية والطبيّة الناتجة عن احتجاز النساء، إذ أكد عدد من النساء للمنظمة أن أسرهن لم تعد على اتصال بهن بعد الإفراج عنهن، لأسباب من بينها المواقف الاجتماعية التي تنطوي على تمييز ضد المعتقلات السابقات، والتي تفترض سلفاً أنهن تعرضن للاغتصاب في السجن.

تعذيب امرأة

وصف تقرير مجموعة من المنظمات غير الحكومية حول “الانتهاكات الواقعة على النساء في سوريا والأثر المجحف للنزاع عليهن” بالتعاون مع مركز المجتمع المدني والديمقراطية، تجربة الاحتجاز وما بعده بالقول: “في سعيها الدائم لتدمير نسيج المجتمع السوري، كان اعتقال النساء تكتيكاً متعمداً من قبل الحكومة السورية لوضع العائلة كلها تحت ضغط نفسي شديد في مجتمع أبوي يربط الشرف بأجساد النساء، مما حفّز كثيراً من العائلات للدفع ببناتها للسفر خارج البلاد”.

في شهادتها، تقول هند عن وضع النساء داخل السجون: “عانيت أنا والعشرات من المعتقلات في السجن كثيراً، مارسوا عليّ التعذيب دون رحمة، حتى دخلت في حالة شبه إغماء، شاهدت فتيات فقدن وعيهن في المعتقل من كثرة العذاب الجسدي والنفسي، أتذكر أن شابة صغيرة لا تتجاوز 15 عاماً فقدت عقلها من هول ما يحصل، كنا نُعذّب نفسياً وجسدياً، كنا في جهنم”.

بطلة… وتجلب العار

في مقابلة مع فريق التحقيق، تؤكد السيدة نور برهان، إحدى مؤسسات شبكة “أنا هي” التي تدعم المرأة السورية في ممارسة دورها في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية داخل سوريا، أن “التعاطي في قضية الناجيات يختلف في المجتمعات المحلية وذلك حسب طبيعة المنطقة وحسب تقبل عائلتها، وتُعتبر في بعض المناطق بطلة وبحاجة للدعم وفي بعض المجتمعات تُعتبر عاراً وتتعرّض للنبذ من المجتمع وتلحق بها وصمة العار وتجنب طلبها للزواج أو تشغيلها مثلاً”.

تُضيف برهان: “في حالات اسوأ يتم نفيها اجتماعياً، كأن تُطلق من الزوج أو تُطرد من بيت الأهل أو تُجبر على الزواج بالشخص غير المناسب كشكل من أشكال ستر العار وتجنب الفضيحة، وفي الكثير من الأحيان لا تجد الناجيات مأوى يعشن فيه كما رُصدت حالات عدة يتم فيها قتل الناجية”.

تكشف أرقام “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” جانباً مرعباً حول وضع النساء في سوريا، من بينهن النساء المعتقلات في سجون النظام السوري.

وقد أكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة في لقاء مع مُعدّ التحقيق، أن “هناك معاناة خاصة بالنساء اللواتي تمّ إطلاق سراحهنّ، تندرج في إطار نوع آخر من العنف الذي تتعرض له النساء، وهو الرفض المجتمعي والنبذ وخاصة إذا كانت الناجية تعيش في منطقة تحت سيطرة النظام السوري، فإن المرحلة التي تلي إطلاق سراحها هي الأصعب في حياتها لما تتعرض له من رفض ولوم من المجتمع المحيط”.

سجن جديد

ميسون، وهي سيدة سورية في العقد الرابع من عمرها، أم لـ3 أولاد من مدينة درعا السورية، معتقلة سابقة في سجون النظام السوري على خلفية خروجها في إحدى التظاهرات، جنوب البلاد. اعتُقلت في شهر آذار عام 2012 سنتين و3 أشهر، وتنقلت ما بين فرع الأمن العسكري المعروف بـ “215” في حي كفرسوسة الدمشقي، وسجن عدرا، إلى أن تمّ الإفراج عنها منتصف 2014.

وهي تقيمُ اليوم في إحدى دول الجوار السوري، وتعاني مشاكل نفسية كثيرة، تتجلى في شعورها الدائم بالخوف نتيجة حالة الشتات والضياع التي تعيشها في منفاها، الذي فرضه عليها أهلها ومجتمعها.

تقول والدمع يملأ وجنتيها: “بعد خروجي من السجن فوجئت بانفصال زوجي عني لأنني كنت معتقلة. خرجت من سوريا كلها، لا أريد العودة لهذه البلاد التي تعتقلني بين جدرانها ونظرات المجتمع، كل ما أحاول صنعه اليوم، هو التركيز على قضية المعتقلات في سجون نظام الأسد، ومساعدة الناجيات في التغلّب على الصعوبات التي يمكن أن تواجههنّ”.

واجهت الناجيات من معتقلات النظام السوري صعوبات كثيرة للعودة والتأقلم مع الحياة بعد خروجهن، خاصةً بعد ظروف بالغة القسوة واجهتهن خلال الاعتقال لما يصفه متخصصون بعادات المجتمع المُحافِظة، بيد أن عدداً لا بأس به من الناجيات من السجون السورية تمكنّ من إكمال حياتهن ومواجهة المجتمع.

يقول محمد عبد السلام، وهو طبيب نفسي يعمل الآن بشكل غير رسمي مع ضحايا التعذيب الآخرين في محافظة إدلب، شمال سوريا: “عندما تخرج النساء من السجون في سوريا، يُعامَلن من جانب المجتمع معاملة قاسية وهو ما يمكن أن يحطم حياتهن. وهكذا بدلاً من أن يُعاملن كنساء لهن كرامتهن، قد يقول رجل لإحداهن (لا مانع عندي في أن أتزوجك)”.

تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تسعى إلى حماية ومساعدة ضحايا النزاعات المسلحة من خلال قيامها بزيارة المحتجزين وجهودها لإعادة الاتصال بين الأقارب، إلا أن الواقع على الأرض في سوريا مختلف تماماً فلا وجود لأي فرق للصليب الأحمر الدولي تعمل بهذه الخصوص.

وتؤكد سماح حديد، مديرة حملات الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية، إنه “يجب على المجتمع الدولي، وخاصة إيران وتركيا وروسيا، الضغط على الحكومة السورية، وجماعات المعارضة المسلحة، لوضع حد لكلّ أشكال العنف، والتمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي”.

أوراق للمساومة

بحسب تقرير أصدرته المؤسسة “الأورو متوسطية للحقوق” بعنوان، “سوريا ورقة حقائق حول العنف ضد النساء 2017″، فإن المعتقلات يتعرضن بعد خروجهن من المعتقل إلى العنف الأسري، فقد جرى تطليق بعضهن من أزواجهن، كما قام أهالي بعض المعتقلات بقتلهن.

وورد في تقرير، بعنوان “احتجاز النساء في سوريا: سلاح حرب ورعب 2015″، أن النساء يُعانين من جرّاء التجارب المرعبة التي يعشنها أثناء الاحتجاز من صدمة نفسية شديدة بعد الإفراج عنهن، بما في ذلك درجات مختلفة في القلق واليأس، الاضطراب النفسي اللاحق للصدمة، فقدان أي معنى للحياة، بروز شعور بانعدام الجدوى، وفي بعض الأحيان يُفضي تدهور حالة المرأة بعد الإفراج عنها إلى الانتحار.

تقول غالية، وهي سيدة سورية في العقد الرابع من عمرها تعمل متطوعة على تعزيز السلام للناجيات من خلال مشاركة فاعلة للمرأة في المجتمع السوري: “اعتُقلت النساء خلال الثورة السورية من قبل قوات النظام السوري بشكل ممنهج لاستخدامهن كسلاح حرب في الضغط على المجتمع والمعارضة والمساومة”.

الحقوقية نور نصار، التي تعمل في مدينة إدلب شمالي سوريا، تُبدي أسفها على طريقة تعامل المجتمع مع المعتقلة، مضيفة أن ما تعانيه داخل السجون من تعذيب نفسي وجسدي يجعل منها شخصية لا تستطيع التكيّف أصلاً مع محيطها الخارجي، خاصة إذا استُخدمت ورقة ضغط من قبل النظام على أقاربها المنتمين للمعارضة المسلحة فيغتصبها عناصر الأمن داخل السجن مراراً، ولدى خروجها تكون بحاجة للملمة ذاتها بمعونة المقربين، ولكن هذا ما تفقده في مجتمعها، فتُنبذ نبذاً بعيداً لدرجة أن البعض يرى في موتها راحة لها وله.

مريم، معتقلة سابقة، فضلت عدم الكشف عن اسمها الكامل لكون زوجها لا يزال رهن الاعتقال. اعتُقلت سنة وخمسة أشهر بسبب انضمام زوجها لـ”الجيش السوري الحر”.

تُخبر: “قُبض عليَّ خلال استخراج وثيقة ولادة لطفلتنا…. طلبوا مني الانتظار قليلاً في غرفة، ثم جاء عدة شبان يحملون البنادق وتم اعتقالي ثم اقتيادي لفرع الأمن السياسي في المزة في دمشق”.

وتُضيف: “كنت أسمع الكثير عن عمليات الاعتقال، وأدركت أن الوضع أسوأ بكثير مما سمعت. إن النظام يستخدم جميع أساليب التعذيب دون أي رحمة، صحيح أن معاناتنا في سجون النظام السوري كانت قاسية جداً وحطمت إنسانيتنا ومستقبلنا، لكن للأسف أعرف بعض النساء اللواتي واجهن معاناة جديدة بعد الخروج من المعتقل وأنا واحدة منهن، وصلت إلى أن بعض أقاربي باتوا غير راغبين بالحديث معي أو التواصل معي بسبب الاعتقال”.

عُزلة اجتماعية

تقول هدى، 25 عاماً، وهي معتقلة سابقة في فرع الخطيب في دمشق، إن “أغلب النساء خائفات من الخروج من السجن وخصوصاً المتزوجات، لأن المجتمع لا يرحم وينبذهن ويُحمّلهن مسؤولية ما جرى لهن من انتهاكات، والكثير من النساء طُلّقن فور خروجهن من الزنزانة… زنزانة كان لها رقم هو 8، عشنا وتعيش فيها النساء الويلات واليوم أي سيدة ستخرج ستعيش في زنزانة جديدة”.

يشرح لنا الدكتور أحمد برقاوي، رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق سابقاً، هذا الواقع: “المرأة المعتقلة التي خرجت من سجون النظام السوري تجد نفسها منبوذة من الأهل. هذا النبذ يعود إلى رسوخ الوعي الأخلاقي بالشرف، بوصفه، أي الشرف، مرتبطاً بعفة المرأة، وهذا النمط حرم المرأة من مفهوم البطولة الذي قامت به، فنحن هنا أمام قيمتين: قيمة المرأة العظيمة التي تحملت العذاب والبؤس والاغتصاب من كائنات بدائية لا أخلاقية، والتي هي رمز من رموز الكفاح الوطني، يجب أن يُعلى من شأنها أمام الشعب وتكون موضوع افتخار من أهلها. وقيمة المرأة بوصفها موضوعاً جنسياً، ليس إلا، جرى تدنيسه بالنسبة إلى وعي الناس”.

ويُضيف برقاوي: “هذه المرأة هي رمز الكفاح الإنساني والأخلاقي، بل إن الاعتداء عليها يجب أن يزيدها مكانة بين الأهل والناس، واحتراماً للمختطفات واللواتي يفوق عددهن13 ألفاً، ما زال منهن سبعة آلاف معتقلة، يجب إنشاء جمعيات نسائية حرفية برأسمال وطني وتبرعات مؤسسات عالمية للاهتمام بحياتهن، وبخاصة الأمهات منهن. وكل هذا يُسهم في تحرير الوعي الذكوري من النظرة السلبية إلى هؤلاء النساء اللواتي يجب أن يُضرب المثل بشرفهن الأعلى”.

مُساعدة الناجيات

غادرت منى البلاد وتوجهت للإقامة في تركيا حيث تعمل اليوم منسقة برنامج “تعافي” لتأهيل ومساعدة الناجيات من الاعتقال ضمن منظمة “كش ملك”.

اعتُقلت السيدة، حسب إفادتها، مرتين لدى النظام عام 2012 خرجت عام 2013 ثم اعتقلت 2014 وخرجت بعد أشهر في العام نفسه.

تقول الشابة: “أنتمي لعائلة اعتُقل عدد كبير من أبنائها. كنت أول من اعتُقل، كان الأمر مفاجئاً ومتعباً لأهلي لكنهم وقفوا معي بعد خروجي، وكان الهم الأساسي لإخوتي ووالدي هو إعادتي للحياة. بالنسبة للمجتمع، كان التصرّف قاسياً جداً، إذ كان السؤال الذي يدور في أذهان الجميع أو البعض أو الجزء الأكبر، هو هل تم اغتصابي؟ إنها الفكرة الأكثر رواجاً عن الاعتقال، لم يكن يهم الجميع ما الذي يمكن أن نتعرّض له في الداخل باستثناء الاغتصاب، وما دون ذلك لا يُعوّل عليه”.

تُضيف منى: “حالياً أقوم من خلال عملي في برنامج تعافي بمحاولة مساعدة الناجيات من الاعتقال ومحاولة إعادة دمجهن بالمجتمع من جديد وتغيير الصورة القاسية التي يتناقلها أبناء المجتمع السوري عنهن ليكون هو أيضاً جانباً آخر مع النظام على حياتهن ومستقبلهن”.

“المرأة المُعتقلة التي خرجت من سجون النظام السوري تجد نفسها منبوذة من الأهل. هذا النبذ يعود إلى رسوخ الوعي الأخلاقي بالشرف، بوصفه، أي الشرف، مرتبطاً بعفة المرأة، وهذا النمط حرم المرأة من مفهوم البطولة الذي قامت به”

ورغم ضعف الإمكانات المُقدّمة، فإن عدداً من المراكز والمتخصصات تحاول تقديم الدعم النفسي إلى الناجيات السوريات بعد خروجهن من المعتقل، ومن بينهن الخبيرة الاجتماعية رماح دمشقي التي عملت مع فريق مختص لمعرفة تداعيات ما بعد الاعتقال على المرأة السورية، اجتماعياً وأُسرياً، وكيفيّة تخطيها.

تُواجه دمشقي صعوبات كثيرة خلال عملها، إلا أنها تُصرّ على متابعته لإيمانها أن التوعية طريق مهم لتخطي مآسي النساء الناجيات من سجون النظام السوري وما بعد الاعتقال.

وتقول:” أكثر ما أتذكره بهذا الخصوص هو رجل سألناه ماذا فعلت ابنتك حتى تتعرّض لكل هذه المعاملة؟ فقال: (إذا ابتُليتم بالمعاصي فاستتروا)، وقتها لم أستطع أن أجيبه بشيء، فوجئت جداً”.

 

 

نور، سيدة مدافعة عن حقوق المرأة السورية وتقيم في تركيا، تعمل مع المعتقلات السابقات لمساعدتهن على الاندماج في المجتمع، تقول: “رغم تلقي عدد كبير من السيدات مساعدة ودعم نفسي ولكن هذا لا يلغي الكثير من الانتهاكات التي حصلت للنساء، سواء سابقاً خلال فترة الاحتجاز أو ما واجهن من ضغط ورفض من المجتمع والعائلة”.

صعوبات كثيرة

بحسب منظمات محلية سورية، تم توثيق أكثر من ثلاثين حالة طلاق في سجن عدرا لمجرد علم أهل الزوج بخبر الاعتقال، من بينها قصة إحدى السيدات التي اعتُقلت على خلفية نقل أدوية إلى منطقة محررة.

بعد شهرين على اعتقالها، طلب السجان من السيدة الخروج وأخبرها أن زوجها جاء لزيارتها، وقتها كانت الفرحة تملأ قلبها وبعد عشر دقائق وصلت الفتاة وهي منهارة، كانت تبكي بشدة، فقد سلّم إليها ورقة طلاقها، حسب شهادة معتقلة سابقة.

وفق برهان: “لا يوجد برامج دعم متكامل للمعتقلات وتقتصر برامج المنظمات على جزئيات توعوية والدعم نفسي بسبب التكلفة العالية للدعم المتكامل والذي لم يجد حتى الآن داعماً يتبنى هذه القضية… في مبادرات لرفع الوعي تجاه الناجيات ودفعهن في العمل المدني أو تأمين سبل العيش لهن وبرامج الدعم النفسي في بعض الأحيان…”.

لليوم، لا تزال الناجيات من معتقلات النظام السوري يواجهن صعوبات كثيرة للعودة والتأقلم مع الحياة بعد خروجهن من السجون، إضافة إلى ظروف بالغة القسوة واجهتها السيدات خلال الاعتقال، وسط قيود كثيرة لا تسمح لهن باستعادة الحياة الطبيعية.

*أُنجز هذا التحقيق بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، ضمن مشروع سورية في العمق (Syria In Depth) بالتعاون بين مؤسسة “الغارديان” البريطانية، ومنظمة “دعم الإعلام العالمي”(International Media Support/ IMS)، ونشر على رصيف 22

شاهد أيضاً

“موت بمخلّفات الحياة”… كيف تفتك النفايات الطبية بحياة عاملين في مستشفيات سوريّة؟

تحقيق: عباس علي موسى – القامشلي لم تكد تكمل جيهان ثلاثة أيام في مستشفى “الحكمة” …